الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

الدفاع عن النوع


كثيراً ما ندافع عن (قضية ما) بحجة العدالة والديموقراطية ونصرة الحق (وبقية المُثل العليا..).

كثيراً ما ندافع عن المظلومين تحت مسمى المساواة والإنسانية وتحقيق العدالة البشرية.

كثيراً ما نضحي بأرواحنا من أجل مبادئ سامية نبتكرها لخدمة مصالحنا وبقائنا لأطول فترة ممكنة على وجه الأرض.

السؤال هو: هل نفعل ذلك من أجل المُثل العليا فعلاً، أم من أجل الدفاع عن النوع فقط!؟

إن كان من أجل "المُثل العليا" و"المبادئ السامية" فلماذا نتجاهلها حين يتعلق الأمر مثلا بملايين الأبقار والدواجن التي تقاد يومياً الى المجزرة؟

الجواب ببساطة: لأن البقر والدجاج (نوع مختلف) وقضية لا ترتبط بالبشر.. لأن اختلافها النوعي يبرر أسرها ونحرها بالملايين دون أن يثير ذلك حفيظة أحد!!

ولكن ألا يجيز دفاعنا عن النوع البشري فقط نحرنا نحن - وأكل لحومنا على الموائد الراقية - في حال هبطت مخلوقات فضائية أكثر منا تطورا وقادتنا بالملايين إلى المجزرة!!

وأنا هنا لست في معرض الدفاع عن حقوق الحيوانات - وإن كنت أجزم أنها ستبرز بقوة في المجتمعات المستقبلية - بل للإشارة الى أن الانسان يدافع عن نفسه أولًا تحت مسميات مختلفة.. ثم يدافع في المستوى الثاني عن عائلته والأقرب منه وراثيا، وفي المستوى الثالث عن الأقرب منه جغرافيا وفكريا وعقائديا..

ففي أمريكا مثلا يمكن أن تقوم المظاهرات - وتتشكل قوى ضغط سياسية - ضد إجهاض الأجنة، في حين تحرم ملايين العجول من أمهاتها وتساق للمسلخة يوميا!

وفي الهند شكل اغتصاب فتاة العاصمة (في أحد باصات دلهي) أزمة شعبية وسياسية، في حين تقتل آلاف الفتيات سرا (وفور ولادتهن) في القرى والأرياف للحصول على وريث ذكر!!

وفي بورما يحرق المسلمون بالآلاف، في حين تقوم الدنيا ولا تقعد حين تبث القاعدة مقطعا لمواطن غربي تم نحره على النت!!

.. في الحالة الأولى يدافع الانسان عن نوعه البشري - وليس فصيلة الأبقار - رغم أن ورقة الملوخية تملك "حياة" أكثر من الأجنة في شهرها الأول!!

.. أما في الحالة الثانية فيدافع الانسان عمن يعرفه ويعيش بقربه، في حين لا يعرف ولا يعيش قرب آلاف الفتيات اللواتي يئدهن آباؤهن في القرى البعيدة!!

أما الحالة الثالثة فأكثر أنانية واصطفاء كون الانسان يدافع فقط عمن يشبهه في الشكل، ويشاركه في الجنسية، ويتبنى ذات النظرة والاعتقاد.. فمسلمي الروهنجيا في بورما لا يشتركون مع الأوروبيين والأمريكيين في الشكل والجنسية أوالديانة والاعتقاد وبالتالي يمكن تجاهلهم أو تحويل القناة عنهم دون تأنيب ضمير!!

كل هذا يؤكد أن الدفاع عن (النوع) هو الدافع الوراثي خلف ابتكار المثل العليا!

الدفاع عن (الأقرب للنوع) هو ما يفسر الكيل بمكيالين حين نحاول تطبيق تلك المثل العليا.

الدفاع عمن (يشبهنا في النوع) هو في حقيقته دفاع عن احتمال انقراضنا وتعرضنا نحن لذات المخاطر.

لست ضد المثل العليا ولا المبادئ السامية، ولكن التشدق بها يتطلب المساواة في تحقيقها على كافة المستويات وجميع الأنواع.. ولكن الواقع يثبت أن الانسان أناني بطبعه يدافع عن نوعه فقط (بدليل اقتصار كلامنا على مسميات خاصة بنا فقط مثل: الإنسانية، وحقوق الانسان، والعدالة البشرية).. أناني حتى في تدرجه وتطبيق مثله العليا على الأقرب فالأقرب (بدليل ابتكار أمثلة عامية مثل: أنا وشقيقي على ولد عمي، وأنا وولد عمي على الغريب)!!

المفارقة المحرجة؛ أن أنانيته هذه تجيز لأي مخلوقات أكثر منه تطوراً نحره بالملايين لمجرد اختلافه عنها في النوع!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...