الاثنين، 16 مارس 2020

مونتيسكيو


أول مرة أقرأ فيها عن مونتيسكيو كان في كتاب "القبائل العالمية" للمؤرخ الأميركي جويل كوتن.. استشهد فيه بأقوال مونتيسكيو حول تأثير المناخ والموقع الجغرافي في نهضة الشعوب أو تخلفها (تماما مثل ابن خلدون)...

وكلمة "القبائل" في كتاب كوتن تعني الشعوب والأعراق المميزة والأكثر حيوية وتأثيرا كاليهود والأرمن والصينيين المهاجرين .. ناقش فيه دور العرق والهوية والهجرات العالمية في تشكيل عالم اليوم (في حين ناقش ابن خلدون ومونتيسكيو تأثيرها اعتمادا على ماحدث في الماضي)..

ومونتيسكيو هو صاحب نظرية "فصل السلطات" المطبقة حاليا في الأنظمة الديموقراطية.. ولد في بوردو الفرنسية عام 1689 (واسمه الحقيقي: شارل سيكوندا) واصبح عضوا في البرلمان الفرنسي عام 1714.. كتب مقالات كثيرة عن أسباب انهيار الحضارات القديمة ونشـر عام 1721 كتاب "رسائل فارسية" الذي سخر فيه من أنظمة الحكم في أوربا..

وفي عـام1848 نشر كتابه الشهير "روح القوانين" الذي أصبح مرجعا للأنظمة الديموقراطية الحديثة.. شرح فيه الفرق بين الأنظمة الملكية والديكتاتورية والجمهورية، وأكد على ضرورة فصل السلطات (التشريعية والقضائية والتنفيذية) وعدم تداخلها أو تواجدها بيد جهة واحدة..

حصلت أفكاره على تأييد الشعوب الأوربية التي تحررت للتو من سلطة الكنيسة والأنظمة الملكية وغدت بحاجة لنظام سياسي جديد.. أصبح كتابه "روح القوانين" المرجع الذي وضعت على أساسه الدساتير الغربية والديموقراطية ــ بما في ذلك أميركا وكندا...

غير أن مونتيسكيو كانت له أيضا آراء قاسية في أسباب تقدم وتخلف الشعوب.. تـبنى (مثل ابن خلدون) تأثير الموقع الجغرافي والمناخي على أمزجتها ومستواها الحضاري.. وأشارا إلى الدور الإيجابي للمناخ البارد في النهضة التي تعيشها أوروبا، وحقيقة أن معظم المجتمعات المتخلفة تعيش في الجنوب قرب خط الاستواء الحار.. ومما قاله بهذا الشأن:

" للمناخ تأثير مادي مباشرعلى تصرفات الناس وأخلاقهم العامة .. فحيوية الناس تكون أكبر في المناطق الباردة وبالتالي ينجزون اكثر وتكون لديهم ثقة بإمكانياتهم وشعور أكبر بإنجازاتهم وإحساس أقل بالرياء السياسي... أما في المناطق الحارة فتبلغ الحرارة حـدا يصبح الجسم معه بلا حول ولا قوة فينتقل ذلك إلى العقل والطباع فينتج عنه سلبية الأفراد فلا حب للعمل ولا قدرة على اكمال المشروعات الجبارة مع ميل للاستسلام والخضوع السياسي"...

... هذه الفقرة استشهد بها كوتن (في كتاب القبائل العالمية) لتأكيد دور "المزاج الشعبي" في تقدم الدول أو تخلفها.. ضرب مثلا بدول لاتينية وآسيوية تبنت نفس الأنظمة والتشريعات الغربية (واقتبست معظم دساتيرها منها) ومع ذلك فشلت في تحقيق قدر موازٍ من العدالة والديموقراطية والنهضة الصناعية لأن المزاج الشعبي فيها لم يكن مهيئا لذلك ...

... وللوهلة الأولى تبدو اليوم النهضة الصناعية التي حققتها الدول الآسيوية قرب خط الاستواء مناقضه لرأي كوتن ومونتيسكيو وابن خلدون بخصوص الموقع الجغرافي والمناخ الحار.. ولكنني أعتقد أن "النهضة الصناعية" مجرد منظومة مادية يسهل اقتباسها وبناؤها في أي منطقة، أما التحضر فقيم معنوية يصعب اقتباسها أو تطبيقها في أي منطقة..

(المدنية) ثـوب خارجي تلبسه حتى الشعوب الكسولة وغير المنتجة، في حين أن (التحضر) أصل داخلي، ومحصلة لتفاعل عريق بين الثقافة والديـن والتاريخ والموقع الجغرافي...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...