‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2017. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2017. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 16 مارس 2020

مشروع مانهاتن


معظم العلماء الذين ساهموا في تفجير أول قنبلة ذرية أميركية كانوا أجانب.. كان أبرزهم فيرمي الإيطالي، وزيلارد المجري، وأنشتاين النمساوي، وأوبنهايمر الألماني.. هرب أنشتاين من النازيين، وفيرمي من الفاشيين، وهرب البقية من جحيم الحرب العالمية الثانية في أوروبا..

وفي تلك الفترة كانت ألمانيا تخوض سباقاً محموماً مع بريطانيا وروسيا وأميركا لشطر الذرة وإنتاج أول قنبلة ذرية.. وخلال الحرب سمع فيرمي (الذي قدم للتو من إيطاليا) بأن العلماء الألمان كرروا تجاربه على اليورانيوم واقتربوا من فلق الـذرة. وهكذا اتفق مع زميله زيلارد على كتابة رسالة للرئيس الأميركي روزفلت يحذرونه فيها من اقتراب هتلر من امتلاك قنبلة خارقة يمكنها نسف مدن كاملة.. وكي يمنحا رسالتهما قوة ومصداقية عرضا على أنشتاين التوقيع عليها أيضاً.. أنشتاين لم يرحب فقط بالفكرة بــل وأضاف فقرة أرعبت روزفلت يقول فيها: "وقد وصل لعلمي أن هتلر منع تصدير اليورانيوم من ألمانيا وأمر باستيراد كافة الكميات المستخرجة من أفريقيا لهذا الغرض"...

وحين اطلع روزفلت على الرسالة (المقدمة من أعظم ثلاثة فيزيائيين في العالم) أمر فوراً بإنشاء مشروع سري لأبحاث الذرة عرف بمشروع مانهاتن.. وخلال عامين تم تحديد كتلة التفجير الحرجة (من عنصر اليورانيوم الذي اكتشفه فيرمي) واقتربت أميركا من الفوز بسباق الذرة - رغم تجسس الروس الدائم على المشروع..

وحين هاجم اليابانيون ميناء بيرل أصبحت أميركا منقسمة بين جبهتين؛ في أوروبا بمواجهة هتلر، وفي آسيا بمواجهة اليابان.. لم تكن حينها أقوى دولة في العالم وأدركت أن التغلب على اليابان يتطلب سلاحاً نوعياً جديداً.. ضغطت على العلماء للانتهاء من صنع القنبلة الذرية وتمكنت فعلاً من تفجير قنبلة صغيرة في صحراء الامجوردو في 16 يوليو 1945.. ولضيق الوقت رفض الرئيس الأميركي تجربة القنبلة الثانية وأمر برميها مباشرة فوق رؤوس اليابانيين (الذين كانوا يفضلون الانتحار على التخلي عن مواقعهم في آسيا)..

غير أن اليابانيين لم يستسلموا حتى بعد تدمير هيروشيما بأول قنبلة ذرية (في 6 أغسطس 1945) الأمر الذي استدعى قذف نجازاكي بعد ثلاثة أيام والتهديد بقصف طوكيو في حال رفض الامبراطور الاستسلام..

وباستسلام اليابان تأكد نجاح مشروع مانهاتن (أغلى مشروع علمي في التاريخ) وتأكد نجاح الإنسان في استخراج أول طاقة لا تمت للشمس بصلة.. غير أن الجميع أصيب بالصدمة من قوة التفجير ونـدم علماء المشروع على كتابة رسالتهم الأولى إلى روزفـلت - وتراجع حتى أوبنهايمر اليهودي عن دعوته لقصف ألمانيا بالقنابل الذرية..

غير أن روسيا نجحت (بعد عشرين يوماً فقط من قصف نجازاكي) في تفجير قنبلتها الذرية الأولى، فقررت أميركا المضي قدماً في إنتاج أول قنبلة هيدروجينية.. وحين علم بذلك علماء مانهاتن كتبوا رسالة جديدة إلى الرئيس ترومان يحذرونه فيها من خطورة إنتاج قنبلة هيدروجينية تفوق القنبلة الذرية بآلاف المرات..

ولكن هذه المرة؛ كان المارد قد خرج من القمقم فـلم يلتفت لـنصيحتهم أحـد..

أفكار خرجت من الكراج


الإنجازات العظيمة كانت ذات يوم مجرد أحلام صغيرة.. تأمل أي إنجاز عظيم ستكتشف أنه بـدأ بحلم لم يلق التشجيع ولا الموقع المناسب في بداية انطلاقه..

لاحظت شخصيا أن عددا كبيرا من الشركات التقنية العظيمة خرجت من كاراج المنزل في أميركا..

وكراج المنزل في أميركا يقابله مايعرف لدينا بالملحق الذي تحدث فيه أشياء كثيرة لا يسمح بها داخل البيت.. هنري فورد، وستيف جوبز، وسيرجي برين، وجيف بيزوس، ووالت ديزني، بدأوا أعمالهم من كراج المنزل.. أسسوا شركاتهم وبنوا اختراعاتهم ووظفوا أصدقاءهم قبل مغادرة الكاراج.. أعمارهم الصغيرة وأفكارهم الجريئة لم تترك لهم غير تحويل الكاراج لمقر مؤقت ـــ خصوصا أن معظمهم باع سيارته لتمويل مشروعه الجديد...

أقــدم شركة خرجت من "كاراج السيارات" كانت شركة لانتاج السيارات.. ففي عام 1903 أعلن هنري فورد عن تأسيس شركته من كاراج صديقه.. كان يعمل داخل الكراج على اصلاح السيارات التالفة حتى قرر بناء محركه الخاص وإنتاج سيارته الشهيرة "موديلT" ...

أما شركة ديزني فتأسست عام 1923 من كاراج صغير في هوليود.. استعاره والت ديزني من عمه هنري لبناء استديو لإنتاج أفلام الكرتون .. ورغم أن الكاراج لا يتسع سوى لسيارة واحده تحول قبل وفــاة ديزني إلى مدينة ترفيهيه ضخمة واستديوهات عملاقة لإنتاج الأفلام..

أيضا شركة آبــل تـعـد اليوم ضمن أضخم الشركات العالمية رغم أنها بدأت من كاراج مهمل في كاليفورنيا يملكه والد ستيف جوبز.. حوله ستيف مع صديقه وزنياك إلى ورشة الكترونية ركـبا فيها مختلف الأجهزة والحاسبات المبرمجة.. وفي عام 1976 أكملا صنع أول حاسب شخصي وأعلنا عن تأسيس شركة أبـل...

أيضا هناك شركة جوجل التي بدأها لاري بيج وسيرجي برين من كاراج تبرعت به سيدة تدعى سوزان ووجسيسكي.. كان محرك البحث الجديد يعتمد على معادلات رياضية فشلا في بيعها لمحركات البحث المعروفة فقررا عام1988 انشاء شركتهما الخاصة.. واليوم تفوق قيمة جوجل 550 مليار دولار وتترأس مدام ووجسيسكي قسم الدعاية والاعلان...

وفي عام 1994 أسس شاب يدعى جيف بيزوس موقعا الكترونيا لبيع الكتب دعاه "أمازون" .. أضطر والده لإيقاف سيارته طوال أشهر الشتاء خارج الكاراج كونه أصبح مزدحما بالكتب.. وسرعان ما لاقت فكرته نجاحا كبيرا وتحول موقعه البسيط إلى أكبر شركة في العالم تبيع (كل شيء) بطريقة الكترونية...

... هـذه النماذج تؤكد أن قـلة الإمكانيات لا تـقـف عائقا أمام الإصرار والإبداع وإيمان الانسان بفكرته.. حين تريد تحقيق فكرتك ستجد حتما الحل المناسبة، وحين لا تريد ستجد أيضا العـذر المناسب.. حين تثق بقدرتك على النجاح ستتجاوز كافة العقبات، وحين تـتـردد ستتبنى واحدا من أقـدم ثلاثة أعذار في التاريخ (لم أجد التشجيع، أو التمويل، أو الموقع المناسب)...

وجميعها يا صديقي أعـذار واهية تؤكدها القصص السابقة...

الساكنون تحت الأرض


دول كثيرة اضطرت لبناء مدن كاملة تحت الأرض .. تفعل ذلك إما بسبب الازدحام وقلة المساحة أو بسبب الظروف المناخية المتطرفة .. ففي سيبيريا مثلا (حيث تنخفض درجة الحرارة لأقل من خمسين درجة تحت الصفر) تستقر معظم المنشآت في مدن مثل ياكوتسك ونوريلسك تحت الأرض طلبا للدفء..

ولنفس السبب تتميز جزيرة هوكايدو (في أقصى الشمال الياباني) بوجود معظم مدنها ومنشآتها تحت الأرض ــ لدرجة لا يرى الزائر غير المداخن ومداخل الأبنية فوقها. أما في أستراليا (وكثير من مدن المناجم في نيفادا وأريزونا) فتوجد مدينة كاملة تحت الأرض تدعى كوبربيدي.. وبدأ إنشاء هذه المدينة عام 1915 حين عمد عمال المناجم (الذين مايزالون يعملون على استخراج حجر الأوبال الكريم) إلى بناء بيوتهم تحت الأرض هرباً من الحرارة المرتفعة التي تصل أحيانا إلى 51 درجة مئوية...‏

ومن المعروف أن المنشآت التحت أرضية لها مميزات تعوض التكاليف الكبيرة لإنشائها ؛ فهناك مثلا الاقتصاد في الطاقة بسبب العزل الطبيعي للتربة، والاستفادة من الحرارة الداخلية لتوليد الطاقة الكهربائية، والمقاومة الكبيرة للزلازل (وهي مطلب حيوي للدول التي تعيش فوق المناطق الجيولوجية المضطربة) والأهم من هذا كله توفير أكبر مساحة يمكن استغلالها فوق الأرض !

ورغـم أن إنشاء المرافق البلدية تحت الأرض فكرة ليست جديدة تماما (كونها موجودة بشكل أسواق ومبان وخطوط حديدية في الدول المتقدمة) تحولت دون قصد لمدن حقيقية مدفونة بفضل تكاملها وتوسعها المستمرين !

ورغـم أن اليابان من أكثر الدول امتلاكا للمنشآت تحت الأرضية، بدأت قبل غيرها في بـناء مدن جديدة بالكامل تحت مدنها الحالية.. ومن المعروف أن مساحة اليابان ككل لا تزيد على مساحة العراق ولكن بعدد سكان يتجاوز الــ125 مليون نسمة. ولهذا السبب تعتمد كثيرا على نسف الجبال وبناء المنشآت العائمة فوق البحر (مثل مطار كانساي العائم) واستعمال النفايات لدفـن البحر وبناء ضواحٍ جديدة (كما حصل في منطقة أودايبا في خليج طوكيو)!

ورغم ان اليابانيين كانوا السباقين بالفعل إلى انشاء المرافق المدفونة والمساكن العائمة اتجهوا منذ عقد الثمانينات إلى إنشاء مدن جديدة ضخمة تحت المناطق الأشد ازدحاما.. وخلال العقدين الماضيين نجحوا في إنشاء مراكز حضرية متكاملة على اعماق كبيرة.. واليوم تملك اليابان ضواحي تجارية متكاملة تستقر على عمق خمسين مترا وتتجاوز مساحتها الاجمالية الفاتيكان بـمـئتي ضعـف !!

... ليس لدي أدنى شك أن دولا صغيرة ومزدحمة (مثل سنغافورة وهونج كونج وموناكو) لن تجد مستقبلا غير بناء مدن تعوم فوق البحر، أو تنزل عدة طوابق تحت الأرض!

الأسباب المادية أولا


سيدة متزوجة حديثا اتصلت بشيخ معروف كي تسأله عن كثرة النمل والصراصير في منزلها وهل يعود السبب (كما أخبرها البعض) إلى إصابتها بالعـين والحسد أو وجود عمل سحري في منزلها؟..

الشيخ لم يجارها في هذا الرأي ونصحها بالاهتمام بنظافة بيتها إن أرادت التخلص من النمل والصراصير..

هـذه الفتوى ــ على طرافتها ــ تتضمن دروسا في المنطق، وطريقة الإفتاء، وضرورة تفكيرنا بطريقة عملية (حتى مع تسليمنا ببعض الغيبيات الدينية)..

... لاحظ مثلا أن الشيخ لم ينكر حقيقة العين والحسد (ولا حتى إمكانية العمل السحري) ولكنه أعادها فقط إلى الصواب ووجهها إلى الأسباب الحقيقية والاحتمال الأقرب للواقع.. نصحها بالنظافة كون "الوساخة" هي السبب الأقـرب مقارنة بالعين والسحر والحسد (التي تعد احتمالا بعيدا).. كان يفترض بالمتصلة (قبل أن تشغل المشائخ بقضايا لا تخصهم) الاتصال بشركة متخصصة في إبادة الحشرات أو البحث في الانترنت عن أفضل الطرق التخلص منها...

مشكلتنا الحقيقية لا تكمن في إيماننا بـالعين والسحر والحسد، بــل في تحويلها إلى شماعة نعلق عليها أسباب فشلنا وكسلنا وعجزنا عن التصرف.. هوسنا الدائم بالمؤثرات الغيبية يجعلنا نبحث دائما في الاتجاه الخاطئ ويضعنا في حالة شك دائم بالناس المحيطين بنا.. فما أن نخسر مالا أو تجارة حتى نعيد ذلك إلى عـين حاسد.. وما أن يصاب أحدنا بالصرع حتى نـتهم الغـير بتسلط جني عليه.. وما أن يفارق الرجل زوجته أو يقترن بغيرها حتى نعيد ذلك إلى عمل سحري ضدها (وليس مثلا فشلها في كسب محبته)..

لا أحد ينكر وجود نـصوص شرعية تـتعلق بالمسببات الغيبية، ولكنها نصوص تؤكد وجودها وليس إلزامية حدوثها.. تظل حالات استثنائية نادرة أو مخالفة للواقع (مثل محاولة ربط الصراصير بالسحر) مقارنة بالأسباب المادية الأكثر انتشارا وأقرب للواقع (كـانتشار الصراصير في أي منزل تتراكم فيه النفايات العضوية)..

ـــ أيها السـادة؛

يجب أن نفكر في الاتجاه الصحيح إن أردنا التقدم في الاتجاه الصحيح.. يجب أن نفكر (أولا) بـالمسببات المادية قبل الغيبية كونها الأقرب للمشكلة والأكثر توافقا مع عالمنا المادي المحسوس.. يجب على علمائنا وشيوخنا عدم تشجيع المستفتين على التنطع في الأسئلة أو التعلق بالخوارق وإعادتهم دائما إلى أرض الواقع (كما فعل الشيخ الذي بدأنا به المقال)...

... ذات يوم سأله رجل الإمام الشعبي (وهو تابعي وفقيه ولد في خلافة عمر بن الخطاب):

ــ "إذا دخلت النهر لأغتسل فهل أجعل وجهي تجاه القبلة أم عكسها؟"

أجابه الشعبي:

... اجعل وجهك باتجاه ملابسك كي لا يسرقها أحــد...

ليس نسيج وحده


قبل أن يعترف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل قرأت تقريرا بعنوان: "60 ألف معالج نفسي يؤكدون أن ترمب يعاني من مرض عقلي خطير"..

في البداية لم يلفت الخبر انتباهي لأن ربع الأمريكان مصابون بأمراض نفسية مختلفة (حسب صحيفة الواشنطن بوست في 7 يونيو 2005) وبالتالي من الطبيعي أن يوجـد خمسون منهم في البيت الأبيض فقط (الذي يضم مئتي موظف).

وقبل أن يثير الخبر استغرابك لاحظ أنه لا يتحدث عن "مرض نفسي" بــل عن "مرض عقلي" وهذا فرق كبير.

فالمرض النفسي حدث مؤقت يمر به معظم الناس (بمن فيهم أنا وأنت) أما المرض العقلي فيعني وجود خلل مادي أو عضوي في تكوين الدماغ -ولا يدرك صاحبه أنه مريض أصلا- الأمر الذي يفسر عدم ادراك ترمب لتداعيات نقل سفارته للقدس أو مهاجمة صواريخ كوريا الشمالية.

والتشكيك بعقلية ترامب لم يصدر مني بل من مجموعة تدعى «التحذير» أسسها طبيب نفسي مشهور يدعى جون غارتنر جمعت 60 ألف توقيع من اختصاصيي الصحة النفسية يدعون فيه إلى عزل الرئيس من منصبه بسبب (مرض عقلي) يجعله غير قادر على الاضطلاع بمهام رئيس الولايات المتحدة..

وعلى حسابها في الفيس بوك قالت المجموعة: "ونحن نؤمن بأن دونالد ترمب يعاني من مرض عقلي خطير يجعله غير قادر على أداء مهام رئيس الولايات المتحدة ونطالب باحترام بإبعاده وفقا لمواد الدستور التي تنص على استبدال الرئيس إذا كان غير قادر على أداء صلاحيات وواجبات منصبه"..

وهذا التقرير ليس الأول الذي يتساءل عن الصحة العقلية لنزيل البيت الأبيض.. فقد ظهرت هذه التساؤلات حتى قبل أن يترشح للانتخابات من خلال برامجه التلفزيونية التي كان يقدمها بنفسه.. وحين دخل الانتخابات لاحظ جميع الناس (بما في ذلك نحن) وجود خطب في هذا الرجل - وحاولت هيلاري كلينتون استغلال بعض الإشارات لتأكيد عدم صلاحيته للمنصب.. ومنذ دخوله البيت الأبيض ظهرت آلاف الأخبار والتقارير التي تتحدث عن هذا الموضوع في وسائل الاعلام الأمريكية (يمكنك قراءة الكثير منها في حال وضعت احدى هاتين الجملتين في جوجل:Trump’s Mental Health أو Is Donald Trump Mentally Ill)..

على أي حال؛ ترمب لن يكون نسيج وحده في الجمع بين مسؤولية الزعامة ومتعة الجنون (فربيعنا العربي لم يشتعل أصلا لولا وجود مجانين كالمرحومين القذافي وصالح).. ورغم أنني سبق وكتبت مقالا بهذا الخصوص (بعنوان: مجانين حكموا العالم) لا أعتقد أن لهذه التقارير القدرة على عزل الرئيس ترمب كونها غير رسمية وغير ملزمة.

المؤكد؛ أنها ستستغل من قبل معارضيه في مجلسي الكونغرس والنواب لمنعه من الحصول على ولاية ثانية.. وهـذا بلا شك أمر سيمنح راحة الـبال لبقية المجانين في إيـران وقطر وكوريا الشمالية.

الورقة الخفية في المعارك الأميركية


لا يكاد يمر عام إلا ويطالب الرئيس الأميركي أو وزير دفاعه بتخصيص المزيد من الأموال للجيش الأميركي -الذي يحتل أصلاً المركز الأول في ميزان المصروفات العسكرية ويفوق الست والعشرين دولة التالية له (مجمعة) في الميزانية المرصودة له.

وغني عن القول: إن "الجيوش" مؤسسات وطنية مكلفة والحروب "صناعة" لا يمكنها التوقف عن العمل.. صناعة حقيقية تربح في حال نشبت "المعارك" وتخسر إن عم السلام لفترة طويلة.. فكر في الشركات والمصانع التي تنتج الذخيرة والعتاد العسكري، كيف ستستمر في العمل وتدفع رواتب موظفيها لو توقف العالم عن نزاعاته العسكرية؟

لهذا السبب ليس المهم من يقتل من، المهم أن تستمر النزاعات المسلحة لأكبر وقت ممكن.. ليس المهم -من وجهة نظر لوبي الأسلحة- أن ينتصر الجيش أو ينهزم المهم أن يستمر في طلب الذخيرة والعتاد العسكري. أكبر فترة انتعشت فيها مصانع الأسلحة في أميركا حين تورط الجيش الأميركي في فيتنام واستهلك كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة وطائرات الهليكوبتر.

معادلة الحروب وأسباب شنها تغيرت عن الأيام الخوالي؛ في الماضي كانت الدول القوية تستعمر الدول الضعيفة لتدعيم اقتصاداتها وفتح أسواق جديدة لها.. ومراجعة سريعة لسياسة الاستعمار البريطاني -وبقية الدول الأوروبية في أفريقيا وآسيا- تثبت أن الاستعمار كان بمثابة "مشروعات تجارية" عادت بالربح على المواطنين في إنجلترا وأوروبا.. أما المجتمع الأميركي فخرج خاسراً حتى في الحروب التي انتصر فيها جيشه عسكرياً.. ففي الحرب العالمية الأولى صرفت أميركا 500 مليار دولار، وفي الثانية 480 مليار دولار، وفي الحرب الكورية 408 مليارات، وفي فيتنام 584 مليارًا، وفي أفغانستان 103 مليارات وفي حرب الخليج الأولى 82 ملياراً وفي الثانية 87 ملياراً - وهذه المبالغ دفعها المواطن الأميركي كضرائب.

وهذه الأرقام المهولة تثبت أن الحروب الأميركية كانت دائماً مشروعات خاسرة اقتصادياً (بالنسبة لدافعي الضرائب) ولكنها مربحة اقتصادياً لشركات الأسلحة وسماسرة الحرب. فشركات الأسلحة تعـتاش على الحروب الخارجية ولاتستطيع البقاء فترة طويلة دون عقود شراء تضمن لها "الحــــياة".. لوبي الأسلحة في واشنطن لا يهمه كم تخسر دولته في الخارج طالما تستمر عقود الشراء - ويستمر في تصريف الأسلحة العتيقة وتجريب الأسلحة الحديثة.. قد تكون أميركا خسرت الحرب في فيتنام ولكن شركات الأسلحة ربحت الملايين من بيع 13 ألف طائرة هليكوبتر و1800 طائرة نفاثة و15 ألف مدرعة وحاملة جند - ناهيك عن أطنان لا تحصى من الذخيرة والأسلحة الخفيفة!!

تخيل فقط مشاعر العالم تجاة أميركا (والشعب الأميركي) لو صرفت هذه المبالغ لمساعدة الشعوب المضطهدة في فيتنام وأفغانستان والعراق بدل احتلالها وتدميرها.

الفكرة مثالية وجميلة، ولكنها تهدد بإغلاق مصانع وشركات الأسلحة التي تملك قوى ضغط هائلة في مجلسي الكونغرس والنواب..

أعـظم الشخصيات


اختيار أعظم الشخصيات في التاريخ أمر لا يخلو من النسبية والتحيز الثقافي والقومي والعرقي.. نادراً ما تجد قائمة تظهر في أميركا (مثلاً) تتضمن اسماً من الهند أو اليابان أو جنوب أفريقيا - حيث يبرز اسم نيلسون منديلا دون منازع...

ولأن لكل قاعدة استثناء أشير في البداية إلى كتاب "المائة الأوائل" للمؤرخ الأميركي مايكل هارت الذي اختار فيه نبينا محمد كأعظم رجل في التاريخ.. لم يكن الرجل مسلماً (ولم يسلم بعد تأليف الكتاب) ولكنه ببساطة كان محايداً يملك معايير نزيهة ومجرده لترتيب العظماء بحسب قوة تأثيرهم وعدد البشر الذين تأثروا فيهم أو بسببهم (علماً أنه وضع نيوتن في المركز الثاني وعيسى المسيح في المركز الثالث وعمر بن الخطاب في المركز الواحد والخمسين)..

وبمناسبة قرب انتهاء هذا العام (2017) فكرت بأخذكم في جولة سريعة على مصادر غربية حاولت اختيار أعظم الشخصيات في التاريخ بحسب معاييرها الخاصة.. خطرت الفكرة ببالي أثناء عثوري على عدد قديم من مجلة لايف الأميركية (أصدرته بمناسبة دخولنا للقرن الواحد والعشرين) وضعت فيه المخترع الأميركي توماس اديسون في المركز الأول (الذي وضعه مايكل هارت في المركز 38) وكولومبس في المركز الثاني (الذي وضعه هارت في المركز التاسع) ومارتن لوثر كنج في المركز الثالث ثم غاليليو جالي، وليونارد دي فنشي، ونيوتن، ثم ماجلان، وباستير، وداروين، وتوماس جيفرسون ـ فيما كان نيلسون مانديلا الأفريقي الوحيد في القائمة وحقق المركز 19…

وفي هذا العام طلب معهد سينيا (للأبحاث التاريخية بنيويورك) من أقسام التاريخ في مئة جامعة أميركية اختيار أهم الشخصيات المؤثرة (وليس المفضلة) في آخر مئة عام؛ فأتت النتيجة على النحو التالي:

1- هتلر 2- ستالين 3- روزفلت 4- لينين 5- ماوتسي تونج 6- انشتاين 7- غاندي 8- تشرشل 9- جورباتشوف 10-سيجموند فرويد.

أما محطة البي بي سي فقد طلبت من مستمعيها في بداية العام اختيار أعظم الشخصيات البريطانية (علماً أن بريطانيا استحوذت على أكثر الأسماء في قائمة مايكل هارت من حيث جنسية العظماء).. وأتت ردود المستمعين كالتالي: شكسبير - تشرشل - كاكستون (أول من أدخل الطباعة) - كرومويل - داروين - نيوتن…

أما عن أشهر النساء فقد نشرت صحيفة "فيلت زونتاج" الألمانية (في 8 مارس 99) قائمة بــ10 نساء غيرن معالم القرن العشرين فأتى ترتيبهن على النحو التالي:

1- الفيلسوفة ديبوفوار (زوجة سارتر) 2- النحاتة نيكي سانت 3- الممثلة مارلين مونرو 4- المؤلفة السويدية لندجرين 5- المعمارية العراقية زها حديد 6- مغنية الأوبرا ماريا كالاس 7- مادونا 8- الكاتبة البريطانية سارة كين 9- مصممة الموضة شانيل 10- وأخير الدمية باربي (التي لها أصل حقيقي) باعتبارها حسب الصحيفة المرأة التي لا تشيخ !!

متى تتغلب الروبوتات على البشر؟


منذ خلق الله الإنسان وهو مطمئن على سيادته لكوكب الأرض وسيطرته على كافة المخلوقات.. لهذا السبب تُخيفنا فكرة نزول مخلوقات فضائية تفوقنا ذكاء، أو ظهور آلات ذكية تفكر دون موافـقـتنا..

وخوفنا من ظهور من يفوقنا ذكاء يتضح من روايات الخيال وأفلام المستقبل التي تتحدث كثيراً عن هذا الموضوع (مثل فيلم التيرمنيتور ورواية حرب العوالم)...

غير أن هذا الخوف (من ظهور من يفوقنا ذكاء) لم يمنع البشر من مواصلة السعي لصنع آلات تفكر بذاتها.. في أميركا واليابان بالذات تتقدم الأبحاث بسرعة نحو هذا الهدف.. شركات التقنية الأميركية تتفوق في برمجيات التفكير، في حين تتفوق اليابان في صنع روبوتات ميكانيكية شاهدتها بنفسي في المطاعم والفنادق ومحطات القطار...

وأعتقد شخصياً أن أهم مشكلة تواجه صناعة الآلات المفكرة هي عدم اتفاق البشر أنفسهم على تعريف الذكاء - والمرحلة التي يمكن القول بعدها: إنها أصبحت واعية ومستقلة بذاتها.. وهذه الضبابية من الأسباب التي تخيفنا وتمنعنا من الاتفاق على سقف محدد للذكاء المفترض لآلات المستقبل..

غموض المستقبل هو ما يجعل البشر ينقسمون بين مؤيد ورافض لصنع مثل هذه الآلات.. خذ كمثال إلمون موسك مؤسِس شركة تيسلا لإنتاج السيارات الكهربائية الذي يعتقد أن الذكاء الاصطناعي هو أكبر خطر يهدد وجودنا كبشر.. وفي المقابل يعتقد مارك زوكربيرغ مؤسِّس شركة فيسبوك أن الذكاء الاصطناعي سيحسن من حياة الناس ويجعلها أكثر سهولة.. أما عالم الفيزياء ميتشو كاكو (الذي أراه كثيراً على قناة ديسكفري) فيرى أن الروبوتات الذكية ستصبح امتداداً للبشر وسبباً في ولادتهم من جديد.. فالبشر يصعب عليهم السفر بين النجوم بسبب أعمارهم القصيرة التي تقــل عن أي رحلة فضائية تستغرق آلاف السنين.. والحل في نظره هو صنع روبوتات يمكنها السفر في الفضاء لفترات طويلة حتى تجد كوكباً مناسباً تزرع عليه أجنة بشرية تبدأ مستعمرة جديدة...

أنا شخصياً أفرق بين كلمة (تظهر) والفعل (يسيطر).. فالآلات المفكرة بدأت بالظهور فعلاً من خلال أجهزة كثيرة -أقربها هاتفك الجوال والتطبيقات الذكية الموجودة داخله.. أما مسألة تحول الذكاء الاصطناعي إلى روبوتات تسيطر على البشر (كما في فيلم التيرمنيتور) فهذه مسألة يصعب حدوثها ولكنها غير مستبعدة بسبب التضاعف غير المتوقع للذكاء الاصطناعي ...

مستوى الذكاء الاصطناعي (الذي تستقل عنده الآلات المفكرة) أمر لا يمكن معرفته أو توقعه.. لا يمكن تخمين الوقت الذي سيبدأ فيه ذكاء الآلات بالتضاعف بطريقة تلقائية بحيث يتفوق على ذكاء الإنسان ويخرج عن سيطرة البشر..

المؤكد أنه بمجرد خروج الآلات الذكية عن سيطرة البشر سيصبح البشر -لأول مرة في تاريخهم- عـبيداً لجنس آخر، وتكون الآلات المفكرة آخر اختراعاتهم العظيمة...

اجعل المستحيل صديقك


لا يوجد مستحيل ولكن يوجد ممكن..

هذه القاعدة التي أؤمن بها شخصيا تنطبق على أي مجال تتخيله.. فبقدر العزيمة التي تقف خلف "الإنجاز" يصبح المستحيل ممكنا. حين تملك الإصرار على فعل الشيء ستجد (ألف طريقة) لفعله، وحين تتقاعس وتتردد ستجد (ألف عذر) لعدم فعـله.. المستحيل حالة ذهنية لاتوجد إلا في عقل من يؤمن بها.. ماتراه أنت مستحيلا يراه غيرك ممكنا، وماتراه أنت ممكنا يراه غيرك مضمون النتائج.. كلما كنت عظيما في أحلامك وطموحاتك كلما صغرت في عينيك الإنجازات التي يراها غيرك بحجم الجبال (وهي الحقيقة التي عبر عنها المتنبئ بقوله:

وتعظمُ في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم)..

راجع سير القادة والعظماء ستكتشف أنهم (قبل قهرهم للمستحيل) تعاملوا معه على أنه أمر "ممكن".. قبل أن يحاصر محمد الفاتح القسطنطينية، وقبل أن يوحد الملك عبدالعزيز الجزيرة العربية، وقبل أن يتغلب نبينا محمد عليه أفضل السلام على قريش والقبائل العربية كان الجميع يعتبر أحلامهم من قبيل المستحيل.. لم يخطر بـبــال أحد أنها إنجازات ممكنة باستثناء من قاموا بتنفيذها فعلا.. وحين يؤمن القائد بقدرته على إنجاز المستحيل يُـلهم من حوله ويستقطبهم نحو حلمه، حتى وإن كان في قلوبهم شيء من الشك والتردد...

غير أن قوة العزيمة والثقة بالإنجاز لا تكفي وحدها لقهر المستحيل.. يجب أن تكون انسانا واقعيا وبراغماتيا تدرس المستحيل بشكل عميق واحترافي لتتعرف على نقاط قوته وضعفه وكيف يمكنك قهره.. كلما تعمقت في دراسة "المستحيل" تشعر أنه أصبح سهلا وممكنا وتحول إلى صديق تعرفه جيدا ــ أو على الأقل ألفت وجوده معك...

خذ كمثال محمد الفاتح الذي تملكته فكرة فتح القسطنطينية وتحقيق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم (لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش).. أصبح مهووسا بهذه الفكرة لدرجة لم يعد ينام الليل.. درس كل الخرائط وأمر بصنع مجسم للمدينة والمضايق البحرية المحيطة بها. أمر ببناء سفن تسير على اليابسة (فوق سكك خشبية) كي يتجاوز السلاسل التي تقفل مداخلها البحرية.. استقطب أفضل صانعي المدافع من أوربا ودرب جنوده على قذف أسوار المدينة في نقاط متفق عليها.. استوعب كافة نقاط الضعف والقوة حتى تملكته قناعة بأن احتلال القسطنطينية ليس مستحيلا كما يعتقد معظم الناس.. وحين أتت ساعة الصفر شن حصارا منظما (وموجودا في رأسه مسبقا) وتمكن فعلا من اقتحام المدينة عام857هـــ وتحقيق نبوءة عجز عن تحقيقها خلفاء بني أمية والعباس...

...بــاختصار؛

كي تحقق المستحيل عليك أن تؤمن أولا:

· بعـدم وجود شيء يدعى مستحيلاً...

· وبأن قـدراتك النفسية والذهنية تراه في خانة "ممكن"...

· وبأنك درست نقاط قوته وضعفه (حتى أصبح صديقا تعرف كل أسراره)...

...حينها فقط ستتحقق فيك نبوءة المتنبئ:

وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً

تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ

ربيع السعودية


حين زارت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر فرنسا عام 1989 قال الرئيس الفرنسي ميتران:

"الثورة الفرنسية قدمت للعالم مفهوم الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية"..

وحين أتى الدور على تاتشر قالت:

"ولكن كل هذا تم تحقيقه في بريطانيا دون عـنف أو ضجيج أو حروب نابليونية"...

هذا هو الفرق الذي نريد التحدث عنه اليوم.. تغـيير يعتمد على القوة والعنف (قد ينجح وقد يفشل) وتغيير يعتمد على التوافق الاجتماعي والوعي السياسي (سينجح عاجلاً أو آجلاً)...

لم يحدث في بريطانيا طوال تاريخها أي ثورات (باستثناء الثورة الصناعية التي حولتها لقوة عظمى).. وفي المقابل راجع نتائج الثورة الفرنسية عام 1789 والروسية عام 1917 والصينية عام 1949 لتكتشف أن جميعها تسببت بتمزيق المجتمع وقتل ملايين المدنيين...

الثورات العنيفة تعقبها دائماً حروب أهلية عنيفة بدليل ما يحدث الآن في اليمن وسوريا وليبيا.. ثورات الربيع العربي تسببت بأعمال عـنف واضطرابات ما زالت تعاني منها الشعوب المعنية.. صحيح أنها أزالت الطغاة ولكنها فشلت في تقديم (البـديـل) فمزقت البلاد وخلقت ألف طاغية وأمير حرب..

لا ينكر أحد أن "الثورة الفرنسية" قامت على مطالب الحرية والديموقراطية والمساواة الاجتماعية، ولكن كل هذا أتى بثمن مرتفع وزمن طويل.. حتى فـولتير نفسه (أحد منظري الثورة الفرنسية) أبدى إعجابه بمستوى التسامح والعدالة الاجتماعية والملكية الدستورية في بريطانيا ونادى بتطبيقها في فرنسا..

وفي عصرنا الحاضر أدركت شعوب كثيرة أن (التغيير النوعي) لا يحتاج للعنف والقوة، بل للحكمة والروية والاتفاق على التغيير ذاته.. النموذج البريطاني الهادئ تكرر أيضاً في ماليزيا وبنما وكوستاريكا وتايوان.. حتى روسيا تخلت بهدوء عن النظام الماركسي العنيد عام 1991 وقدمت لشعبها رفاهية وعدالة اجتماعية لم تحققها ثورة البلاشفة الدموية عام1917...

كل هذا يؤكد أفضلية (النموذج البريطاني) في الانتقال نحو مستقبل أفضل.. الشعب السعودي بأكمله يفضل هذا الخيار بدليل عدم انجرافه خلف تداعيات الربيع العربي عام 2011 (الذي فشل حتى في محاكاة النموذج الفرنسي).. رأى فيه عملية هدم لا يعقبها تغيير فلم يشأ نقض غزله من بعد قوة.. صحيح أنه لم يكن راضياً عن أشياء كثيرة في البلاد (كالفساد والمحسوبية وسيطرة الفكر المتشدد) ولكنه اليوم يجد قيادة واعـدة تعمل على تحقيق تطلعاته دون إدخال البلاد في دوامة عنف وفوضى يشاهدها كل يوم على التلفزيون...

خلال آخر عامين فقط قدمنا أنموذجاً لربيع حقيقي أساسه التوافق الجماعي والوعي السياسي والإنجاز الفعلي.. يختلف ربيعنا السعودي عن ربيعنا العربي في أنه لم يزعزع السلم الداخلي ولم تتواجه فيه السلطة مع الشعب - بل على العكس؛ تبنت فيه السلطة مطالب الشعب وتواجهت فيه مع الفساد الأمر الذي يفسر الشعبية الخارقة لولي عهدها الشاب...

... أتمنى أن يدرك الجميع عيشنا هذه الأيام ضمن تغيرات مصيرية تتطلب وعياً وطنياً وتوافقاً اجتماعياً وثباتاً في وجه من يشكك في روعة الحلم وسلامة التوجـه...

مونتيسكيو


أول مرة أقرأ فيها عن مونتيسكيو كان في كتاب "القبائل العالمية" للمؤرخ الأميركي جويل كوتن.. استشهد فيه بأقوال مونتيسكيو حول تأثير المناخ والموقع الجغرافي في نهضة الشعوب أو تخلفها (تماما مثل ابن خلدون)...

وكلمة "القبائل" في كتاب كوتن تعني الشعوب والأعراق المميزة والأكثر حيوية وتأثيرا كاليهود والأرمن والصينيين المهاجرين .. ناقش فيه دور العرق والهوية والهجرات العالمية في تشكيل عالم اليوم (في حين ناقش ابن خلدون ومونتيسكيو تأثيرها اعتمادا على ماحدث في الماضي)..

ومونتيسكيو هو صاحب نظرية "فصل السلطات" المطبقة حاليا في الأنظمة الديموقراطية.. ولد في بوردو الفرنسية عام 1689 (واسمه الحقيقي: شارل سيكوندا) واصبح عضوا في البرلمان الفرنسي عام 1714.. كتب مقالات كثيرة عن أسباب انهيار الحضارات القديمة ونشـر عام 1721 كتاب "رسائل فارسية" الذي سخر فيه من أنظمة الحكم في أوربا..

وفي عـام1848 نشر كتابه الشهير "روح القوانين" الذي أصبح مرجعا للأنظمة الديموقراطية الحديثة.. شرح فيه الفرق بين الأنظمة الملكية والديكتاتورية والجمهورية، وأكد على ضرورة فصل السلطات (التشريعية والقضائية والتنفيذية) وعدم تداخلها أو تواجدها بيد جهة واحدة..

حصلت أفكاره على تأييد الشعوب الأوربية التي تحررت للتو من سلطة الكنيسة والأنظمة الملكية وغدت بحاجة لنظام سياسي جديد.. أصبح كتابه "روح القوانين" المرجع الذي وضعت على أساسه الدساتير الغربية والديموقراطية ــ بما في ذلك أميركا وكندا...

غير أن مونتيسكيو كانت له أيضا آراء قاسية في أسباب تقدم وتخلف الشعوب.. تـبنى (مثل ابن خلدون) تأثير الموقع الجغرافي والمناخي على أمزجتها ومستواها الحضاري.. وأشارا إلى الدور الإيجابي للمناخ البارد في النهضة التي تعيشها أوروبا، وحقيقة أن معظم المجتمعات المتخلفة تعيش في الجنوب قرب خط الاستواء الحار.. ومما قاله بهذا الشأن:

" للمناخ تأثير مادي مباشرعلى تصرفات الناس وأخلاقهم العامة .. فحيوية الناس تكون أكبر في المناطق الباردة وبالتالي ينجزون اكثر وتكون لديهم ثقة بإمكانياتهم وشعور أكبر بإنجازاتهم وإحساس أقل بالرياء السياسي... أما في المناطق الحارة فتبلغ الحرارة حـدا يصبح الجسم معه بلا حول ولا قوة فينتقل ذلك إلى العقل والطباع فينتج عنه سلبية الأفراد فلا حب للعمل ولا قدرة على اكمال المشروعات الجبارة مع ميل للاستسلام والخضوع السياسي"...

... هذه الفقرة استشهد بها كوتن (في كتاب القبائل العالمية) لتأكيد دور "المزاج الشعبي" في تقدم الدول أو تخلفها.. ضرب مثلا بدول لاتينية وآسيوية تبنت نفس الأنظمة والتشريعات الغربية (واقتبست معظم دساتيرها منها) ومع ذلك فشلت في تحقيق قدر موازٍ من العدالة والديموقراطية والنهضة الصناعية لأن المزاج الشعبي فيها لم يكن مهيئا لذلك ...

... وللوهلة الأولى تبدو اليوم النهضة الصناعية التي حققتها الدول الآسيوية قرب خط الاستواء مناقضه لرأي كوتن ومونتيسكيو وابن خلدون بخصوص الموقع الجغرافي والمناخ الحار.. ولكنني أعتقد أن "النهضة الصناعية" مجرد منظومة مادية يسهل اقتباسها وبناؤها في أي منطقة، أما التحضر فقيم معنوية يصعب اقتباسها أو تطبيقها في أي منطقة..

(المدنية) ثـوب خارجي تلبسه حتى الشعوب الكسولة وغير المنتجة، في حين أن (التحضر) أصل داخلي، ومحصلة لتفاعل عريق بين الثقافة والديـن والتاريخ والموقع الجغرافي...

مهاجرون أم وافـدون


في حين أيدت المحكمة العليا قرار ترمب بمنع المهاجرين من دول معينة.. وفي حين تعاني أوروبا من تدفق المهاجرين الأفارقة والسوريين.. وفي حين بدأت دول كثيرة تحشرهم في معسكرات بائسة؛ أعلنت كندا قبل فترة عن عزمها استقبال مليون مهاجر خلال السنوات الثلاث القادمة..

كندا ما زالت تفكر مثل أميركا حتى نهاية التسعينيات.. تنظر للمهاجرين كمساهمين جدد في إعمار البلاد وازدهار الاقتصاد.. غير أن أميركا تغيرت وأصبحت (بعد استقبالها أربعين مليون مهاجر خلال القرن العشرين) ترفض استقبال حفنة مهاجرين من دول إسلامية معينة..

وكي لا نبالغ بشأن القرار الكندي نشير إلى أنه ليس إنسانياً بوجه كامل كونه يستهدف في المقام الأول أصحاب المواهب والمتعلمين والثروات المهاجرة. ما زالت كندا (مثل دول غربية كثيرة) تُسهل الهجرة والتجنيس لكل من يملك ثروة مناسبة أو مهنة راقية أو تخصص فريد...

حتى تركيا لم تتخلف عن الركب وأعلن رئيسها أردوغان (في يوليو الماضي) عن عزمه منح الجنسية التركية للأطباء والمهندسين وحملة الشهادات من المهاجرين السوريين.. وخلال ستة أشهر فقط تم تجنيس 40 ألف مهاجر أكاديمي ومتخصص من أصل ثلاثة ملايين سوري يعيشون في تركيا..

وبطبيعة الحال لا تلام أي دولة على استقطاب الكفاءات المهاجرة (فهذا صيد جميل وغير مكلف)..

أوروبا سبقت تركيا، وأميركا سبقت أوروبا طوال الثلاثمائة عام الماضية.. ما تزال بريطانيا تشتكي من هجرة العقول الذكية إلى أميركا - وما يزال 40 % من علماء أميركا ممن ولدوا خارجها..

من كل هذا ندرك أن المهاجرين لسوا سواء.. فهناك مهاجرون يساهمون في بناء المجتمعات، ومهاجرون يعيشون عالة على بقية المجتمعات.. الانتقائية الغربية أصبحت واضحة من خلال الوقوف في وجه التعساء والمعدمين والترحيب بالمتعلمين والمتخصصين ومن يملكون أرصدة مناسبة (لا يأتون بالقوارب ولا نراهم أصلاً في شاشات التلفزيون)..

... نأتي الآن إلى مربط الفرس:

يعيش في السعودية قرابة عشرة ملايين مهاجر ووافـد وأجـنبي؛ فكم نسبة المتخصصين منهم، وكم نسبة من يستحق التجنيس؟

يجب أن نميز أولاً بين مهاجر متخصص يرغـب بالجنسية، ووافـد غير متخصص لا نرغب نحن بمنحه الجنسية.. من ولد بيننا لا يدخل ضمن هذه المعادلة، ويستحق الحصول على جنسية الأرض التي ولد فوقها بصرف النظر عن تخصصه وشهادته، أما من ولد وتعلم خارجها فهذا يتم استقدامه وتجنيسه بحسب حاجة الوطن إليه..

أنا أول من يعترف بصعوبة استغنائنا عن الأجانب بشكل كامل؛ ولكن حان الوقت لغربلة الغث من السمين، والمفيد من الضار، وما يمكننا - ولا يمكننا - الاستغناء عنه.. لا نحتاج لتجنيس وافدين يعملون كموظفي استقبال أو محاسبين أو موظفي ديسك، ولكن (بالتوازي مع سعودة قطاع الخدمات) لماذا لا نمنح الجنسية للأطباء والمهندسين وأصحاب الخبرات وحملة الشهادات الذين عاشوا بيننا فترة طويلة..!؟

... السعودية تأتي في المركز الثاني بعد أميركا من كمية الأموال التي يحولها الأجانب للخارج؛ ولكن الفرق أن المهاجرين في أميركا أصبحوا "مواطنين" يساهمون في بناء الاقتصاد (ويولِـدون أموالاً أكثر مما يحولون) وهو ما لا يحدث في السعودية التي تنزف نقوداً دون توطين، وتخسر أموالاً على وافدين يغادرونها بالنهاية...

شعوب العالم البدينة


بنهاية هذا العام 2017 أتت الكويت في المركز الأول كأكثر دولة تعاني من السمنة والبدانة (بنسبة 42,8% من السكان).. وقبل أن نأسف على حال أشقائنا في الكويت أفيدكم بأننا نحتل المركز الثاني في سلم البدانة العالمية (بنسبة 35% من الشعب).. أما المركز الثالث فاحتلته جمهورية بيلييز في أمريكا الوسطى (34,9% من السكان) قبل أن يعود العرب للمركز الرابع من خلال مصر (34,6% من السكان) ثم الأردن في الخامس، والامارات في السادس، وجنوب أفريقيا في السابع، وقطر في الثامن، والمكسيك في التاسع، وأميركا في العاشر.....

وهذا يعني أن العرب يحتلون ستة مراكز من بين أسمن شعوب العالم وأكثرهم بدانة. وهذه بلا شك مراكز مخيفة ولا تدعو للفخر بسبب علاقة البدانة بأمراض ومشاكل صحية كثيرة مسببة للوفاة..

والحقيقة هي أن البدانة لم تعد مرتبطة بالفقر أو الغنى (بدليل تفشيها في دول فقيرة في أفريقيا وأميركا الوسطى) ولم تعد المجاعة هي مشكلتنا الأولى بل ارتفاع نسبة السمنة والبدانة.. ويشير معهد "مراقبة العالم" الى ان عدد البدناء وصل حاليا الى ملياري انسان ــ وهو ما يقارب ربع سكان العالم. وهذا الرقم يعني تحول السمنة إلى وبــاء عالمي تنبأ بظهوره (في آخر الزمان) نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: "ينشأ أقوام يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ويفشو فيهم السمن"!

ورغم أن "السمنة" تحولت لمشكلة حقيقية في كافة الدول؛ وصلت في الدول العربية إلى مرحلة الوباء لأسباب كثيرة في مقدمتها قلة الحركة وإدمان الأطعمة السريعة.. وأنا شخصيا أرى سببا إضافيا يعود إلى انتقالنا المفاجئ ــ خصوصا في منطقة الخليج ــ من عصر الفاقة والاحتياج والعيش بألف سعرة في اليوم، إلى التخمة والاسراف وتجاوز ألفي سعرة في اليوم.. لم تتدرج لدينا ثقافة التوفير والاقتصاد والتفريق بين الكرم والاسراف (وليس أدل على ذلك من احتلال السعودية وقطر والامارات والكويت أيضا قائمة الدول الأكثر إسرافا وهدرا للطعام)...

وهذا الانتقال المفاجئ تسبب (ليس في انتشار البدانة فقط) بــل وانتشار الأمراض المرتبطة بها كالسكر والضغط وأمراض القلب والشرايين.. خذ كمثال مرض السكري الذي يعد آفة هذا العصر وأحد الأسباب الرئيسية للوفـاة ويتفاقم في الدول العربية (أعلاه).. دول الخليج بالذات تعد من المناطق المنكوبة بهذا المرض حيث يعاني منه 30% من سكان الإمارات والبحرين و28% من سكان السعودية و 16% من سكان قطر و13% من سكان الكويت و11% من سكان عمان (في حين لا تتجاوز النسبة في عموم أوربا 10%) !

... باختصار شديد ؛

نحتاج إلى إعادة تثقيف فيما يخص عاداتنا الغذائية..

نحتاج إلى تنظيم حملات لمكافحة البدانة لا تقل جدية عن مكافحة المخدرات والتدخين...

نحتاج إلى التفريق بين الكرم والاسراف، والاحتفال وهدر الطعام، واستبدال أطباقنا الضخمة (المصممة لإشباع العين) بأطباق الطائرات والمستشفيات (المصممة بحسب حجم المعدة)..

سرقة الكتب تظل.. سرقة


كل من يفكر بتأسيس مشروع تجاري يأمل بتحقيق أرباح منه، باستثناء من يؤلف كتاباً؛ يأمل فقط أن لا يخسر ويستعيد ما صُرف عليه..

كل من يؤسس مشروعاً تجارياً لا يفكر بتقديم خـدماته مجاناً -ويبادر بإغلاقه حين لا يحقق عوائد تضمن استمراره- باستثناء الكتب التي تستمر بالصدور لأسباب كثيرة آخرها الربح المادي..

جميعنا نتفق على تحريم وتجريم السرقـة (ونعترف بحق المتضرر في الشكوى والتظلم) باستثناء السرقات الأدبية التي نعتبرها مباحة ومجانية.. بل ونلوم أصحابها حين يتظلمون بسببها..

قبل فترة عثرت في الإنترنت على نسخة إلكترونية مجانية من كتاب "نظرية الفستق" فوضعت تغريدة نبهت فيها إلى أن هذه النسخة (الموجودة في هذا الرابط) تعد سرقـة لا تختلف عن أي سرقة أخرى يحرمها الشرع وتقطع من أجلها يد السارق..

وبدل أن ألقى شيئاً من التأييد والتعاطف وجدت سيلاً من الاتهامات والتقريع ونُصحي بإخراج "زكاة العلم".. ورغم أنني لم أضع التغريدة بدافع شخصي (بدليل وضع رابط النسخة لمن يريد قراءتها مجاناً) فوجئت فعلاً بعدم التفهم وكثرة المعترضين على وصفي لها "بالسرقة"..

لا أعلم فعلاً ما الذي يجعل سرقة الكتب تختلف عن سرقة الطماطم؟

... الحقوق الفكرية في المجتمعات الغربية تلقى حماية واحتراماً يوازي الحقوق المادية.. أنا من المؤلفين العرب الذين تأتيهم "شيكات" غير متوقعة من مكتبات عامة في أميركا وأوروبا (بحسب نسبة استعارة الكتاب من قراء المكتبة) في حين لا يعلم كم نسخة طبعت دون إذنه في الأسواق العربية.. وفي حين يدفع بعض المؤلفين السعوديين قيمة الطبع من جيوبهم، يوجد في أميركا وأوروبا مؤلفون يحققون "الملايين" بعد وفاتهم بفضل إعادة طبع كتبهم التي تحميها قوانين الملكية الفكرية (وأبحث في النت عن مقال بعنوان: (أغنى الأموات في 2013).

لا أعلم فعلاً كيف نجيز قطع يد السارق في ربع دينار (قيمة تفاحة أو موس حلاقة) ونتجاوز عن سرقات مليونية تخسرها دور النشر.. من يبيحون نسخ الكتب وتداول النسخ الإلكترونية لا يعلمون أن سعر الكتاب (ولنفترض أنه 40 ريالاً) يذهب نصفه للمكتبة (لمجرد عرضه فقط) في حين يتقاسم النصف المتبقي الناشر والطابع والمصمم والموزع والمؤلف (لدرجة لا يبق للأخير سوى 4 ريالات فقط أو 10 % من سعر الكتاب)..

حتى هذه التقسيمة (التي لا تشجع على تكرار التجربة) يتم نسفها بالكامل حين تـتم سرقة الكتب بطريقة إلكترونية.. لا تقضي فقط على حقوق الناشر والمؤلف والطابع، بــل وتقضي على المحتوى الفكري والأدبي في المجتمع (وهذا سر انتشار الكتب المترجمة).. فالمشكلة هنا اقتصادية (ولا تتعلق بالعمل الخيري) كون السرقة تعني الخسارة، والخسارة تعني توقف صناعة النشر والتأليف - مثل أي مشروع لا يحقق عوائد تضمن استمراره...

أعرف أن شهادتي مجروحة، ولكنني كتبت المقال على أمل تغيير نظرتنا للحقوق الفكرية واعتبارها سلعة (مثل جميع السلع) لا يجوز سرقتها ولا اختلاسها، ولا حتى تداولها بدون إذن مالكها..

ورغم أن الزكاة تساوي 2,5 % من قيمة السلعة أجـيـز شخصياً (وأسامح بنسبة 100 %) كل من قـرأ كتبي بصيغة مجانية.. فقط لا تفعلوا ذلك مع الكتب الأخرى ولا تشجعوا "السارق" على تكرار فعلته بـإعادة إرسالها للآخرين...

أسلحة إسرائيل الأخرى


في سبتمبر 2016 كتبت مقالاً بعنوان "كيف انتصرت إسرائيل في الحرب السادسة" أشرت فيه إلى أن تشرذمنا العربي أتاح لإسرائيل تحقيق مكاسب لم تكن لتحلم بها لو خاضت حرباً حقيقية مع العرب..

وفي الأسبوع الماضي حققت إسرائيل انتصاراً جديداً حين تمكنت من إقناع أميركا بنقل سفارتها للقدس.. فالعالم لم يعترف حتى الآن بالقدس عاصمة لإسرائيل ومن شأن اعتراف أميركا بها ترك الباب مفتوحاً لاعتراف دول أقـل منها - وهذا بالضبط ما قاله نتنياهو تعليقاً على قرار ترمب..

لن أقف طويلاً عند القرار الأميركي ولكنني أشير فقط إلى أن الحروب العسكرية لم تعد حالياً السبيل الوحيد للانتصار في المعارك (بدليل نجاح إسرائيل في استصدار هذا القرار).. في الماضي كان الاحتلال الميداني المظهر الأبرز للانتصار، وعظمة القائد تقاس بمساحة الأرض التي يحتلها.. ولكن في عالم اليوم تنوعت الأسلحة وتغيرت مظاهر الانتصار وأصبحت هناك معارك سياسية واقتصادية وإلكترونية تحقق نتائج أفضل من إطلاق الرصاص وقتل الجنود..

حين أرى حملة السواطير في الصومال واليمن، وحملة الكلاشنكوف في سوريا وليبيا؛ أدرك أن مفهوم العرب للحرب والانتصار مازال محصوراً في القـتل وسفك الدماء.. لم يدركوا بعد أن الحروب الميدانية لم تعد مجدية لا عسكرياً ولا ميدانياً .. لم يدركوا أن الحروب الميدانية بدأت بالاختفاء فعلاً (كونها مكلفة اقتصادياً وبشرياً) وحلت محلها العمليات العسكرية الخاطفة (كعمليات اغتيال بن لادن في باكستان وزعماء القاعدة في اليمن)..

المعارك التقليدية اختفت تماماً بين الدول المتقدمة، في حين أصبحت معاركها مع الدول (الأقل تقدماً) تدار بطرق أقل ضجيجاً.. أصبحت تحقق انتصاراتها من خلال الضغط السياسي، والحصار الاقتصادي، والعمل المخابراتي، والتفوق التقني، وفيروسات تجتاح الشبكة.. حتى حين تحتاج لعمل عسكري (كوسيلة ضغط أو تحذير) تكتفي بعملية مغاوير أو طائرات بلا طيار أو حتى صواريخ تأتي من الطرف الآخر للأرض...

الحروب التقليدية ستتحول بالكامل إلى "القطاع الخاص" وتصبح "صناعة" تديرها شركات الأسلحة وإعادة الإعمار (فـأثناء احتلال العراق مثلاً كان الجيش الأميركي يوظف 1500 شركة عسكرية 411 منها لحماية المناطق و23 لخوض المعارك و17 للتحقيق وجمع المعلومات الاستخباراتية فيما تنحصر أعمال البقية ما بين تموين وتدريب وتجهيز ومتابعة)!!

وإسرائيل -من جهتها- ستفوز في الحرب الثامنة والتاسعة والعاشرة حتى يدرك العرب تغير طبيعة المعارك ذاتها.. لن تعمد لأي مواجهة عسكرية (رغم أن جيشها أقوى من كافة الجيوش العربية) كونها تملك وسائل بديلة، وأسلحة غير مكلفة، تضمن لها التأييد الدولي والتفوق الميداني..

وما يطمئنها أكثر أن أسلحة العرب موجهة دائماً ضد أنفسهم ولم يحدث طوال أربعين عاماً أن اقتربوا من حدودها.. شعارات "الموت لإسرائيل" التي يلوح بها حزب الله وتنظيم داعش وجماعة الحوثي لـم تتحرك يوماً تجاه إسرائيل، في حين قطعت إسرائيل مسافة كبيرة نحو الاعتراف الدولي بالقدس عاصمة لها دون ضجيج أو حمل شعارات...

ماذا تقتبس من الناس؟


لا يوجد إنسان كامل، ولكن توجد في كل شخص حولك صفة جميلة تميزه عن بقية الناس.. خصلة إيجابية يتفوق فيها على غيره بصرف النظر عن مستواه التعليمي والذهني والاجتماعي..

إن كنت ذكياً بما يكفي لملاحظة هذه الخصلة الجميلة ـ وربما الوحيدة في صديقك- وحاولت دمجها في شخصيتك ستصبح إنساناً رائعاً وأقرب للكمال (كيف لا، وقد اجتمعت فيك محاسن كل إنسان)...

وبطبيعة الحال؛ سيصعب عليك تمييز أي خصال إيجابية لدى الناس في حال كنت مغروراً أو مكابراً أو غارقاً في النرجسية.. يجب أن تكون متواضعاً أولاً، وتضع نفسك في موضع المتعلم ثانياً، ثم تحاول تطبيقها ثالثاً، وبصرف النظر عن رأيك أو علاقتك بصاحبها رابعاً..

أنا شخصياً تعلمت أشياء جميلة من سائقي، وخادمة والدتي، وبواب المدرسة (بنفس القدر) الذي تعلمت فيه من مسؤولين ومثقفين وشخصيات تفوقني ذكاء وبعد نظر..

صحيح أنني لم أنجح دائماً في تبني (واقتباس) كل الصفات الإيجابية التي صادفتني، ولكنني على الأقل أصبحت أكثر وعياً بأهميتها وأهمية دمجها في شخصيتي...

· تعلمت مثلاً من خادمة والدتي موهبة الابتسامة الدائمة في وجه الجميع بصرف النظر عن ظروف العمل، وقسوة الغربة، وجحود الأبناء..

· تعلمت من سائقي الخاص روح المبادرة والتطوع للقيام بأعمال لا تخصه (فكثيراً ما يفاجئني بفعل أشياء لم أطلبها منه في السيارة أو المنزل.. ناهيك عن إحضار كيس من الفستق كلما ذهب للبقالة)...

· تعلمت من بواب المدرسة عدم الاستعراض والتباهي وحمل هم الدنيا (ومازلت أذكر قوله للمعلمين حين سمعهم يتباهون بسفرياتهم: ياجماعة الراحة نصف القوت)...

· أيضا تعلمت من خالي الصقعبي السخاء والكرم رغم دخله المتواضع (حيث كان يذبح كل أسبوع خروفاً في الشارع كي يراه المارة ويوزعه عليهم فلا يدخل منزله إلا بربع الخروف).

· وتعلمت من خال زوجتي "الشيخ محمد" روح التسامح وعدم التشدد والنفس الطويل في محاورة الآخرين (دون أن يرتفع له صوت أو تغيب عن وجهة الابتسامة)...

· كما تعلمت من صديقي الدكتور "عصام بخاري" الأدب الجم واللباقة في الحديث (فرغم معرفتي القديمة به مازال يستعمل معي صيغ الجمع؛ مثل حضرتكم، وسعادتكم، وكما أخبرتكم...)!!

· كما تعلمت من صديقي "منصور القحطاني" تجاوز المهاترات الأيديولوجية والنقاشات البيزنطية والتركيز على النجاحات المادية والواقعية (وربما لهذا السبب أصبح، بعكسي، مليونيراً)..

· وأخيراً؛ تعلمت من ابن عمي "مدني" أهـمية العلاقات الاجتماعية والمبادرة بالتعرف على المسؤولين الجدد في المنطقة (وإن كنت بعكسه أعجز عن تحمل تكاليف الولائم الضخمة ترحيباً بمقدمهم)..

... وكما ذكرت في مقدمة المقابلة لا يوجد إنسان كامل، ولكن توجد خصال استثنائية بارزة يمكنك استعارتها من الناس حولك.. خصال فردية يمكنك تعلمها بسهولة (كونها تطبق أمام عينيك) حتى وإن لم تكن معجباً ببقـية الخصال في صاحبها...

... وقبل أن أغادر ؛

لماذا لا تحاول أيضاً فعل العكس.. لماذا لا تلاحظ أبرز الخصال السلبية (والسمجة) التي تكرهها في الناس وتتجنب فعلها مع الآخرين..

المقدمة التي طالت


ابن خلدون أول من نظر للتاريخ بمعزل عن العواطف والأساطير والتفاسير الدينية (رغم أنه هو نفسه كان قاضياً وفقيهاً).. مايزال كتابه "المقدمة" يحظى باحترام الأكاديميين كونه يتجاوز السرد القصصي ويحلل الأحداث ويربطها بالعادات والتقاليد ومراحل العمران ــ بـل وحتى الموقع والمناخ والمزاج العرقي...

يعترف فـيه الشرق والغرب كمؤسس لعلم الاجتماع ويشير هو إلى ذلك بقوله: وهذا علم مستقل بنفسه موضوعه العمران البشري والاجتماع وبيان العوارض والأحوال...والكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة وعلم مستنبط لم أقف على الكلام فيه لأحد من الخليقة...

ومع هذا؛ لا أعتقد أن ابن خلدون كان يخطط لتأسيس علم جديد حين عزل نفسه للتأليف في قلعة ابن سلامة (في الجزائر).. ليس أدل على ذلك من أن كتاب "المقدمة" كان في الأصل مقدمة لكتاب تاريخي يملك عنوانا أطول بكثير (يدعى: العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر).. غير أن مقدمة الكتاب طالت وتشعبت لدرجة تحولت هي نفسها (ليست فقط إلى كتاب مستقل) بــل وإلى علم مستقل تمخض من اعتماده على المنهج العلمي في تحليل أحداث التاريخ !!

اسمه الكامل عبدالرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرمي الإشبيلي، نزحت عائلته من الأندلس واستقرت في تونس (حيث ولد فيها عام1332م) .. كان شديد الملاحظة لأحوال الناس والمجتمعات وأسباب انهيار الحضارات.. تخرج من الزيتونة وعاش في المغرب والجزائر ومصر والأندلس.. حين زار مصر أكرمه السلطان برقوق وولاه قضاء المذهب المالكي.. ورغم بقائه في مصر لربع قرن كان قريبا من جميع السلاطين حيث عمل مستشارا لهم وتولى الوساطة بينهم (بل وتوسط لدى القائد المغولي تيمورلنك لترك ديار المسلمين)..

تحدث في مقدمته عن العصبية والقبلية والبداوة والحضارة وأسباب العمران وقـوة الدول.. وتحدث أيضا عن خلقة الانسان والحيوان وتأثير الأرض والأطعمة والمناخ والموقع الجغرافي على أحوال البشر وسلوكهم الجماعي.. كما تحدث عن مراحل تطور المجتمعات وانتقالها من الزراعة إلى الصناعة وأكد أن الصناعة من علامات التحضر البشري (حيث قال: الصنائع تكتمل بكمال العمران الحضري ورسوخ الحضارة وطول أمدها)...

والحقيقة هي أن مقدمة ابن خلدون (طويلة ومتشعبة) لدرجة احترت فعلا ماذا أقتبس وماذا أترك.. غير أنني كلما سمعت خبراً مهماً ــ هذه الأيام ــ أتذكر منها مقولة تناسبه أو تفسر أسبابه...

فبعد ثورات الربيع العربي مثلا تذكرت قوله : "الظـلم مؤذن بخراب العمران"...

وحين تشتتت شعوب الربيع العربي بعد خلع الطغاة تذكرت قوله : "العرب لا يحكمهم غير طاغية أو صاحب دعوة دينية".

وحين وقعت حالات الانفلات الأمني في ليبيا واليمن وسورية تذكرت قوله : "العرب اذا تغلبوا على أوطان أسرع الخراب إليها".

ومؤخرا؛ حين وقعت مجزرة مسجد الروضة (وقبلها مجازر الدواعش في العراق) تذكرت قوله : "العرب لا يتغلبون إلا على البسطاء"...

... وللمزيد ؛ اقــرأ المقدمة كاملة في الانترنت ...

صوت الكون


أعتقد شخصياً أن لكل شيء في الدنيا صوتاً وطعماً ورائحة.. قد لا يتفق معي معلم الفيزياء (وقد يحتج البعض بأن الماء لا يملك صوتاً ورائحة) ولكنني على قناعة بأن أحاسيسنا أضعف من أن تدرك ذلك..

نعرف اليوم أن أعيننا لا ترى كافة الأطياف الكهرومغناطيسية - باستثناء الطيف الضوئي الذي نرى العالم من خلاله.. لو كانت ترى من خلال الأشعة السينية أو البنفسجية أو تحت الحمراء لرأينا العالم بشكل مختلف - وربما تمكنا من رؤية الملائكة والشياطين كالديكة والحمير..

أما بخصوص الروائح فــتتفوق علينا الذئاب والدببة والكلاب البوليسية بآلاف الأضعاف.. ترى العالم من خلال تركيزات الروائح وتستطيع شمها ليس فقط من مسافة أميال بــل (وبعـد وقوعها بعدة أيام).

حتى الأصوات التي نسمعها ليست سوى جزء صغير ومحدود من مجمل الأصوات التي تحدث في عالمنا (وجاء في الحديث يضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين).. نعرف ذلك لأن مخلوقات كثيرة كالضواري والخفافيش وكلاب الصيد تسمع ما لا يمكننا سماعه (لدرجة يستعمل رعاة الأغنام صفارات لا تسمعها غير الكلاب تستدعيها من مسافة أميال)!!

... ما لا يمكننا رؤيته وسماعه أكبر من مساحة هذه الزاوية -ولهذا السبب- سأضطر للالتزام بعنوان المقال.. فـالكون يملك بالفعل أصواتاً يمكن رصدها وإعادة إخراجها بطريقة يمكننا سماعها.. أصوات سجلتها التلسكوبات الراديوية والأقمار الاصطناعية والمركبات الفضائية التي أطلقتها ناسا. أصبح مؤكداً أن النجوم والكواكب تملك أصواتاً فـريدة ناجمة إما عن دورانها أو نشاطها أو حركة البلازما والمجال المغناطيسي حولها.. أصبح للمريخ صوت يختلف عن الزهرة، وللزحل صوت يختلف عن المشتري، ولعطارد صوت يختلف عن تيتان، وللشمس صوت أعلى من الجميع.. يمكنك سماع كل صوت على حـدة بإدخال هذه الجملة في اليوتيوب (Real Sounds From Space) أو سماع صوت الكون بأكمله بإدخال هذه الجملة Sound of the Universe) (The!

... الطريف أن (كوكب الأرض) هو الأكثر إزعاجاً بين الجميع.. فأصوات النجوم والكواكب محدودة وناجمة عن خصائصها الكونية فقط، أما كوكب الأرض فيضيف لذلك أصوات المخلوقات والبشر وكل ما لا نسمعه ويدخل تحت قوله تعالى: (ولكن لا تفقهون تسبيحهم).. مجرد حديثنا العادي يُحدث تموجات في الأثير تظل تنعكس بلا نهاية حتى تعم الكون بأكمله. وهذا يعني أن الفضاء حافل بالأصوات التاريخية القديمة التي تنتظر من يستطيع التقاطها وإعادة سماعها (وتصور قدرتنا مستقبلاً على استعادة خطبة الوداع أو صوت الفيلة في معركة القادسية)..

... الطريف أكثر أن كوكبنا أصبح أكثر صخباً وإزعاجاً منذ اخترعنا الراديو والتلفزيون.. فـالأمواج التي تحمل برامجنا الإذاعية والتلفزيونية تنطلق بدورها إلى الفضاء وتسافر في الكون بلا نهاية.. أرشيفنا المرئي والمسموع تحول (خلال الخمسين عاماً الماضية) إلى مراسيل كونية قـد تلتقطها ذات يوم حضارة متقدمة تعـيد فتحها والاستماع إليها...

... وحتى ذلك الحين لا تنس أنـت الاستماع لصوت الكون في اليوتيوب...

أرخص وأفضل.. عاماً بعد عام


لا يمكننا تقديم الخدمات (مجاناً) ولكن يمكننا جعلها أفضل (وأرخص) بمرور الزمن...

فالمجانية تعني سوء الصنعة ورداءة المنتج وتوقف أعمال الصيانة والتطوير.. الخدمات المجانية سيئة بطبيعتها لأنها تفتقر للتمويل ولا تحقق أرباحاً تشجع على استمرارها - ناهيك عن صيانتها..

حتى وقت قريب كنا ننعـم بالمجانية لأن النفط كان يتكفل بتمويل الخدمات المقدمة إلينا.. كان عدد السكان قليلاً، وكنا حالة استثنائية بين شعوب تدفع ثمن الخدمات المقدمة لها.. حين تتأمل عصرنا الحاضر تكتشف أن الضرائب هي أساس التمويل في الدول الحديثة ولا يمكن لأي خدمة الاستمرار بدونها (في حين كان الخراج والجزية والزكاة روافد لبيت مال المسلمين في الماضي)..

نعـم ؛ أنا مثل جميع المواطنين لا أرغب بدفع ضرائب للدولة.. ولكن هذا يتنافى مع سنة الحياة التي تقتضي دفع ثمن الخدمة التي نريدها.. ثراء الأمم المتقدمة لا يأتي من ثرواتها الطبيعية بل من مساهمة أبنائها وازدهار مشروعاتها وامتلاكها نظاماً ضريبياً عادلاً ودقـيقاً.. بريطانيا والنرويج دولتان تملكان (مثلنا) حقولاً نفطية هائلة في بحر الشمال ومع ذلك تفرض ضرائب عالية على السلع والخدمات - تصل إلى 70 % على وقود السيارات.. لا يمكننا أن نطالب بتطوير الخدمات وفي نفس الوقت توفيرها مجاناً لأن في هذا خداعاً للذات ومخالفة لسنن الاقتصاد - ولن تفعله حتى أنت لأقربائك وجيرانك في الحي...

غـير أنني في المقابل لا أعفي الوزارات والمؤسسات الحكومية من مسؤولية توفير هذه الخدمات بثمن أرخص (وأفضل) عاماً بعد عام.. يجب أن تسعى دائماً لتحقيق هـدفين أساسيين (أتمنى أن يتبناهما ولي عهدنا الشاب الأمير محمد بن سلمان) هـما:

ـ رفــع مستوى الكفاءة والإنتاج والخدمات المقدمة للمواطن عـاماً بعد عام..
والسعي لإنتاجهما بتكاليف (ليست فقط منخفضة) بـل وتقل عاماً بعد عام..

...تمويل الخدمات العامة لا يجب أن يأتي من خلال رفع الفواتير أو فرض المزيد من الضرائب، بل من خلال تخفيض التكاليف، وتحسين أساليب الإنتاج.. أرباح شركة الكهرباء مثلاً تضاعفت في الربع الأخير من هذا العام (2017) فهل تم هذا بفضل تحسن أساليب الإنتاج؟ أم بسبب رفـع قيمة الفاتورة التي يدفعها المواطن؟ (فأنا شخصياً دفعت 2400 ريال كفاتورة لهذا الشهر)..

وفواتير الكهرباء تهـون أمام فواتير الاتصالات التي ليست فقط مبالغ فيها (ولا تعمل طوال 24 ساعة مثل الكهرباء) بـل وينحدر مستواها عاماً بعد عام مقارنة ببقية العالم..

باختصار شديد

من حق الدولة فرض ضرائب على السلع والخدمات (وليس بالمناسبة على الدخل الشخصي) ولكن من حق المواطن أن يحصل على خدمات جـيدة ينخفض سعرها عاما بعد عام بفضل الابتكار وكفاءة التشغيل (اللذين يجب أن يكونا هاجساً لكل وزارة ومؤسسة حكومية)...

...الجملة التي بدأت بها المقال يجب أن تصبح هدفاً ومـبـدأ يحاسب عليه كل وزير ومسؤول:

قــد لا تستطيع تقديم الخدمات (مجاناً) ولكن يمكنك جعلها أفضل (وأرخص) عاماً بعـد عام.

مخترعون أسسوا شركاتهم الخاصة


تحدثت في آخر مقال عن "الملكية الفكرية" وكيف أصبحت أهم من الثروات الطبيعية..

والملكية الفكرية تتعلق بكافة الإبداعات (سواء كانت تقنية أو علمية أو معرفية) وحق صاحبها في بيعها أو تصنيعها أو تحويلها لمشروع مربح..

والحقيقة هي أن معظم المخترعين المشهورين أسسوا شركات موجودة حتى اليوم.. شركات خلقت آلاف الوظائف، وحققت بلايين الدولارات، وبــنت اقتصاد الدول الحديثة.. لاحظت منذ زمن بعيد وجود ارتباط بين أسماء المخترعين والشركات الصناعية المعروفة.. فمخترعون مثل فورد وهوندا وبوينغ وسوزوكي وبـنـز وسيمنز ودنلوب؛ أسسوا شركات اعتمدت على ابتكاراتهم وحملت (أغلبها) أسماءهــم..

خذ كمثال المخترع الأميركي توماس أديسون الذي لم يكتف فقط بتقديم ألـف اختراع بل وأسس "شركة أديسون" التي زودت نيويورك بالكهرباء لأول مرة.. وفي عام 1892 أسس شركة جنرال الكتريك التي تعد اليوم ثاني أكبر شركة في العالم وتنتج معظم الأجهزة التي تعمل على الكهرباء...

أيضاً هناك المخترع الياباني ميشيو سوزوكي الذي سجل 120 براءة اختراع وأسس عام 1909 شركة لصنع مكائن الخياطة.. وبعد الحرب العالمية الثانية ركز جهوده على صناعة السيارات المدنية الصغيرة وقليلة الكلفة...

أما جون دنلوب فمخترع اسكتلندي خطرت بباله فكرة تغطية عجلات دراجة ابنه بأنبوب مطاطي طويل ملأه بالهواء عام 1887 .. وسرعان ما نقل فكرته لصناعة السيارات وأسس شركة دنلوب المعروفة لإنتاج "الكفرات"...

وبعد قطع دراسته في طوكيو عاد (لي شول) إلى كوريا الجنوبية وافتتح مطحنة للأرز ابتكرها بنفسه.. وسرعان ما أسس شركة تدعى سامسونغ بدأت بقطاع النقل ثم البناء ثم البنوك ثم الإلكترونيات - حتى أصبحت سامسونغ تسع شركات عملاقة وغدا شول أغنى رجل في كوريا...

أما هنري فورد فبدأ حياته في تصليح مكائن الخياطة.. وبسبب ولعه بالسيارات قرر تركيب أول محرك خاص به.. وفي عام 1903 أسس شركة فورد التي نجحت في صنع سيارات زهيدة الثمن بفضل ابتكاره ما يعرف بخط التجميع المتحرك..

وأخيراً؛ هناك الألماني إيرنست سيمنز الذي اخترع عداد الكهرباء وسكة الحديد الكهربائية وطور عمل التلغراف (أو البرقية) وأسس في عام 1847 شركة سيمنز Siemens التي تعد حالياً من أكبر الشركات الألمانية...

... هذه الأسماء (مجـرد نماذج قليلة) لمخترعين أسسوا شركاتهم الخاصة.. إنجازاتهم الرائعة يجب أن تلهم شبابنا (حتى وإن فشلوا في تسجيل اختراعاتهم) لـتحويلها لمشروعات صغيرة تنمو بمرور الأيام.. النجاحات التي حققوها تؤكد أن الابتكارات الرائدة لا ترفـد فقط اقتصاد المجتمع بــل وتخلق آلاف الوظائف حين تطبق فعلاً.. تصور ضخامة الأرباح وعدد الوظائف التي تقدمها اليوم شركات تأسست على أفكار جديدة (مثل آبــل وسوني وسامسونغ وجنرال الكتريك) وفي المقابل عدد الأفكار التي تقتل لدينا بسبب البيروقراطية وعزوف الممولين وعدم الثقة بأبناء المجتمع...

باختصار شديد.

النماذج السابقة لا تخبرنا فقط بضرورة مساندة المخترعين، بــل وأهمية تمويلهم من قبل الدولة ودخول الأثرياء معهم في شراكات صناعية ناجحة...

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...