‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2018. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2018. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 19 مارس 2020

أقوى الجيوش في العالم


كثيرا ما أصادف على الإنترنت ترتيبا بأقوى جيوش العالم، ثم أكتشف أن معظمها يعتمد فقط - كما في العصور القديمة - على عـدد الجـنود. أفضل السيئين يحتسب مع الجنود عدد الدبابات والطائرات والسفن العسكرية، ويعـتقد أن 400 دبابة سورية صنعت في الستينات، يمكنها التفوق على 40 دبابة إسرائيلية حديثة من نوع ميركافا.

صحيح أن معظم التقارير تضع الجيش الأميركي في المركز الأول، والروسي في المركز الثاني، ولكن بقية القائمة تعتمد غالبا على التفوق الكمي والعددي، ليس أدل على ذلك من وجود الهند في المركز الرابع (بعد أميركا وروسيا والصين) متقدمة على فرنسا وبريطانيا اللتين تملكان أسلحة نووية وتقنيات عسكرية أكثر تقدما.

أيضا نلاحظ - بحسب تقرير مؤسسة Global Fire Power لعـام 2018 - أن الجيش الإيراني يحتل المركز الـ 13 متقدما على الجيش الإسرائيلي في المركز 16، وهذا في حد ذاته أمر غريب؛ لأن إسرائيل - وإن كانت أقل جنودا - تملك أسلحة نووية، وتصنع ثالث أقوى دبابة في العالم، وتملك سبعة أقمار عسكرية، وتختار ما تشاء من الترسانة الأميركية، ناهيك عن أنها الدولة الأولى في إنتاج طائرات من دون طيار.

أضف إلى ذلك أن معظم التقارير لا تُدخِل ضمن حسبتها العسكرية القنابل النووية والصواريخ الباليستية والطائرات الاستراتيجية. الأسلحة النووية بالذات تصنفها كأسلحة تكميلية يصعب استخدامها، رغـم أنها ترجح موازين دول لا تملك بالضرورة جيوشا ضخمة - كـإسرائيل وبريطانيا، مقابل الصين والهند.. يكفي أن يعرف عدوك أنك تملك أسلحة نووية كي يهابك ويتحاشى مواجهتك (كما نتحاشى رجلا يخفي مسدسا تحت ثيابه).. يكفي أن تملك منها الحـد الأدنى (ككوريا الشمالية) لتتساوى في حق التفاوض مع دول تملك منها الحد الأعلى.. أميركا مثلا لديها غواصات نووية، وقاذفات استراتيجية، وحاملات طائرات، وصواريخ عابرة للقارات؛ ولكنها في النهاية تقف حائرة أمام صواريخ روسية يمكنها الانطلاق فجأة وتدمير 10 آلاف مدينة في أميركا وحول العالم.

كـل هـذا يجعلنا نعـود ونؤكد أن عدد الرجال ليس معيارا لأقوى الجيوش في العالم، وأن ما نشاهده على الإنترنت مجرد قوائم تقريبية ومجرد من أشياء كثيرة لا يمكن قياسها (كـمستوى الشجاعة والولاء والاستعداد للتضحية لدى الجنود).

على أي حال؛ إن كنت ما زلت تتساءل عن مركز الجيش السعودي - بحسب المصدر السابق - فأشير إلى أنه في المرتبة الــ26 عالميا، والثالث عربيا بعد مصر والجزائر.

اختراعي المفضل


يوجد في القلب جزء يدعى "التجويف العقدي" يطلق نبضة كهربائية كل ثانية تجعل القلب ينبض باستمرار، ولكن في حال حصول انسداد قلبي أو مشاكل صحية معينة (خصوصا لدى كبار السن) ينقطع الاتصال بين التجويف العقدي وبطين القلب فلا تصل النبضة الكهربائية فيضطرب القلب أو يتوقف عن العمل.. وفي هذه الحالة يصبح من الضروري تزويد القلب بنبضات كهربائية خارجية منتظمة تحثه على الاستمرار كما لو كان يتلقى الإشارات الكهربائية بصورة طبيعية (وهذا سر الصعقات الكهربائية التي تعطى لضحايا الحوادث المميتة)!!

ومن هنا ظهرت فكرة اختراع آلة يمكنها حـث القلوب المريضة أو الضعيفة على النبض باستمرار (نعرفها اليوم بآلة تنظيم ضربات القلب)..

ويمكن القول ان الفكرة بدأت عام 1889 حين اكتشف الطبيب البريطاني جون اليكسندر بالصدفة أن تعريض قلب الإنسان لنبضات كهربائية يعيد إليه النبض (وهذا سر صعق المريض بالكهرباء حين يتوقف قلبه في غرفة الطوارئ).

وفي مطلع الستينات حدثت أول محاولة لزرع ناظمة كهربائية داخل الجسم في السويد.. فقد تمكن المهندس رون ميفست من تصغير حجمها لدرجة زرعها في قلب مريض يدعى آرني عاش لسن الثمانين (ولكنه زرع 26 جهازا خلال حياته بسبب انتهاء البطارية)..

ورغم كثرة الاختراعات التي ظهرت، كان الجميع يدرك أن (ناظمة القلب المثالية) يجب أن تتمتع بميزتين أساسيتين هما: صغر الحجم بحيث يمكن زرعها داخل الصدر بعملية جراحية بسيطة.. وامتلاكها قدرا هائلا من الطاقة (بحيث تعمل لسنوات طويلة دون الحاجة لتغييرها أو إعادة شحنها).

ورغم أنهما مطلبان متناقضان ويصعب تنفيذهما في وقت واحد، أصبح المستحيل ممكنا حين ابتكرت شريحة الترانزستور التي تتميز بحجمها الصغير وقلة استهلاكها للكهرباء.. وهنا أتى دور المهندس الأمريكي ويلسون جريتباتش الذي ابتكر جهازا بالغ الصغر يعمل على بطارية الزئبق.. وفي عام 1972 ابتكر جهازا أصغر حجما وأطول عمرا يعمل ببطارية الليثيوم.. وبفضل الجهاز الأخير أمكن انقاذ حياة ملايين المرضى من خلال حث قلوبهم على النبض بشكل طبيعي.. وفي عام 2013 (بعد وفاة جريتباتش بعامين) ظهرت ناظمات قلب بحجم حبة الفيتامين يمكن إدخالها عن طريق شريان الساق والصاقها بالقلب بأسنان خاصة (بدل الجراحة وفتح الصدر وتثبيتها فوق عضلة القلب).

أما لماذا أعتبر ناظمة القلب اختراعي المفضل؟! فلأنها ببساطة تـنقـذ حياة أكثر من 23 مليون انسان قبل نهـاية كل عام.

سيد العـفن


حين نكتشف شيئاً جديداً فهذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً من قبل.. فحين اكتشف الكابتن جيمس كوك أستراليا، كانت أستراليا موجودة منذ ملايين السنين.. وحين اكتشف وليام جيلبرت الكهرباء كانت ظاهرة الكهرباء موجودة منذ الأزل.. حتى الديناصورات انقرضت قبل ستين مليون عام من التعرف على عظامها المتحجرة في عصر النهضة.

ويمكن قول الشيء نفسه عن العـفن الذي يعلو الخبز والجبن والفواكه القديمة.. سبق ظهوره أستراليا والديناصورات ورافق تشكل الأرض من العـدم.. في آخر أربعة آلاف عام فقط لاحظ الفراعنة "وربما بطريق الصدفة" أن وضع الخبر المتعفن فوق الجراح المفتوحة يساعد على شفائها.

ولكن "مثل كل الاكتشافات العظيمة" بقي العالم بانتظار من يؤكد ويختبر هذه الظاهرة.. بانتظار تراكم علمي يؤهل البشرية لفهم طريقة عملها، وعقل مؤهل قادر على رؤيته حـين يمر أمامه.

والصدفة الجميلة التي وقعت للطبيب الأسكتلندي فلمنج العام 1928 أنموذج لصدف كثيرة ساهمت في تقدمنا العلمي والفكري.. صدفة لا تحدث لغير "عالم جراثيم" ولا تنتهي بغير اكتشاف البنسلين "أول وأعظم المضادات الحيوية".. فـفي 28 سبتمبر عاد إلى مختبره بعد إجازة طويلة فلاحظ أن بكتيريا عنقودية "وضعها في صحن زجاجي" بدأت تموت بفضل عفن أحاط بها "كالذي نراه فوق الخبز القديم".. وبعد البحث والتمحيص اكتشف أن العفن يطلق مادة قاتلة للبكتيريا أطلق عليها اسم بنسلين penicillin بحسب اسم الفطر الذي ينتجها.

والمضاد الحيوي مادة تنتجها الكائنات الدقيقة "كالفطريات والطفيليات" لحماية نفسها من البكتيريا.. لا تضـر الكائن نفسه ولكنها تتسبب إما بقتل البكتيريا أو إضعافها أو تحييد نتائجها.. وبتقدم علم الصيدلة أصبحت معظم المضادات الحيوية تنتج بطريقة اصطناعية - رغم أن بعضها مايزال ينتج بطريقة طبيعية من الفطريات والأحياء الدقيقة.

والمفارقة هنا، أن فلمنج فشـل في عزل مادة البنسلين وإنتاجها بكميات كافية.. غير أن هاورد فلوري، وإرنست شين، من جامعة أكسفورد تمكنا لاحقاً من عزل البنسلين وأتاحا فرصة تصنيعه بكميات كبيرة.. وفي العام 1945 تقاسم الثلاثة "فلمنج وفلوري وشين" جائزة نوبل في الطب وظهرت خلافات حول صاحب الفضل الأكبر في اكتشاف البنسلين.

الاكتشاف التالي "الأهم والأكبر" هو أن الأطباء تعرفوا بفضل البنسلين على كيفية استخراج طائفة واسعة من المضادات الحيوية القادرة على علاج مختلف الأمراض البكتيرية.. وهذه بحد ذاتها تعد أكبر نقلة نوعية في عالم الطب منذ وجد الإنسان على سطح الأرض.

كم يساوي جسدك.. وكم تساوي حضرتك؟


هناك فرق بين قيمتك الإنسانية والمعنوية، وقـيمتك كعناصر كيميائية ومــواد خــام..

من خلال وزنـي "92 كلغم" وطولـي "180 سم" يمكن القول: إن جسدي المادي يتكون من العناصر الكيميائية التالية:

57 كلغم أوكسجين يساوي سعرها في السوق 633 ريالاً.

و9 كلغم هيدروجين تساوي قيمتها 4000 ريال "وكلا العنصرين يشكلان الماء وسوائل الجسم".

و21 كلغم كربون تساوي في السوق 2000 ريال تقريباً "علماً أن الكربون هو العنصر المكون للحياة على الأرض".

وهناك أيضاً 2,5 كلغم من عنصر النيتروجين تساوي 34 ريالاً فقط.

ثم 1,5 كلغم من الكالسيوم تساوي قيمتها 1000 ريـال تقريباً.

ثم كـيلو واحـد فوسفور تساوي 1200 ريال تقريباً.

وكذلك 100 غـرام من البوتاسيوم تساوي 700 ريال تقريباً.

بعد ذلك تتبقى 500 غرام من مواد قليلة ومتفرقة "كالنحاس والحديد والمغنسيوم والزنك يصعب حساب قيمتها بالضبط".

وبعـد جمع كل هذه العناصر يتضح أن قيمتها كمواد خام تساوي 9567 ريـالاً "وهو مبلغ لا يقارن ببعارين تباع بالملايين". ولكن، من فضل الله على خلقه، أن قيمة الإنسان لا تتحدد من خلال وزنه بل من خلال منزلته كأشرف خلقه، لدرجة قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (قـدر المؤمـن أعـظم عند الله من زوال الدنيــا) النسائي.

نعـم؛ قــد تتشابه أعضاء وجينات الإنسان مع الحيوانات؛ ولكنه يختلف عنها في اصطفائه وتكليفه ومنحه فضيلة العقل ونعمة الوعي وحرية القرار، ناهيك عن القيمة الفكرية والمعنوية التي تتفاوت بين البشر أنفسهم.. الأجساد التي نعيش داخلها مجرد آلات عضوية تسكنها أرواحنا وعقـولنا ووعـينا وكل ما يحدد قيمتنا الحقيقية كبشر.. ليس أدل على ذلك من أن أجسادنا المادية تُـستبدل بصفة دورية "بسبب ظاهرة موت الخلايا واستبدالها بخلايا جديدة تنوب عنها" الأمر الذي يعني أن الجسد الذي تملكه اليوم، ليس هـو الجسد الذي كنت تملكه قبل خمس أو ست سنوات.. حين تصل إلى سن الستين تكون قد استبدلت "على الأقل" عشرة أجساد؛ الأمر الذي يضعك أمام سؤال كبير ومحير:

إن كنت قد استبدلت عشرة أجساد خلال حياتي، فلماذا مازلت محتفظاً بذكـرياتي ومهاراتي التي اكتسبتها منذ الطفولة؟!

هـذا لوحده يا عزيزي دليل على أننا "لسنا" أجساداً مادية، وأن حقيقتنا البشرية تكمن في أرواحنا وعقولنا وذكرياتنا التي تتنقـل داخلها من ولادتنا وحتى وفاتنا.

قرشك الأبيض ويومك الأسود


لديك خياران للحصول على المال: إما أن تدخر، أو تسعى لزيادة دخلك.. وهذان الخياران طريقة تفكير تقسم الناس إلى قسمين:

قسم يعيش تحت سقف معين من المصروفات، وقسم يكـسر السقف ويعيش دون حساب للمصروفات..

البعض يُجـبر "وأحياناً يفضل" الادخار والانتظار، والبعض الآخر يسعى لزيادة دخله والخروج من ضيق الحاجة وشح الراتب..

لن أشيد كثيراً بالخيار الثاني لعلمي أن كثيراً من الناس عاجزون عن زيادة دخلهم، ولأن الادخار ذاته أمر مهم للفقراء والأثرياء على حد سواء..

ورغم أهمية الادخار؛ يعني بالنسبة للفقراء المزيد من الفاقة والحرمان "وهذا إن نجحوا في الادخار أصلاً" في حين قـد يعني للأثرياء مضاعفة رأس المال وإعادة تدويره لتحقيق دخل جديد.

المواطن السعودي يعـد من أقـل المواطنين ادخاراً في العالم "مقارنة مثلاً بالمواطن الإيرلندي الذي يدخر19,3 % من دخله" ولهذا السبب أنصحه، ليس فقط بادخار جزء من دخله، بــل عدم التوقف عن محاولة تنويعه ومضاعفته.

أعرف أن كلا الأمرين صعـب، ولكنْ هناك حقيقتان مهمتان قـد تسهمان في تحقيق هذه المهمة المزدوجة:

الأولى: أن شعورنا بالثراء يتولد من التزامنا بتوفير قدر معين من دخلنا أياً كان قدره.. فسواء كان راتبك ثلاثة آلاف ريال أو ثلاثين ألفاً، ستشعر بالثراء حين تنجح في ادخار 20 % منه على الأقل "ولكنك ستشعر بالفقر والحاجة حين تتجاوز مصروفاتك 20 % من دخلك مهما كان قدره"..

أما الثانية فهي أن أصحاب المداخيل المحدودة يملكون فرصة طويلة وكافية لـتنويع مداخيلهم "أثـناء سنوات الوظيفة".. لديك أكثر من ثلاثين عاماً للبحث عن مصدر إضافي قبل دخولك سن الشيخوخة والتقاعد.. لماذا تنتظر وتتشكى وتتوقع من غيرك مساعدتك.. هناك 144 دولة في العالم "من بين 190" لا تتحمل مسؤولية توظيف مواطنيها، وفي المقابل تخيل لو أصدرت وزارة العمل لدينا قراراً بإنهاء خدمات أي موظف يقضي عشرين عاماً في الوظيفـة "كي تمنحها للشباب الداخلين لسوق العمل" ألا تـحاول حينها البحث خلال هذه الفترة عن وظيفة أخرى ودخل جـديـد؟!

وفي جميع الأحوال، مايزال لديك خياران بخصوص المال؛ إما أن تـدخر وتعيش تحت سقف معين، أو تبحث عن دخل إضافي وتكسر ذلك السقف.. لا تحتاج فقط لـرفع قرشك الأبيض ليومك الأسود "كما يقول المثل المصري" بل مضاعفة قرشك الأبيض كي لا يأتي أصلاً يومك الأسود.

أهرامات تيوتيهواكان


قرأتُ عن عجائب الدنيا القديمة في مرحلة مبكرة من طفولتي.. أخذت على نفسي عهداً بزيارتها كلها (حين أصبح كبيراً).. أذكر أنني صدمت حين اكتشفت أنها اختفت لاحقاً ولم يبق منها سوى أهرامات مصر العظيمة.. ولكنني عـدت وأدركت أن الإغريق (أول من وضع قائمة بعجائب الدنيا) لم يكونوا بمستواي الجغرافي، ولم يعرفوا بوجود أعاجيب أخرى مثل سور الصين العظيم، وشلالات إجوازو، وأهرامات المكسيك المدرجة، ناهيك عن عجائب هندسية ومعمارية كثيرة ظهرت بعدهم.

واليوم سأحدثكم عن أهرامات المكسيك المدرجة التي قرأت عنها في طفولتي.. لا يمكن مقارنتها بأهرامات مصر، لا من حيث الشكل ولا المهمة.. أهرامات مصر بنيت كمقابر تحمي داخلها تابوت الفرعون من السرقة والعبث، في حين بنيت مقابر المكسيك كمنصات مرتفعة لتقديم القرابين البشرية للآلهة من فوقـها، وهذا سر وجود السلالم الحجرية في وسطها.

المكسيك مثل مصر تملك العديد من الأهرامات المتفرقة، ولكن هرمي الشمس والقمر (في شمال العاصمة) يظلان الأكبر حجماً والأكثر شهرة.. يأتيان ضمن مدينة أثرية تتضمن عشرات المعابد والقصور ويخترقها طريق طويل يدعى "طريق الأموات".. المدينة ذاتها قديمة جداً لدرجة لا يعرف أحد بالضبط من بناها، أو ما اسمها الحقـيقي؟. الاسم المعروفة به حالياً تيوتيهواكان Teotihuacan أطلقه عليها هنود الأزتيك الذين اختلقوا حولها أسطورة تتحدث عن كيفية خلق الشمس (حيث وقفت الآلهة فوق هرم الشمس) وخلق القمر (حيث وقفت الآلهة فوق هرم القمر)..

تتضمن المدينة أيضاً أهرامات كثيرة أصغر حجماً وأقــدم عمراً من هرمي القمر والشمس، ولكن جميعها بنيت قبل ميلاد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بثلاث مئة عام على الأقل.. ارتفاع هرم الشمس يبلغ 63 متراً وهرم القمر 43 متراً، ولم يكن صعودهما صعباً كما تصورت، بـل دفعتـني حماستي القديمة للوصول إلى قمتها قبل ابني حسام والمرشد السياحي الذي رافقنا.

فـالجميل أنه خلال وجودنا في المكسيك استطعت التواصل مع بروفيسور في الآثار رافقنا في رحلتنا للأهرامات المدرجة.. لم أعرف في البداية أنه (بروفيسور) ولكنه أخبرني أنه أصيب بالملل والإحباط من التدريس في الجامعة فتفرغ لدراسة المنطقة وشرح تاريخها للسياح.. تعلمت منه الكـثير، وتعلم مني الكثير، وعرض علي زيارة المكسيك مجدداً للقيام برحلة نتجول فيها لشهر كامل..

وبانتهاء رحلتي للمكسيك أنهيت بـلداً جـديداً.. وبصعودي لأهرامات تيوتيهواكان أنهيت واحداً من أحلام الطفولة.

الرحلة المكسيكية


المكسيك بلاد كبيرة، ودولة عظيمة، وتأتي ضمن أكبر اقتصاديات العالم.. مشكلتها الوحيدة أنها تجاور بلاد العم سام، الأمر الذي يجعل من كل ما تفعله وتقدمه يبدو متواضعاً أمام العملاق الأميركي.. تستقبل سنوياً أكثر من عشرين مليون سائح، وتتضمن الكثير من آثار حضارتي المايا والأزتيك وبلدات قديمة أسسها الغزاة الأسبان.. دخلتُها مع ابني حسام في السادس من سبتمبر 2018، وكان مقرراً أن نقضي فيها اثني عشر يوماً؛ غير أن احـتجازنا في بـنما، ومصادرة الأموال التي معنا، تسبب باختصارها لستة أيام فقط.. ولهذا السبب ألغيتُ زيارتي لبعض المدن والمواقع السياحية، ولكنني لم أساوم في أمرين كنت أضعهما في قائمة زيارتي للمكسيك؛ الأول: زيارة الأهرامات المدرجة، والثاني: السكن وسط المدينة القديمة (المكسيكو سيتي) الذي يعرف اختصاراً بالسنترو Centro..

والحقيقة أن زيارة العاصمة المكسيكية يعــد بحد ذاته زيارة لدولة يتجاوز سكانها 22 مليون نسمة.. وهي بهذا العدد تأتي في المركز الأول كأكبر مدينة في العالم الغربي، وضمن أكبر خمس مدن في العالم (وأكبر مدينة تتحدث الإسبانية وتدين بالمسيحية فوق الكرة الأرضية).. قد تعيش فيها لسنوات دون أن ترى كل شيء وتكتب فيها عدة مقالات دون أن تغطي كل شيء.. غير أن مركز المدينة يعـد الموقع السياحي الأبرز، ولا يجب على أي سائح تفويت زيارته أو السكن فيه (كما فعلنا نحن).. صحيح أن المباني الموجودة فيه لا تعود لحضارة الأزتيك، ولكنها بنيت في موقع المدينة الأصلي الذي أسسه هنود الأزتيك في العـام 1325.. يترامى حول ساحة زوكالو Zócalo التي تعد الأكبر والأجمل في أميركا اللاتينية.. الشوارع التي تتفرع منها تمتلئ بالمطاعم والمقاهي ومحلات التسوق، ويمكنك أن تمشي فيها لأيام دون ملل.. تمتلئ بالبشر والسياح والباعة الجائلين، وتحيط بها المتاحف والقصور والمقار التاريخية التي تشكل روح المكسيك وفخرها الوطني (فيما يدخل السنترو بأكمله ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو)..

لم أندم فعلاً على السكن في تلك المنطقة رغم ندرة وتواضع الفنادق فيها.. كانت هـواية ابني حسام هي البحث (في غوغل) عن أفضل المقاهي؛ الأمر الذي أتاح لنا اكتشاف مقـاهٍ تاريخية وارستقراطية مميزة أنقذتنا من إفطار "الهوستيل" الذي سكنا فيه.

من المؤسف فعلاً أن ينتهي المقال قبل أن أخبركم عن أهرامات تيوتيهواكان المدرّجة.

تحتاج لمنافسين


حين تراجع سير الناجحين والعصاميين، تجد دائماً طرفاً مقابلاً كانوا يتنافسون معه.. فمقابل جرير هناك الفرزدق، ومقابل نيوتن هناك أينشتاين، ومقابل بيل غيتس هناك ستيف جوبز، ومقابل بيليه هناك مارادونا، ومقابل السنباطي هناك محمد عبدالوهاب.

تابعت على قناة «التاريخ» برنامجاً يدعى جبابرة أميركان American titans تستعرض كل حلقة شخصيتين تاريخيتين تتنافسان في مجال معين.. فهناك مثلاً تنافس أندرو كارنيجي مع هنري كلاي على احتكار صناعة الحديد.. وأديسون مع تسلا على توزيع الكهرباء للمنازل.. وجـون روكفلر مع توماس سكوت على احتكار صناعة النفط.. وجوزيف بوليتزر ووليام هيرسنت على احتكار الصحافة.. وفي كل حلقة تكتشف أن كلا الطرفين يتعملقان بفضل تنافسهما - وتتعملق بفضلهما أميركا على بقية العالم.

أمــا في ألمانيا فقرر الأخوان آدي ورودلف داسلر تأسيس شركة لصنع الأحذية الرياضية.. غير أنهما اختلفا العام 1947 فانفصل الأول في شركة دعاها آديداس «بجمع آدي مع داسلر» في حين أسس الثاني الشركة المعروفة باسم «بوما».. وفي حين توقع الجميع أن يتسبب انفصالهما في انهيارهما، تسبب تنافسهما في نمو شركتيهما بسرعة مذهلة.. كانا يتنافسان بشكل محموم ويحاول كل طرف التفوق على المنتجات التي يقدمها الطرف الآخر.. شكل تنافسهما مادة خصبة للصحف وأحاديث الأهالي لدرجة عرفت مدينتهما هرتسوجن بمدينة الرقاب المنحنية كون سكانها ينظرون دائماً لأقدام بعضهم؛ من يلبس أديداس ومن يلبس بوما!

وظهور هذه الثنائيات ليس من قبيل المصادفة كونهما نتيجة لبيئة ودوافع مشتركة، ووجود أحدهما يشجع الآخر على الظهور والتفوق والاستمرار في المنافسة..

لهذا السبب نحتاج جميعنا إلى منافس يُـشعل فينا دافـع التفوق والاستمرار.. حين لا تملك منافساً لا تملك سقفاً تحتاج لتخطيه.. حين لا تملك منافساً تفقد الرؤية وتكتفي بأي نتيجة.. تركن للنجاح وتقتل روح التجديد والابتكار.. تسعد بموقعك ولا ترى في الأفق من يهدد مكانتك.

تحتاج لمنافس كي تخاف على مستقبلك ونجاحك ومصدر رزقك.. تحتاج لمنافس كي لا تطمئن لإنجازك أو تغتر بموقعك وتعتقد أنك فريد زمانك.

لا يجب أن تخشى المنافسة الشريفة لأنها من تبقيك متحفزاً وتحثك على التقدم للمركز الأول.

المنافـس النبيل هو من يجعلك تأخذ الأمر «على محمل شخصي» وتعـتقد أن كرامتك على المحك!

إن لم يكن لديك منافس، فـاخلقه من العدم؛ لأن تراجعك للمركز الثاني أفضل من وفـاتك في المركز الأخير.

لماذا يجب منع الواجبات المدرسية؟


هل تذكر أكثر شيء كنت تكرهه في مدرستك الابتدائية (بعد الضرب طبعاً)؟

معظمنا سيقول: الواجبات المدرسية..

أنا شخصياً كنت أكرهها بشدة لأنها كانت تستهلك وقتي، وتدمر نفسيتي، وأشعر أنني سأعاقب بسببها في جميع الأحوال.

ما زلت أرى ابني ياسر (في الخامس الابتدائي) يعاني منها.. يعـود للمنزل جائعاً ومنهكاً ولكنه لا يملك حق الراحة بسبب واجباته المنزلية - خصوصاً أنه يأخذ في المنزل دروساً للغة الإنجليزية ويذهب لدورة برمجة للروبـوت.

بعثت عدة خطابات للمعلمين بضرورة مراعاة نفسية الطلاب وتخفيف فروضهم المنزلية.. ذكرت في أحد خطاباتي أن فنلندا قفزت للمركز الأول عالمياً بسبب منع الواجبات المدرسية والتركيز على إنجازها تحت إشراف المعلمين داخل الفصل!

لا يتسع المقال لشرح التجربة الفنلندية ولكنني أؤمن بضرورة إلغاء الواجبات المنزلية من مدارسنا للأسباب التالية:

لأنها تسبب القلق والرعب للأطفـال (علماً أنها ظهرت في الأصل كعقاب للطلاب المهملين في المدارس الإيطالية).

ولأنه لم تـثبت لها أي فائدة للطلاب (فـالمتفوق لا يحتاجها، وضعيف المستوى لا يدرك أخطاءه فيها).

ولأنها تُـنجز في وقت راحة الطالب وتحرمه من نشاطات أخرى كالقراءة والرياضة (ومحاولة الأهل تعليمه شيئاً إضافياً).

ولأنها تشغل وقت المعلم نفسه (في حال كان جاداً فعلاً في مراجعة كل الأجوبة وتصويب كل المخطئين).

ولأن المعلمين أنفسهم يفتقدون للتنسيق بينهم (فـيتلقى الطالب يومياً أربعة أوخمسة فروض يستحيل إنجازها كلها).

ولأنها تخلق حالة توتر في المنزل ومواقف غاضبة بين الطفل ووالديه (وتذكر كم مرة غضبت والدتك أثناء تدريسك)!

ولأنها تفـاقـهم ظاهرة المدرس الخصوصي (فالأهل إما مشغولين أو لا يجيدون القيام بعـمل يخص مدرس الفصل).

وأخيراً: رغم كل الادعاءات بأهمية الواجبات المنزلية، يتم فرضها على الطالب لتعويض عجز المعلمين والمقررات المدرسية عن تعـليمه كل شيء؛ فلماذا تتحمل أسرة الطالب (أو طفل وحيد في الابتدائية) مسؤولية هذا الخـلل؟

الحل هو الانتهاء من كافة الواجبات الدراسية داخل المدرسة وتحت إشراف معـلم الفصل.. أن تختفي الفروض المنزلية وتستبدل بأبحاث اختيارية يعشقها الطالب.. أن نتخلص من فكرة الحشو وكثرة الواجبات والتمارين، ونستبدلها بـ (أفضل طريقة) لحـل المعضلات والتمارين التي يناقشها الدرس أو يتضمنها المقرر.

أنـا أول الآباء المتمردين على الواجبات المدرسية لأنني أرفض حالة الهلع والتوتر التي تسببها لطفلي وأفراد أسرتي.. من حقي منعها في منزلي لأنها مسؤولية المدرسة ولا يفترض بالمدرسة أن تعتدي على وقـت المنزل.

وقبل أن أنسى؛ افتح اليوتيوب وضع فيه هذه الجملة: (التعليم في فنلندا الأول عالمياً)..

لماذا يجب أن تستيقظ مبكراً؟


من أبرز سمات هذا العصر شعورنا بالانشغال الدائم وأن ساعات اليوم لم تعد كافية لفعل كل شيء نريده.. أسباب كثيرة تقف خلف هذه الظاهرة (أهمها) انقلاب عاداتنا اليومية واختلال ساعتنا البيولوجية.

أيام جدي وجدك، كانت الشمس تحدد للناس موعد نومهم واستيقاظهم.. كان الغروب يعني النوم، والشروق يعني الاستيقاظ.. كان الليل لباساً، والنهار معاشاً، وكانت ساعات اليوم كافية لفعل كلا الأمرين.

غير أننا فقدنا هذه النعمة باختراع الكهرباء وإضاءة المصابيح ليلاً.. لم يعد بإمكاننا النوم قبل منتصف الليل، ولا الاستيقاظ قبل شروق الشمس (خصوصاً في ظل الستائر الثقيلة التي تحجب ضوء النهار).

وبمرور الأجيال اختلت ساعتنا البيولوجية، وكثرت اضطرابات النوم، وأصبحت الفتيات يبلغن في سن مبكرة (كون استمرار الإضاءة الليلية يوحي للجسم بسرعة توالي الليل والنهار).

الأسوأ من ذلك ظهور اعتقاد ساذج مفاده أن النوم مبكراً من صفات العجائز وكبار السن، وأن النوم متأخراً من طبيعة الشباب والحياة المودرن، وأصبح السهر ذاته مدعاة للتباهي.. غير أن الاستيقاظ مبكراً استراتيجية فعالة لرفع مستوى الكفاءة وزيادة عدد الساعات الفعالة في حياتك (وابحث في النت عن مقال: الساعات غير الفعالة في حياتك).. العصاميون والناجحون (مثل بيل غيتس وستيف جوبر وغازي القصيبي وصالح الراجحي) كانوا يبدؤون يومهم قبل الخامسة فجراً.. ينجزون أعمالهم قبل حضور موظفيهم، ويستغلون فترة التألق الذهني (التي يشعر بها من يستيقظ فجراً) قـبل تناول غيرهم لجرعته من الكافيين.

كل إنسان يستيقظ فجراً يشعر بسكينة وانشراح وتألق ذهني لا يشعر بها معظم الناس.. يشاهد شروق الشمس ويشعر بنسيم الصبح وينجز مهامه في وقت قياسي.. وفي المقابل كم مرة شعرت بالكآبة والخمول وضيق الوقت حين تستيقظ متأخراً وتذهب لعملك مكرهاً أو متأخراً أو نصف نائـم.

الحل هو أن تتعـلم النوم مبكراً، والاستيقاظ مبكراً، وتطفئ أضواء المنزل بعـد السابعة مساء.. بهذه الطريقة تستيقظ سعيداً وتشعر بأنك تملك يومك وتتحكم بوقتك وتسيطر على حياتك.. تربح ساعات إضافية وتسبق الازدحام المروري وتصل لعملك مبكراً وتتخلص من تأجيل مهامك لليوم التالي.. تستطيع المشي صباحاً، ورؤية أطفالك قبل ذهابهم للمدرسة، وتناول فطورك في توقيت يناسب ساعتك البيولوجية (الأمر الذي ثبتت فعاليته في تخفيف السمنة ومقاومة النمط الثاني من السكري).

لست متزمتاً ويمكنني تـفـهـم فكرة السهر في المناسبات ونهاية الأسبوع، ولكن أن يكون عادة يومية، فهذه من دون شك هـدر للوقت ومضيعة للعمر ووصفة للفشل.. لا تحتاج لمن يخبرك بذلك ولكنني سأختصر الفكرة في أربع كلمات فقط: (بـورك لأمتي في بكورها).

الفرق بين مالطا وقطر


مالطا واحدة من أصغر دول العالم.. لا يتجاوز سكانها 416 ألف نسمة (أقل من سكان ينبع) ولا تزيد مساحتها على 316 كلم2.. مجرد جزر صغيرة في البحر الأبيض المتوسط لا تملك موارد ولا جيشا ولا صناعات متقدمة.. ومع هذا تملك مكانة عالمية وحصانة عسكرية لا تـتوفر لدول بحجم إيران وأفغانستان والدول العربية مجتمعة.. ففي عام 2004 تم قبولها ضمن الاتحاد الأوروبي ودخلت بذلك ضمن حلف عسكري يتضمن 28 دولة، و500 مليون إنسان، ومساحة تتجاوز 4,475,000 كلم2..

وفي المقابل هناك قطر التي فعلت العكس، وانسلخت طواعية عن محيطها الخليجي والعربي والإسلامي.. فهي في الأصل دولة صغيرة (مثل مالطا) ولكنها (بعكس مالطا) لا تملك وزناً دولياً ولا تحالفاً سياسياً مؤثراً.. فـقدت روابطها مع أشقائها الخليجيين وانكمشت إلى أقـل من حجمها وتأثيرها القـديم.. خسرت سندها العربي وعمقها الاستراتيجي بفضل سياسات صبيانية لا هم لها غير مخالفة السياق ولفـت الانتباه وتضخيم الهوية. حصدت في النهاية عزلة عربية ودولية، كان آخرها خروجها من منظمة أوبك وخسارتها صوتاً مؤثراً في أسواق النفط (رغـم أن عائداتها النفطية تقل عن ميزانية شركة الاتصالات السعودية).

ليس عيباً أن تكون الدولة صغيرة أو غير مؤثرة (ففي العالم 19 دولة تقل مساحتها عن قطر) ولكنها أن تكون غير مؤثرة وبهـذا التعنت والصفاقة فهذا هو الخطير فعلاً. أنا شخصياً مصدوم من عـدم رؤية النظام القطري لما يحدث على أرض الواقع.. كنت أتمنى أن يرجح مصالح شعبه على مصالح شرذمة قليلة من قيادات الإخوان، ومن هربوا من أوطانهم بعد خرابها.. أن يعيد حساباته بخصوص قـناة الجزيرة ويحسب كم كسب وكم خسر جراء وجودها على أراضيه.. تخيل كيف سيكون رد فعل الدول الأوروبية في حال تمردت مالطا على مبادئ الاتحاد الأوروبي، والأسوأ في حال تحولت لملاذ آمن للمنظمات الإرهابية التي تستهدفه.

غير أن مرور الأيام يؤكد أن مالطا ليست قطر، وأن الأخيرة تزداد انكماشاً وانسلاخاً من كافة الروابط التي تمنحها وزناً إضافياً..

السعودية بلد الشركات الاستراتيجية


لدينا شركات استراتيجية كبيرة مثل أرامكو وسابك والاتصالات، ونملك 36 شركة من بين أقوى مئة شركة في العالم العربي.. معظم هذه الشركات (الكبيرة) إما حكومية أو قامت بفضل مبادرات حكومية قبل أن تنتقل جزئياً للقطاع الخاص.. تجاربنا في هذا المجال ناجحة نوعياً، ولكنها قليلة (كمياً) لدرجة تدعوني للمطالبة بتكرار تجربة سابك في مختلف المجالات.

لماذا لا يكون لدينا شركات استراتيجية مماثلة تـبادر الـدولة لإنشـائها؟!

نعرف أن المسمى الرسمي لسابك هو الشركة السعودية للصناعات الأساسية، وأن اسمها المختصر Sabic مكون من أول الأحرف في اسمها باللغة الإنجليزية Saudi Basic Industries Corporation:

وبناء عليه لماذا لا يكون لدينا أيضاً:

الشركة السعودية للصناعات الإلكترونية ساليك Sa.el.i.c) Saudi Electronic Industries Company)

والشركة السعودية للصناعات الدوائية سافيك Sa.ph.i.c) Saudi Pharmaceutical Industries Company)

والشركة السعودية للصناعات الفضائية ساسبيك Sa.sp.i.c) Saudi Space Industries Company)

والشركة السعودية للصناعات الإنشائية ساكونيك Sa.con.i.c) Saudi Construction Industries Company)

والشركة السعودية للصناعات الغذائية سافوديك Sa.food.i.c) Saudi Food Industries Company)

والشركة السعودية للصناعات الميكانيكية ساميك Sa.me.i.c) Saudi Mechanical Industries Company)

لـماذا لا يتم جمع كل هذه الشركات تحت مظلة وزارة جديدة تدعى مثلا (وزارة المشروعات الاستراتيجية)؟

لست ضد القطاع الخاص، ولكن العـقود الماضية أثـبتت أنه عاجز وحده عن إنشاء شركات استراتيجية ضخمة بهذا المستوى. بل تكاد تكون السعودية حالة استثنائية حيث يسيطر الأجانب على قطاعها الخاص، في حين لم تنجح شركاتها العائلية في تجاوز قطاع الخدمات والمشروعات التقليدية.

ولم أكن شخصياً لأقدم هذا الاقتراح لولا ثقتي بامتلاكنا القدرة المالية والسياسية على إنشاء شركات كبيرة بوزن سابك.. شركات وطنية ضخمة ترفد اقتصاد الدولة - وتعرف الدولة مقدراتها المالية ومداخيلها الحقيقية.. شركات وطنية شفافة تعمل بعيداً عن التستر واستثناء أبناء الوطن (الذين يشكلون أغلبية كاسحة في أرامكو وسابك وشركة الاتصالات).. نجاح مثل هذه الشركات الاستراتيجية سيقود خلفه كافة القطاعات الأهلية الخاصة - كونه سيعمل كروافد صغيرة لمشروعاتها الكبيرة.

ولا أخفي عليكم أنني كتبت هذا المقال من وحي (وعــد الشمال) آخر مشروعاتنا العملاقة في قطاع التعدين.

هل يوجد شيء يدعى فيتامين B17؟


أتناول منذ ثلاثين عاماً كبسولة تضم الفيتامينات المعروفة كافة، النقص الوحيد فيها هو عدم احتوائها على فيتامينات B كافة، فهذا الفيتامين لوحده يتضمن 12 نوعاً تبدأ بـفيتامين B1 وتنتهي بفيتامين B12.

في الماضي كان يعتقد أنها نوع واحد بسبب خصائصها المشتركة وقابليتها للذوبان في الماء، ولكن بمرور الوقت اتضح أنها فيتامينات مختلفة يؤدي كل منها وظيفة معينة "ففيتامين B9 هو حامض الفوليك الذي يتسبب نقصه لدى الحوامل بتشوهات الجنين".

وفي كل مرة أقرأ فيها محتويات كبسولتي العزيزة أتساءل: لماذا لا تضم فيتامينات B كافة؟

أتساءل بالذات عن سبب اختفاء فيتامين B17 الذي تدعي بعض الأبحاث قدرته على مكافحة السرطان.

وفي أغسطس الماضي كنت في أميركا حين عثرت بالصدفة على مجموعة خاصة بهذه الفيتامينات فقط.. ولكنني "مثل معظم السعوديين" لم أقرأ محتوياتها إلا بعد شرائها واكتشفت أيضاً عدم احتوائها على فيتامين B17.

وقبل أيام فقط سألت زوجتي "استشارية أطفال" عن سر اختفاء هذا الفيتامين فردت علي: ومن أخبرك أصلاً أن هناك شيئاً يدعى فيتامين B17؟

أصررت على موقفي، وأصرت على موقفها، فـفتحت غوغل ووجدت نتائج كثيرة تتعلق بهذا الاسم "من بينها شخص يسـأل: لماذا منعت وكالة الأدوية الأميركية فيتامين B17؟"

لفت السؤال انتباهي ونسيت نقاشي مع الدكتورة نجاة وبدأت أقرأ عن سبب منعه وعدم وجوده في الأسواق.

فحتى سبعينات القرن الماضي كان من المعتاد وصف مادة الأميجدالين amygdalin لعلاج السرطان، غير أن الأبحاث التالية أثبتت ليس فقط فشلها، بل إنها مادة خطيرة ومكون أساسي لسم السيانيد، ولهذا السبب تم منعها في أميركا والاتحاد الأوروبي "رغم وجودها في بذور التفاح والمشمش وبعض المكسرات".

ومن هنا ظهرت نظرية مؤامرة جديدة تتهم وكالة الأدوية الأميركية FDA بمنع مادة الأميجدالين كي تحافظ على الأرباح العالية للشركات المنتجة لعقاقير السرطان، أطلق عليها اسم فيتامين B17 لمنحها شرعية واسماً مطمئناً بدلاً من مادة الأميجدالين التي ارتبطت بسم السيانيد "الذي انتحرت به كليوباترا وكان الفراعنة يستخرجونه من طحن بذور المشمش".

ورغـم أن مادة الأميجدالين مازالت تصنع في دول كالمكسيك ورومانيا.. ورغم إمكانية شرائها عبر الإنترنت في أميركا وأوروبا.. ورغم أن بعض الأطباء مايزالون يصفونها لمرضى السرطان؛ ولكن الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء "كما قالت أم حسام" يدعى فيتامين B17 ولم تثبت الدراسات الحديثة فعالية الأميجدالين في علاج السرطان، ناهيك عن تأثيرها السام على جسم الإنسان.

لماذا كتبت هذا المقال؟ لأنني رأيت أثناء بحثي عن مادة الأميجدالين دعايات تروج لبيعها في المملكة كعلاج للسرطان.

ابتكر مسارك الخاص


حياتنا بمثابة مارثوان كبير لا يملك خط نهاية ويشارك فيه ملايين الناس.. ومع هذا جميعنا يركض طمعًا بالفوز رغـم أن جميعنا سيموت قبل الوصول لأي نهاية.

ورغم استحالة وصولنا لخط النهاية لا أنصحك بالتوقف لأن توقفك يعني ثباتك واحتمال دهسك ممن يركضون خلفك. أنصحك فقط بألا تأخذ السباق بجديه ولا تنسَ بقية الأولويات!

أما إن كنت شاباً متشوقاً لخوض سباق الحياة فلدي نصيحة بسيطة قد تساعدك على التقدم بسرعة.

فمهما كنت مستعداً ومتفوقاً سيكون هناك من هو أكثر منك استعداداً وتفوقاً.. حتى حين يكون الجميع بنفس الكفاءة والفعالية سيتم اختيار شخص واحد فقط يملك إضافة بسيطة يتميز فيها على الآخرين "وابحث عن مقال: أضف زهرتك الخاصة".

لهذا السبب قــد تحتاج أحياناً إلى ترك المسار بأكمله؛ "كونه أصبح مزدحماً بالمتنافسين" وتصنع مضماراً جديداً تتسابق فيه وحدك وتنتصر فيه وحدك.. بهذه الطريقة تكون المتنافس الوحيد في المضمار، وتضمن الفوز دون منافسين، كما فعل 76 % من العصاميين في قائمة فوربس لأثرياء العالم.

ولكنني "أحذرك مسبقاً" بأن ترك المسار التقليدي قد يتطلب ترك دراستك ووظيفتك ومصدر رزقك.. لا أنصحك بذلك ما لم تكن واثقاً من نفسك وفكرتك ومشروعك "وقالت العرب قديماً: الرجل الحكيم لا يرفع رجلاً إلا ويعرف أين يضعها".

وبالطبع؛ يضطر الإنسان أحياناً لرفع كلا الرجلين كما تؤكد سير من صعدوا من الصفر.. الخباز الإيطالي بيترو فيريرو عانى "أثناء الحرب العالمية الثانية" مـن شـح الشكولاتة المستوردة.. وبدل أن يغلق محله مثل بقية الخبازين ترك المسار القديم وبدأ يجرب إضافة مواد غذائية مختلفة لبودرة الشكولاتة "بهدف زيادة كميتها دون فقد طعمها".. جرب مواد كثيرة حتى توصل لتركيبة مثالية تضمنت بودرة الحليب وزيت النخيل وجوز البندق واخترع بذلك ما نعرفه اليوم باسم "نـوتيلا".. ترك المضمار التقليدي واخترع لنفسه مضماراً مستقلاً في 75 دولة لدرجة تستهلك مصانعه اليوم نصف محصول البندق في العالم.

إذاً؛ الخيار يظل دائماً بيدك ويخضع لتقديرك وحـدك.. أنا شخصياً تركت خلال حياتي أربعة مسارات، وحاولت الاختراق بأفكار جديدة وأهداف غير مسبوقة.. أول مسار تركته كان دراستي الجامعية، وأقرب مسار سأتركه الكتابة في الصحف التقليدية، ولم يحدث مرة أن ندمت على قراراتي.

لا يمكنني تقديم نصيحة تناسب ظروف كل إنسان، ولكنني على قناعة بأن المبدأ ذاته "الخروج عن المسار والاختراق بفكرة" من أهم مبادئ الإبداع والنجاح والتفوق.

لا تستعجل.. وتذكر دائماً ما قالته العرب عن الرجل الحكيم..

درجات التباعد الست


في آخر مقال تحدثت عن ادعاءات وجـود علاقة نسب بين العائلة المالكة البريطانية ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ورغم أنني لا أميل لتصديق هذا الادعاء؛ أؤمن في المقابل بإمكانية إيجاد علاقة تقارب بين أي شخصين في العالم من خلال سـت خطوات أو درجات تباعد (تدعى أيضاً Six degrees of separation).

وهذه العلاقة اكتشفت بالصدفة حين لاحظ المهندسون (ومن يخططون شوارع المدن) أن جميع النقاط ترتبط ببعضها من خلال ست خطوات (كحد أقصى).. وفي عام 1922 نشر الكاتب الهنجاري كارينثي فيريغيس قصة بعنوان سلاسل لفتت الانتباه لإمكانية وجود علاقة بين أي شخصين على كوكب الأرض من خلال ست درجات تباعد فقط.

والمدهش أن فكرته تم إثباتها لاحقاً من خلال المعادلات الرياضية وأصبحت مؤكدة بعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر (وهذا هو السر وراء عثورك في هذه المواقع على أصدقاء قطعت علاقتك بهم، فتقترح عليك إضافتهم من جديد).

ومن خلال هذه العلاقة السداسية يمكنك حتى أنت ادعاء علاقتك ليس فقط بالملكة اليزابيث، بل وبإمبراطور اليابان، ودونالد ترامب، وحتى مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

لا يستطيع أحد أن يتهمك بالكذب حين تدعي مثلاً أنـك عربي من نسل إسماعيل (أبو العرب) الذي تنحدر منه كنانة، التي تنحدر منها قريش، التي ينحدر منها بنو هاشم، التي ينحدر منها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

حتى ملكة إنجلترا يمكنك العثور على علاقة معها في حال ادعيت مثلاً أنك تعود لعرب الحجاز، الذين تنحدر منهم الملكة الأندلسية زايدة، التي تزوجت حفيدتها من الملك إدوارد الرابع، الذي تنحدر منه السلالة الملكية البريطانية الحالية.

على أي حال؛ الناس مؤتمنون على أنسابهم ما لم يدعوا شرفاً (كما قال الإمام مالك).. والسبب الأساسي لاستعراض هذه العلاقات الافتراضية معكم هو شرح ظاهرة الترابط الحتمية بين البشر في أقل من ست درجات.. يمكنكم اعتبارها نماذج لعلاقات رياضية أصبحت اليوم ركناً مهماً في تخيط المدن، وشبكات المواصلات، وبرمجة المواقع، والتسويق الإلكتروني، ناهيك عن رسائل الواتساب التي تخرج منك وتعود إليك في أقل من ست خطوات.

ملكة إنجلترا.. وأصلها العربي


لا أكاد أحصي عدد المرات التي قرأت فيها عن وجود علاقة نسب بين ملكة بريطانيا الحالية (اليزابيث الثانية) ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ففي عام 2015 مثلاً ادعى مفتي مصر السابق (علي جمعة) أن العائلة الملكية البريطانية تنحدر من نسل رجل من آل هاشم أجبر على اعتناق النصرانية.. وقبل سنتين تقريباً أشار موقع BBC إلى احتمال وجود علاقة نسب تربط الملكة اليزابيث مع الملوك الأمويين الذين حكموا إشبيلية ويرتبط نسلهم القديم بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخلال اللقاء الذي أجريته مع أستاذ التاريخ مجاهد الجندي أشار إلى أن ذلك قد يكون صحيحاً كون الأشراف من نسل فاطمة اضطروهم للهرب إلى أقاصي المغرب والأندلس - ناهيك عن علاقة الأمويين أنفسهم بالنسب النبوي الشريف.

أيضا؛ في يوليو 2013 نشر موقع arabianbusiness.com فرضية مشابهة تحت عنوان: (طفل الأمير وليام ينحدر من أصول عربية) أشار فيه إلى أن نسب الطفل الجديد يعود إلى حاكم مسلم من إشبيلية ينحدر من سلالة النبي الكريم.

ومن المعروف، أن شجرة العـائلة المالكة للأمير وليام (أب الطفل وحفيد الملكة الحالية) يرتبط بعدد من ملوك اليونان والدنمارك والسويد وروسيا والنمسا وإسبانيا وألمانيا.. ولكن المفاجأة أن سلسلة النسب (من جهة الأم) تنحدر من سلالة ألفونس السادس ملك قشتالة وزوجته زايدة.. وزايدة أميرة عربية مسلمة تنحدر من ملوك في الأندلس ينحدرون مباشرة من سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت صحيفة الأسبوع المغربية قد ادعت في ابريل 2018 وجود علاقة نسب بين ملكة بريطانيا وملك المغرب الحالي الذي ينحدر من الأشراف.. فبحسب زعمها تتبعت نسب الملكة اليزابيث إلى 43 جيلاً وأكدت ارتباطها بالملكة الأندلسية زايدة التي تنحدر من آل هاشم (وتزوجت من ملك قشتالة).. وهكذا فإن العائلة البريطانية تتصل بنسب النبي من خلال ملوك قشتالة وإشبيلية الذين كانت لهم قرابة نسب مع الملك إدوارد الرابع الجد القديم لملكة بريطانيا الحالية.

وبناءً على كل هذه الفرضيات اقترحت صحيفة الإيكونمست على الملكة اليزابيث (في أبريل 2018) المطالبة بحقها في الخلافة الإسلامية وحكم العالم الإسلامي مستشهدة بكل هذه التقارير التي تعـود إلى عقد الثمانينات.

وحتى نكمل حديثنا غداً أقترح أن تبحثوا بأنفسكم عن هذا الموضوع في موقع الإيكونمست، وآرابيان بيزنس، وقناة الـBBC.

السعودية دولة عظمى.. وبالأرقام


كتبت قبل أسبوع مقالاً بعنوان (#السعودية_العظمى) أكدت فيه أهمية الشعور بالعظمة والاعتزاز لدى أفراد المجتمع.. أبديت فيه قناعتي أن السعودية دولة عظيمة طالما شعر سكانها بذلك.. أشرت إلى قدرتي على تقديم أرقام وإحصائيات تؤكد تفوقها (على الأقل عربياً) ولكــنها لم تكن مهمتي في ذلك المقال.

والحقيقة هي أن عظمة السعودية لا تنبع فقط من شعور مواطنيها بذلك، بــل وتؤكدها أرقام ومراتب عالمية يمكن الاحتكام إليها.. فالسعودية مثلاً هي الدولة العربية الوحيدة في نادي العشرين لأكبر اقتصاديات العالم.. كما أنها أول منتج للنفط وصاحبة ثاني احتياطي فيه.. تعــد دولة ناجحة ومستقرة بحسب معايير مجلة Foreign Policy المعنية بسياسة الدول الخارجية.. تشغل موقعاً رائداً في العالمين العربي والإسلامي بفضل ثقلها السياسي والاقتصادي ورعايتها للحرمين الشريفين.. تحتل المركز الرابع في موازين القوة العالمية، ونالت 8 من 10 نقاط في ميزان التأثير الاقتصادي العالمي (www.usnews.com).

أهـم ثرواتها شبابها الذين يشكلون نصف المجتمع ويحققون منذ عام 2007 مراكز متقدمة في عدد الابتكارات والإنجازات والمسابقات العالمية.. عدد مبتعثيها يفوق مبتعثي الدول العربية مجتمعة (ودول العالم مقارنة بعدد السكان).. وخلال السنوات الماضية كانت جامعات البترول، والملك سعود، والملك عبدالعزيز تحتل المراكز الأولى كأفضل الجامعات في عالمنا العربي.

وفي حين ما يزال البعض يصفنا بدولة الخيام والجمال أصبحنا ننتج 45 % من مجمل الطاقة الكهربائية في العالم العربي، وأصبحنا الدولة الأولى في نسبة التأليف والنشر ومبيعات الكتب الصادرة باللغة العربية.. نتصدر جميع الدول العربية بـعدد الابتكارات منذ عام 2010 وسجلنا في العام الماضي وحده 664 براءة اختراع متفوقين بذلك على أقرب عشر دول شقيقة مجتمعة (ومحتلين بذلك المركز 23 عالمياً بحسب مكتب البراءات الأوروبي USPTO).

ووفق بيانات شبكة تومسون لمخرجات الأبحاث العالمية (لعام 2012) تفوقت السعودية على جميع الدول العربية بـ 7000 بحث (يليها مصر بـ 6000 بحث، والأردن 1000 بحث، والإمارات 1000 بحث، والكويت 500 بحث).. وفي الوقت الذي يبحث فيه البعض عن قروض ومساعدات دولية، أنشأت السعودية (مع مجموعة سوفت بنك) صندوقاً للاستثمار في شركات التكنولوجيا بقيمة 100 مليار دولار - واستثمرت في شركة لوسيد موتورز وحدها مليار دولار..

طــبعـاً؛ لدينا عـيوب وأخطاء ومشكلات مثل بقية الدول؛ ولكنني أقـدم هذه الأرقام للـرد فقط على التعليقات التي لم تقتنع بمقالي الأول.

حـان الوقت لمناقشة مسألة التجسس


في مايو 1964 اكتشف فريق أميركي متخصص 40 جهاز تنصت زرعها الروس في السفارة الأميركية في موسكو.. قررت أميركا بناء سفارة جديدة، ولكنهم اكتشفوا في العام 1982 أن الروس زرعوا فيها أيضاً أجهزة تنصت داخل خرسانة الأعمدة والأسقف.. وهكذا اضطرت أميركا لبناء سفارة أخرى ولكن أعمال البناء توقفت العام 1985 حين تبين أن الروس سربوا أدوات تجسس جديدة من خلال المقاولين المحليين.

أما بريطانيا فـمنعت في العام 1987 كتاباً بعنوان صائد الجواسيس Spycatcher لأن عميل المخابرات المتقاعد بيتر رايت يفضح فيه طريقة تجسس بريطانيا على السفارات الأجنبية منذ ثلاثين عاماً. وفي العام 2010 أثار إدوارد سنودن "المستشار السابق في وكالة الأمن القومي الأميركي" أزمة كبيرة حين كشف بالأدلة تجسس أميركا منذ عشرين عاماً على السفارات الفرنسية والألمانية والإيطالية ومقرات الاتحاد الأوروبي.

وهذه مجرد نماذج تؤكد أن جميع الدول تتجسس على بعضها البعض ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.. آخر حادثة من هذا النوع هو تجسس الاستخبارات التركية "وبحسب الصحف التركية نفسها" على القنصلية السعودية وتسجيلها حادثة جمال خاشقجي.. حديث أردوغان "في 23 أكتوبر 2018" عن التحضيرات المسبقة للعملية تؤكد أن التجسس على القنصلية كان يتم منذ وقت طويل، وأن المخابرات التركية كانت تعلم بتفاصيل الجريمة قبل وقوعها.

وبما أن التجسس على البعثات الديبلوماسية يخالف قانون فيينا للعمل الديبلوماسي "للعامين 1961 و1964" وبما أنه ينافي الأعراف الدولية ويرجح فرضية التجسس على بقية السفارات؛ أصبحت السلطات التركية في حـرج من ادعاءات وجود التسجيلات نفسها.. ففي حال ثبت فعلاً وجود "التسجيلات" فإنها لا تدين نفسها فقط، بــل تعد شريكاً في الجريمة؛ كونها علمت مسبقاً بوقوعها ولم تحاول منعها.. على أي حال؛ التجسس على قنصليتنا في إسطنبول يلفت انتباهنا لاحتمال التجسس على سفاراتنا كافة في الخارج.. وهو احتمال لا يغـيب عن وزير خارجيتنا عادل الجبير، ويدفعنا لوضع بروتوكولات تواصل جديدة تمنع عمليات التجسس عليها "بل وتشكيل فريق تقني متخصص يكشف على مبانيها بشكل دوري". أيها السادة؛ قبل 22 عاماً كتبت مقالاً توقعت فيه اختفاء السفارات "في المستقبل"؛ كون تقنيات التواصل الحديثة ألغت الحاجة لوجود مندوب بشري "يعيش بشكل دائم" في الدول الأخرى.. أعتقد اليوم أننا نعيش ذلك المستقبل!!

كيف تسافر.. وليس كم تسافر؟


السـفـر والترحال يأتيان دائماً في مقدمة الأمنيات البشرية. في معظم استطلاعات الرأي تأتي "رؤية العالم" قـبل حلم الثراء، والبقاء شاباً، والوقوع في الحب.. لا تحتاج لمن يؤكد لك هذه الحقيقة كونك تشعر بها داخلك، وتسمعها من الناس حولك. وأنا بدوري حلمت "مثـل كل الأطفال" بالسفر والطيران ورؤية الدول والبلدان كافة. كنت أغمض عينيّ وأتخيل قدرتي على الطيران حول الكرة الأرضية ثم العودة لسريري قبل أن تقوم والدتي من مكانها. وحين دخلت سن الشباب بدأت بالترحال بمجهودي الشخصي، وشجعني عملي "ككاتب محترف" على السفر والاطلاع والاحتكاك بالثـقافات المختلفة.

أول رحلة قمت بها في حياتي كانت في سن العاشرة حين أرسلني والدي إلى مصر لزيارة طبيب عيون مشهور.. أمـا ثـاني تجربة مهمة فكانت عيشي في أواخر الثمانينات في ولاية مينيسوتا لمدة عامين استغللتها في زيارة معظم الولايات الأميركية - بالإضافة إلى كـندا ومنطقة البحيرات العظمى.

واليوم؛ زرت خلال الثلاثين عاماً الماضية أكثر من 80 دولـة "كررت بعضها عدة مرات" وانتهيت من عجائب الدنيا القديمة والحديثة، والتقطت آلاف الصور "اخترت منها 300 فقط لكتاب حول العالم في 80 مقالاً".

غـير أن الأمــر لا يتعلق فقط بالأرقام القياسية؛ فهناك نوعية الرحلات ذاتها التي يجب أن تتضمن خبرات وتجارب غير مسبوقة وأحياناً غير مريحة.. لا يمكنك مثلاً زيارة فـيتنام دون أن تجرب حياة الفيتناميين.. ولا يمكنك ادعاء رؤية فرنسا وأنت لم تشاهد سوى صالة الفندق وشارع الشانزليزيه.. كما لا يمكنك رؤية إيطاليا الحقيقية قبل زيارة قرى سينك تيرا الجبلية والتجول في مدن التلال في توسكانا.

لا تخشَ مغادرة العاصمة والمناطق السياحية المعروفة.. لا تتردد في تجاهل الفنادق الفخمة واستئجار غرفة أسرية..

أما أهم نصيحة أقدمها لعشاق السفر فهي: لا تأخذ معك أصدقاءك "وربعك" واستبدلهم بأصدقاء من مواطني البلد أنفسهم يخبرونك بأسرار ومواقع لا يعـرفها غيرهم.

هل ستسألني كيف أعرفهم، أو أتعرف عليهم؟

يصعب إخبارك بكل التفاصيل، ولكن يمكن القول: إن غوغل "لمن يجيد استخدامه" مفـيد بهذا الشأن.

انتهى زمن الانتصارات العسكرية؟


الانتصار يأتي بأشكال كثيرة وصور مختلفة.. لا يعني فقط الفوز والقهر والغلبة، ولا يتطلب بالضرورة العنف والقـتال وخوض المعارك.. أصبح في عصرنا الحالي يأتي بمظهر الريادة العلمية، والتقنية الصناعية، والهيمنة الاقتصادية.. إن لم تدرك هذه الحقيقة (أو ببساطة لا ترغب بإدراكها) ستحقق هزائم مخزية تشبه هزائم داعش والقاعدة - بعد انتهاء الغرض من إنشائهما.. يجب أن تدرك هذه الحقيقة كي لا تكرر هزائمك القديمة.. فمظاهر الانتصار تـتغير بتغـير العصور وتطور الثقافات. لم يعـد الغزو العسكري والاحتلال الميداني هو المظهر الأبرز للانتصار كما كان في الماضي - وانتهى تماماً بعد الحرب العالمية الثانية حين وقف العالم بحزم أمام توسع اليابان وألمانيا.

أنا أول من يعترف بأننا (حين نقرأ التاريخ) لا يسعنا سوى الإعجاب بمعارك وفتوحات أجدادنا المسلمين.. حين تقرأ عن معارك القادسية واليرموك ومؤتة لا يسعك سوى احترامهم والتعجـب من انتصارهم على جيوش أعـظـم منهـم.. لا يسعك سوى الانبهار من اكتساحهم للروم والفرس ووصولهم خلال وقت قياسي إلى حدود فرنسا والصين.. ولكن؛ هل زمننا الحالي هو زمن غـزو واحتلال وفتوحات عسكرية؟ هل تسمح التكتلات السياسية المعاصرة بتمدد أي دولـة مارقـة؟ هل ما زالت الفتوحات العسكرية تـعـني نـشـر الديـن وتحقيق مصالح المحتلين (أم أنها على العكس تماماً، تصد عن الدين وتستنزف اقتصاد الدولة المحتلة)؟

من الخطأ استنساخ التاريخ ومحاولة تكرار انتصارات الماضي في عصرنا الحاضر.. لا أدعو للتخاذل والاستسلام، بــل على العكس، أحاول التنبية إلى ظهور نوع جديد من المعارك سلاحها العـلم والتصنيع والهيمنة الاقتصادية والمعرفية.. سيوف داعـش وتفجيرات القاعدة (وإسقاط عمارتين في نيويورك) دليل ضعـف وقلة حيلة ولا يسجلها التاريخ كانتصارات مشرفة. سرعان ما ترتد مضاعفة على أصحابها كونهم الجانب الأضعف علمياً وتقنياً واقتصادياً - وبدل عمارتين في نيويورك دمرت أمريكا بلدين إسلاميين (أفغانستان والعراق).

الأمة العربية والإسلامية تدفع اليوم ثمن تمسكها بأساليب الانتصار القديمة.. من يريد نشر فكره وثقافته فـليستبدل أسلحته القديمة ويدرك تغـير مفاهيم الغلبة والانتصار.. الأسلحة الجديدة هي الريادة العلمية والاقتصادية والإعلامية - والانتصار يعـني احتلال عقول الأمم الأخرى من خلال القوة الثقافية والفكرية الناعمة..

وحتى في هذه الحالة لن يهتم العالم بقوتك الناعمة ما لـم يرَ فيك نموذجاً يحـتذى..

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...