‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2016. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أرشيف مقالات 2016. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 مارس 2020

التاريخ يعيد نفسه.. أما المستقبل فيأتي بملامح جديدة


جميع الأمم تملك تاريخا أسودَ لم تتمنَ حدوثه.. غير أن هناك أمماً تعترف بوجوده، فتتعلم من أخطائه، وتتوقف عن تكراره، وأمماً أخرى ما زالت تنكر حدوثه، أو تحاول تجميله، فـتنتهي بتكرار مآسيه وأخطائه..

الأمم التي اعترفت بأخطاء الماضي، لم تكررها في الحاضر، وانطلقت نحو المستقبل دون قـيود وخداع للذات.. ألمانيا مثلا لم تحاول تجميل تاريخ هتلر، أو تبرير فظائع النازية، بل اعترفت بأنها وصمة عار في تاريخ الأمة الجرمانية.. وبهذا الاعتراف كسبت (ليس فقط احترام العالم) بل وسلامة عقول أطفالها، الذين تعلموا خطورة تكرار التجربة.. ونفس الحال ينطبق على اليابان، التي توسعت عسكريا لدرجة احتلت جنوب الصين، وشمال أستراليا، ودفنت سكان يانكين أحياء، ولم تكن تنوى التوقف لولا العملاق الأمريكي، الذي أنهى توسعها العسكري بقنبلتي هيروشيما ونجازاكي..

في يونيو2016 زرت هيروشيما، وعبرت عن استيائي من تدمير الأمريكان لهذه المدينة الجميلة.. لم يشاطرني مرافقي الياباني الرأي وقال: رغم كل الفظائع، حولتنا قنبلة هيروشيما إلى دولة متحضرة تعرف قيمة الانسان، وتدرك أهمية التقنية (ويقصد القنبلة الانشطارية التي قضت بطرفة عين على آلاف اليابانيين)..

واليوم ؛ لو راجعت تاريخ الأمم (التي اعترفت ببشاعة ماضيها) تكتشف أنها تفوقت بسرعة على غـيرها..

في العقود التي تلت هزيمة ألمانيا، تضاعفت نسب النمو فيها لدرجة تساءل رئيس وزراء إنجلترا في عقد السبعينات: "من الذي انهزم نحن أم الألمان؟"..

أما اليابان فتفرغت للبناء والتصنيع، وتضاعف اقتصادها بنسب فاقت الاقتصاد الأمريكي بسبعة أضعاف.. حتى الصين حققت خلال سنوات ماعجزت عن تحقيقه خلال عقود، بمجرد اعترافها بفشل الأيدلوجيا الماركسية.. أما تايوان وهونج كونج وكوريا الجنوبية، فرفضت (منذ البداية) كافة الأيدولوجيات، وركزت على اقتصاد التصنيع والمعرفة. وما أن حان عقد الثمانينات حتى أصبحت تايوان (التي كانت مجرد جزيرة للصيادين)، أكبر مُصدر للرقائق الإلكترونية، وتضاعف دخل المواطن في هونج كونج ثلاثين مرة، وأصبحت كوريا الجنوبية خلال جيل واحد من الدول الصناعية العظمى (بعد أن قال عنها القائد الأميركي مكارثر: ليس لهذا البلد مستقبل حتى بعد ألـف عام)..

القضية لا تتعلق بالتاريخ، بل بالاعتراف بأخطاء التاريخ، واتخاذ ما يلزم لعدم تكرارها.. الأمم التي لا تعترف بأخطائها، تظل تكررها حتى تتعلم الدرس متأخرا وبعد فوات الأوان. فالتاريخ يظل يعيد نفسه حتى تـفهم الشعوب أسباب تكراره -وحينها فقط- يـشرق مستقبلها بملامح جديدة.. تاريخ الأمم تجربة إنسانية (وليس تجربة مثالية) ومن الخداع كتابته بطريقة جميلة، أو أنيقة أو مشذبة..

ومايبدو لي أننا (العرب) سنكون آخر الأمم التي تعترف بأخطائها التاريخية.. آخر الأمم التي ستتخلص من تأثيره الأسطوري فـتولي وجهها نحو مستقبل واقعي.. أنظر لأخطاء الحاضر، ستلاحظ أنها نسخة مكررة من أخطاء الماضي، بدأت بموقعة الجمل ولم تنته بصراع الطوائف، وتدمير حلب..

ما نحتاجه هو كتابة تاريخنا بأمانة -وكما حدث فعلا- ثم دراسة الأخطاء والمآسي الواردة فيه.. يجب أن نعلمه لطلابنا (ليس كأسطورة يجب تصديقها)، بـل كتجربة إنسانية يمكن نقـدها، واستخلاص التجارب منها..

وحتى يحدث ذلك، أنصحك بإعادة قراءة التاريخ، والوقائع التي تعلمتها في المدرسة بنظرة ناقـدة، ومحايدة هذه المرة..

مزاجك بحسب هرموناتك


كلمات كثيرة تصبح مألوفة لدينا دون فهمها فعلا.. فأنت مثلا تسمع كلمة "هرمون" و"هرمونات" لدرجة تعتقد أنك تعرفها (في حين أنك لا تعرفها فعلا)..

مازلت أذكر زميلا بدينا أخبرني عن اكتشاف عقار يذيب دهون الجسم خلال أربعين يوماً.. لم أتحمس كثيرا للخبر، فأخذته العـزة بالشحم وأدعى أنه: هرمون معين يفكك دهون الجسم..

قلت: "هرمون معين"؟! .. هل تعرف أصلا ماهو الهرمون؟ .. ثم ماذا تقصد بكلمة "معين" !!

أنا شخصيا لم أكن متأكدا حينها من تعريف الهرمون، الأمر الذي دعاني للبحث عن معناه الدقيق..

وأبسط تعريف يمكنني تقديمه اليوم هو أن الهرمونات:

مركبات كيميائية تفرزها غدد متخصصة (كالبنكرياس الذي يفرز هرمون الأنسولين، والخصية التي تفرز هرمون التستيرون) بهدف أداء مهام أساسية (مثل حرق السكريات، أو دخول الطفل مرحلة البلوغ) وتعـد بمثابة (رسائل كيميائية محفزة) يتسبب نقصها، أو عدم افرازها بالمرض، أو العجز، أو التخلف (كأن نصاب بالسكر، أو العقم، أو نتوقف عن النمو).

وبعض الهرمونات لا تفرز إلا في ظروف خاصة، أو فترات طارئة من حياة الانسان.. فـهرمون الأدرينالين مثلا يفرز في الغدة الكظرية عند تعرضنا للمخاطر، بهدف جعلنا أكثر تنبها واستعدادا (وتشعر بتأثيره بعد انتهائك من أي مغامرة، أو لعبة خطيرة).. وهرمون الحمل يمنح الأم القدرة على التحمل، ويمنع جهاز المناعة من طرد البويضة المخصبة (رغم تضمنها جسما غريبا).. وهرمون اللبتين يخفض شهيتنا للطعام أثناء المرض، كي يحرم الميكروبات من الغذاء (وقرأت قبل أعوام عن محاولات تصنيعه كحبوب تخسيس)...

... وكثير من الهرمونات المعروفة تملك تأثيرا (مزدوجا) على أجسادنا، وأمزجتنا، ومشاعرنا.. فهرمون التستيرون (لدى الرجال) لا يحفز فقط على البلوغ، وبناء العضلات، بـل ويرفع مستوى الرغبة، ويزيد الثقة بالنفس.. ويقابله لدى النساء هرمون الاستروجين الذي لا يحفز فقط على البلوغ، وبروز الصدر، بـل ويتسبب انخفاضه بالعصبية، وضيق الخلق (أثناء الدورة الشهرية خصوصا).. وبعكس الأدرينالين والايبنفرين (اللذين يرفعان الضغط وضربات القلب)، يمنحنا هرمون السيروتونين شعورا بالطمأنينة، والاسترخاء (ويفرز غالبا حين تفعل شيئا تحبه بعيدا عن أعين الناس)...

... والحقيقة هي أن تقلب بعض الهرمونات، يقابله تقلب واضح في حالتنا النفسية والمزاجية.. فهرمون الكورتيسول مثلا مرتبط بمستوى الاجهاد، والأوكسيتوكن بالنشوة الجنسية، والآستيل باليقظة والتنبه، والدوبامين بمستوى النشاط، والجابا بالشعور بالراحة، والنوربينيفراين بالأرق وتقليل ساعات النوم.. أما الإندروفين فيخفف الألم، ويبعث على السعادة، ويفرز غالبا بعد ممارسة التمارين، أو المشي لمسافة طويلة (وكتبت عنه مقالا بعنوان: كيف تنتج أندروفينك الخاص)...

... وعلاقات كهذه تحث شركات الأدوية على انتاج عقاقير تعتمد على تحفيز أو تثبط الهرمونات المسؤولة.. تخيل مثلاً ظهور عقار للحمية يعتمد على هرمون الليبتين المثبط للشهية.. أو تخفيض ساعات نوم الطيارين والعاملين ليلا باستعمال هرمون النوربينيفراين.. أو تحفيز الرغبة لدى الشيوخ، ورفع نسبة عضلاتهم من خلال هرمون التستيرون (الذي يستعمل فعلا في رياضة كمال الأجسام)!!

... وهذه كلها مجرد نماذج لآلاف الهرمونات، (أو الرسائل الكيميائية المحفزة) التي مايزال بعضها مجهولا، أو غير مؤكد ... المهم .. لا تقول "هرمون معين"..

«اقتل نفسك وانقذ كوكب الأرض»


قرأت قبل سنوات كتابا يدعى (العالم بـدوننا)، يعتمد على فرضية الاختفاء المفاجئ للجنس البشري، وما سيحدث لكوكب الأرض بعد انقراضنا.. وهو ليس متشائما كبقية الكتب والتقارير، التي تتحدث عن استنزاف الكوكب، وقرب انهيار أنظمته البيئية؛ فهو يؤكد على قدرة الأرض على شفاء نفسها، والعودة لسابق عهدها، بشرط واحد فقط .. اختفاء الجنس البشري قبل وصولها لنقطة اللاعودة!

والحقيقة هي أن (الوعي البيئي) ارتفع في المجتمعات الغربية لدرجة تحوله إلى أيدلوجيا وأحزاب سياسية.. تحول إلى تيارات ضغط، لا تطالب فقط بالتخفيف من التلوث، واستنزاف الموارد، بـل والضغط على الشعوب النامية (ومنعها من السير على خطى الغرب خلال آخر قرنين)..

فـحتى بداية القرن التاسع عشر، كانت أوروبا مليئة بالغابات، والمستنقعات، والحيوانات البرية المتنوعة.. غير أن ظهور الثورة الصناعية تسبب في اختفاء 98% من غابات أوربا الغربية، و92% من مخلوقاتها البرية.. لا تغـرك اليوم تلال سويسرا، ومروج هولندا، وحدائق النمسا؛ فهذه جميعها كانت في الماضي غابات برية تتراكض فيها الحيوانات، ويتوه فيها البشر.. لم تسلم من قطع الأخشاب سوى غابات سيبيريا في روسيا (التي تقع على أي حال في آسيا)!!

ولأن الشعوب لا تستيقظ مبكرا من سباتها، ظهرت متأخرا أحزاب خضر ،ومنظمات بيئية تحـرك الحكومات الغربية والسياسات العالمية.. ليس أدل على ذلك من مؤتمرات المناخ العالمية، وتركز أحزاب الخضر في الدول الصناعية، ونزاعها الدائم مع شركات النفط والطاقة والصيد العابرة للقارات..

وأحزاب الخضر قد تكون يمينية، أو يسارية، ولكنها تضع البيئة والحفاظ عليها في مقدمة اهتماماتها.. تعارض قطع الأشجار، وإحراق الفحم وتلويث البيئة، وتشجع في المقابل غرس الأشجار، والتخفيف من استهلاك النفط، والاحتباس الحراري، والانتقال لمصادر الطاقة المتجددة كالرياح، والشمس والهيدروجين.. واليوم يبلغ عدد الأحزاب الخضراء في العالم أكثر من 800 حزب، ظهر بعضها في مصر والعراق وتونس بعد ثورات الربيع العربي...

... ومثل أي دعـوة فكرية، تحولت بعض التيارات البيئية إلى أيدولوجيات متطرفة وعنيفة.. خذ كمثال كنيسة القتل الرحيم Church of Euthanasia التي ظهرت في أميركا في نهاية الثمانينات، ولها اليوم فروع في كندا وفرنسا ولاتفيا.. أسسها قس مهووس بالبيئة يدعى كريس كودا شعاره "اقـتل نفسك وانقذ كوكب الأرض" وينادي بأربعة تعاليم رئيسية هي: الانتحار، والإجهاض، وتشريع أكل لحوم البشر، وتشجيع زواج المثليين .. وجميعها تصب في هدف نهائي هـو: منع الإنجاب وتقليل عدد البشر!!

... نعـود لموضوعنا الأساسي ونشير إلى أن البشر (حتى وإن لم ينتحروا طواعية) سيفاجأون بعد قرنين من الزمان، بانتحار كوكب الأرض، طالما استمرت معدلات التلوث والاحتباس الحراري بنفس معدلها الحالي...

الجمعة، 13 مارس 2020

جبل الصعـاليك


كانت القبيلة (في الجاهلية) هي الهوية والنسب وموضع الفخـر.. كانت القبائل تغير على بعضها البعض، ولكن (بـيـن أبناء القبيلة الواحدة) كان هناك شبه اتفاق على عدم النهب والسلب الاعتداء.. ولهذا السبب كانت العرب تمجد فرسانها ومحاربيها، ولكنها تطرد المسيئين إليها، والمارقين من أبنائها. وهكذا ظهر ما يعرف بصعاليك العرب الذين نفتهم قبائلهم لهـذا السبب ــ أو هربوا بأنفسهم بسبب أعمال سرقة، أو قـتل ارتكبوها...

وبمرور الزمن تضاعفوا، وتوالدوا، وتحولوا إلى مايشبة القبائل الصغيرة، تمتهن قطع الطرق، ولا تعترف بالأشهر الحرم.. وكان من بين هذه القبائل (المتصعلكة) العرنيون الذين سرقوا إبل الصدقة، فأمر النبي بصلبهم، وتقطيع أيديهم، وقبيلة الصحابي أبي ذر الغفاري الذي أسلم وأقنع قبيلته بأكملها بدخول الإسلام والهجرة معه إلى المدينة...

وكان في تهامة بالذات جبل مشهور يعرف بجبل الصعاليك .. كان بمثابة ملاذ آمن يلجأ إليه كل هارب، ومطرود يأمل بمساندة الصعاليك أمثاله. ورغم أن معظمهم أمتهن السرقة وقطع الطرق، ظهر بينهم فرسان، وشعراء، وأجواد يسرقون من الأغنياء لصالح الفقراء ــ خصوصا أن مشكلة بعضهم، كانت أنهم أبناء جواري سود، رفض آباؤهم الاعتراف بهم (مثل السليك والشنفرى وتأبط شرا)...

وهذا الأخير كان معروفا عنه الكرم، لدرجة أنه يمنح غنيمته لغيره، فيبقى أياما بلا طعام.. ونقل المؤرخون عن عبدالملك بن مروان أنه قال: من زعم أن حاتماً أكرم الناس فقد ظلم عروة بن الورد (زعيم جبل الصعاليك)...

ومن المفارقات العجيبة، أن الصعاليك لعبوا دورا كبيرا في أدبنا العربي وتاريخنا الإسلامي...

فمن جهة الأدب ظهر منهم شعراء كبار مثل البراض، وابن الورد، وعبيد العنبري، والأحيمر الأسدي.. كما دخل معظمهم الإسلام، وساند الدعوة قبل وبعد الهجرة النبوية، ــ مثل أبو ذر الغفاري خامس من أسلم، وأبو خراش الهذلي الذي توفي في خلافه عمر.. وحين هاجر الرسول الكريم إلى المدينة، بعث خطابا إلى صعاليك تهامة، يدعوهم فيه للإسلام، والهجرة إليه فاستجاب كثير منهم لدعوته ..

يقول ابن سعد في كتاب الطبقات الكبرى (الجزء الأول):

كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لجماعة في جبل تهامة من كنانة، ومُزينة، والقارة (أي الأفارقة) كانوا قد غصبوا المارة وانتهبوا أموالهم.. فلما وفدَ منهم وفدٌ كتب لهم "بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله، لعباد الله العتقاء أنهم إن آمنوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإن عبدهم حرّ، ومولاهم محمد، ومن كان منهم من قبيلة لم يردّ إليها، وما كان عليهم من دم أو مال، فهو لهم، وما كان لهم من دين للناس رُدّ إليهم، وإن لهم على ذلك ذمة الله وذمة محمد والسلام عليكم"...

وبـمنحهم الأمان (وفرصة الهجرة ودخول الإسلام) انتهت ظاهرة الصعلكة في جزيرة العرب، وعاد كثير منهم للحياة الطبيعية ــ خصوصا العـبيد والأحباش ومجهولي النسب الذين نالوا لأول مرة حقهم في العدل والمساواة في مجتمع المدينة...

قائمتك في العام الجديد


نقرأ نصائح كثيرة في تطوير الذات ولكننا نعجز عن تنفيذ معظمها.. ولكن؛ لو سمحت ظروفك (وأحيانا مزاجك الشخصي) بتطبيق واحدة أو اثنتين منها ستكون أفضل من غيرك بكثير..

اختر ما يناسبك من القائمة التالية وانظر إليها كقائمة خاصة بالعام الجديد 2017.. أنا أول من يعترف بأنك لن تتقيد بأغلب ما جاء فيها، ولكن لو عثرت على ضالتك (في واحدة أو اثنتين منها) ستغدو بلا شك متفوقا على من سيكررون أخطاء الأعوام السابقة..

يمكن لحياتك أن تتحسن بوجة عام في حال نجحت في:

1- وضع هدف رئيسي لكل سنة جديدة (كتعلم لغة أجنبية أو الإقلاع بالتدريج عن التدخين)..

2- قراءة كتاب مفيد كل أسبوع.. أو كل شهر.. أو حتى كل سنة..

3- ولأننا لا نتعلم شيئا جديدا (حين نقرأ ما يناسبنا فقط) اختر كتابا أو مؤلفا تختلف معه..

4- كما أن تعلم لغة جديدة يفتح لك آفاقا جديدة وأرشيفا معرفيا وثقافيا مختلفا..

5- وتبني موهبة جديدة لا ينمي مهاراتك فقط، بل ويجدد حياتك واكتشافك لنفسك..

6- ولأن جميعنا نخاف من أشياء حقيقية ووهمية؛ اكسر أكبر مخاوفك هذا العام..

7- ولأن جميعنا يرتاح للبيئة التي يعرفها، فكر بتجربة بيئة عمل جديدة وأصدقاء مختلفين..

8- ولأن جميعنا موهوب في شيء ما، فكر في أفضل مواهبك وحولها إلى عمل تجاري..

9- وماذا عن صحتك؟ هل حان الوقت لتمشي أكثر وتأخذ حبة أسبرين في اليوم؟

10- وما هو أكثر شيء ينتقدك الناس بخصوصه؟.. اختره ثم اتخذ عهدا بالتخلص منه في2017..

11- ولأن الوقت هو أثمن ما يملكه الإنسان؛ تأمل أين يضيع وقتك وتتسرب الدقائق من حياتك..

12- سأعطيك لمحة سريعة: في الواتس.. مع الشلة.. أمام التلفزيون.. النوم في وقت متأخر..

13- وهذا يذكرنا بالمناسبة بضرورة هجر أصدقائك الفاشلين.. لأن الفشل بحد ذاته "معدٍ"..

14- أما الناجحون منهم، فحاول تقليدهم والتعلم منهم.. بل وصارحهم برغبتك في مشاركتهم..

15- ويتبقى بعد ذلك أصدقاء ومحبون لم ترهم منذ سنين.. خصص يوما في الأسبوع لزيارتهم..

16- ولاحظ؛ معظم الرغبات السابقة يمكن تحقيقها من خلال أخذ دورة أو كورس فيها..

17- ولأن الكلام (يظل كلاما) حتى يتم تطبيقه.. لتكن 2017 سنة "الأكشن" والتنفيذ..

.. وكما أخبرتك في بداية المقال.. حتى لو فشلت في تطبيق معظم هذه النصائح، تظل أفضل ممن لم يحاول تجربتها أصلا..

حتى لو اكتفيت بتنفيذ واحدة أو اثنتين فقط ستتقدم على معظم الناس حولك، ناهيك عن أقرب مغرور يعتقد أنه بلغ حد الكمال..

وكل عام والنجاح حليفك..

جغرافية النكتة


ليس لدي أدنى شك بأن للنكتة ملامح جغرافية يمكن تمييزها حتى داخل البلدان نفسها..

هل لاحظت مثلا أنه يوجد دائما حالة غمز بين أهل الشمال والجنوب لدى جميع الشعوب؟!

حتى في الدول المتقدمة مثل أميركا وإيطاليا وروسيا وفرنسا تلاحظ وجود نظرة فوقية من أهل الشمال تجاه أهل الجنوب..

تلاحظ أن أهل الشمال "ينكتون" دائما على أهل الجنوب؛ وأن أهل الجنوب يحورون النكتة نحو الأكثر جنوبية منهم (إن صح التعبير)!!

وبنظرة عالمية غير متحيزة تلاحظ فعلا أن "الشمال" غالبا اكثر تطورا وثراء من "الجنوب" في معظم الدول.. الشمال غالبا ثري متقدم؛ والجنوب زراعي أو فقير.. حتى الأمم المتحدة حين أرادت تقريب وجهات النظر بين الطرفين عقدت مؤتمرا عالميا شعاره "حوار بين الشمال والجنوب"!!

برأيي المتواضع أن الانسان بطبعه ميال للتقسيم والتصنيف وخلق التباين مع الآخرين؛ فالجماعة الصغيرة -حتى في إطار الشعب الواحد- تتبنى الحد الأدنى من الفوارق لمجرد تمييز نفسها وخلق هويتها الخاصة. وكلما كثرت عناصر التميز وصغرت دائرة الاصطفاء كلما شعر "الرَبع" و"الطائفة" بالألفة والانسجام وزاد لديهم الشعور بالاستعلاء، وحينها فقط يستطيعون التنكيت على "الآخرين" ورميهم بالصفات السيئة الموجودة فيهم (تماما مثلما نحيك القصص عن جبن اليهود وخبثته في حين تثبت حروبهم معنا وفوزهم بجوائز نوبل غير ذلك)..

.. أما السبب الثاني فهو ببساطة وجود أساس حقيقي للتفريق بين الطرفين؛ فحدة التباين بين الشمال والجنوب وصلت فعليا درجة نشوب حرب أهلية فى كوريا واليمن وأميركا والسودان والقارة الهندية.. أما فى أوروبا -حيث جميع الدول المتقدمة في الشمال- ينظر لليونان وصربيا ومقدونا ومالطا كدول متأخرة عن ركب الحضارة والتقدم.. حتى إيطاليا التي تقع بطبيعتها في جنوب أوروبا لديها شمال ينظر لنفسه على أنه الجزء الصناعي المتحضر من أوروبا، وجنوب يعتبر معقل الصيادين وعصابات المافيا والمهاجرين من أفريقيا..

وحين تجمع بين ذهنية التقسيم وطبيعة الجغرافيا تصبح الاتجاهات ذاتها (شمال وجنوب، شرق وغرب) هي الأقرب ذهنيا للفصل بين الفئتين؛ فالاتجاه الجغرافي يؤثر بلا وعي على تقسيم الناس لأنفسهم؛ فالشمال هو (الأعلى) والأرفع والجنوب هو (الأدنى).. وفي المقابل يكاد ينعدم التقسيم إلى (شرق وغرب) لأنه يعطي إيحاء بوجود فئتين (متساويتين)، وبالتالي يصعب تبنى إحداهما للغمز بدونية الآخر!!

.. العجيب أن ثقافة اللمز بين الشمال والجنوب، يحُث سكان "الجنوب" على الهجرة إلى "الشمال" حتى داخل الدول نفسها.. وهذا لوحده يؤكد أن الجغرافيا لا تؤثر فقط على التاريخ (كما شرحت في أحد مقالاتي)، بل أيضا على علاقات الشعوب ونظرتهم لبعضهم البعض..

ثقافة الإنكار


حين وقع تفجير أوكلاهوما (الذي دمر المبنى الفيدرالي وقتل 168 شخصا من بينهم 42 طفلا) ظهرت شكوك بوقوف المسلمين خـلفه.. أجَّـجت وسائل الاعلام هذا الاحتمال، ورجَّحه رجال المباحث، وبدأ المسلمون يتعرضون لمضايقات، وأعمال انتقام .. استمر الحال لأكثر من عام حتى أثبتت التحقيقات أن المسؤول عن الحادث مواطن أميركي مسيحي أبيض يدعى تيموثي ماكفاي تطوع في جيش بلاده أثناء غزو العراق..

في تلك الأثناء شاهدت بالصدفة لقاءً متلفزا مع حاكم ولاية أوكلاهوما على محطة الــCNN .. سأله المذيع:

ــ لماذا سارع الجميع لتحميل المسلمين مسؤولية هذه الهجمات؟

كان يمكنه أن يرد قائلا:

بسبب تجاربنا السابقة معهم .. أو بسبب وجود ثقافة متشددة بينهم .. أو بسبب عدم استنكارهم للتفجيرات بعد وقوعها..

ولكن الرجل قال بكل هدوء:

"أنا نفسي كنت أعتقد هـذا، ولكن التحقيقات النزيهة أثبتت أنني كنت مخطئاً مثل معظم الأميركان، وبصفتي حاكما للولاية أقـدم اعتذاري العلني للمسلمين، وأعـدهم بعدم تكرار الظلم الذي وقع عليهم..."

والآن ؛

حاول معي تحليل شخصية الرجل من خلال إجابته:

ستلاحظ أنه كان يمتلك شجاعة أدبية حين قال: "أنا نفسي كنت أعتقد هذا"...

ثم اعترف بخطئه وخطأ مواطنيه حين قال: "كنت مخطئا مثل معظم الأميركان"...

ثم اعـتذر عـلنا، وبدون أي محاولة للتبرير: "وأقـدم لهم في هذه المقابلة اعتذاري العلني"...

ثم ألزم نفسه عهدا يصعب تنفيذه : "وأعـدهم بعدم تكرار الظلم الذي وقع عليهم"...

.. وأغلب الظن أنك شعرت مثلي (حينها) بأنه شخص نزية ومحترم .. يتملكك هذا الشعور ليس لأنك تعرفه، أو يمت لك بصلة قرابه، بـل لأن طبيعتنا الإنسانية تحترم مبادئ الصدق، والنزاهة ذاتها.. نرتاح لإجابة كهذه (رغم خوضه مع الخائضين) لأنه لم يحاول الكذب، أو التهرب، أو الاستشهاد بحوادث سابقة.. لم يتطلب منه الأمر أكثر من 15 ثانية (و 29 كلمة) لإنهاء المشكلة، واسترضاء المسلمين، وسحب البساط من تحت قدمي المذيع ... وهذا بالمناسبة ذكاء إعلامي، لا يمكن مقارنته بثقافة الانكار الشائعة لدينا ...

علقت إجابته في رأسي، لأنها (أنموذج) لما يفترض أن تكون عليه أجوبة المسؤولين أمام المواطنين.. فالمسؤول لا يمكنه الكذب لوقت طويل، ثم يتوقع من الناس تصديقه.. لا يمكنه أن يداري أخطاءه، ثم يطالبهم بتفهم مبرراته.. لا يمكن لأي حجج ذكية أن تشفع له مثل اعتراف سريع وعلني...

لا تحتاج لأن تكون وزيرا، أو مسؤولا لتدرك هذه المعادلة بنفسك.. لا تحتاج لأن تكون حاكم ولاية كي تدرك بأن "الاعتذار المثالي" يبدأ بالاعتراف بالخطأ، ثم الاعتذار عنه عـلنا، ثم تقديم وعـد بعـدم تكراره مستقبلا.. في حال فعلت ذلك بسرعة (وبشكل مباشر وصريح) ستحظى بتقدير الناس، ويعتبرك الجميع نزيها ومحترما رغـم كل الأخطاء التي ارتكبتها بحقهم..

ولكن؛

قبل أن نعترف بأخطائنا الفردية، يجب أن نعترف بأن ثقافة الاعتراف غائبة عن مجتمعنا بأكمله.. يجب أن نعترف أولا بأن الإنكار والتملص واختراع المبررات، مازالت سائدة بين الجميع .. يمارسها الكبير والصغير، الظالم والمظلوم، المسؤول والمواطن لأن كل ذلك يعـد (في سلوم العرب) من علامات الدهاء والفطنة والغالب بين الناس..

أحافير تحاصر الأساطير


حين تموت الكائنات الحية تتحلل بسرعة إلى خامات أولية تذوب في مكونات الأرض. لا يبقى منها غير عظام، وشعر يصعب على الأرض استيعابهما بسرعة.. لهذا السبب مازلنا نكتشف عظاما، وقطع شعر لأشخاص ماتوا منذ قـرون (بل وقد يتعرض الجسد لعملية تحنيط طبيعية فيتم الاحتفاظ بكل شيء)..

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة "التحجر" التي يتم فيها استبدال المادة العضوية بالسيلكا بنفس تفاصيل وهيئة المخلوقات القديمة.. وحين يحدث ذلك يصبح لدينا مايمكن تسميته بــ(الأحفورة المتحجرة) التي يتطلب تشكلها ملايين السنين. والأحافير المتحجرة هي وسيلتنا الوحيدة والأكيدة لمعرفة الكائنات التي عاشت في الماضي السحيق.. ويمكن تحديد عمرها بطرق كثيرة، أبرزها قياس نسبة الاشعاع الكربوني، وتحديد عمر الطبقة الأرضية التي اكتشفت فيها الأحفورة ذاتها...

وفي حين تحتفظ بعض الأحافير بهيكلها الأصلي، يُسحق بعضها تحت ضغط الأرض، ودرجة الحرارة فيتحول إلى فحم حجري (للنباتات والأشجار)، أو نفـط خام (للكائنات التي ترسب في قاع البحر)...

وتعد بقايا الديناصورات من أهم، وأقدم الأحافير التي يمكننا اكتشافها. وهي موجودة في كل مكان (حتى في الجزيرة العربية) بفضل تنوعها، وانتشارها، وعيشها فوق الأرض طوال 300 مليون عام..

والحقيقة هي أن الشعوب القديمة عرفت عظام الديناصورات، ولكن فكرتهم حولها لم تكن واضحة. فالصينيون مثلا اعتقدوا أن عظام الديناصورات تعود لتنانين قديمة فقاموا بتوثيقها وتصنيفها على هذا الأساس.. أما في أوروبا فكان الناس خلال القرون الوسطى يعتقدون أن العظام المتحجرة بقايا مخلوقات عملاقة نفقت أثناء طوفان نوح.

وأول دراسة سارت في الاتجاه الصحيح حدثت في إنجلترا في القرن الثامن عشر.. ففي عام 1776 عُثر في أحد المقالع على عظمة بالغة الضخامة تم ارسالها إلى روبرت بلوت أستاذ الكيمياء في جامعة أكسفورد.. عرفها بأنها عظمة فخذ لكائن عملاق منقرض، وخمن هيكلها (الكامل) بطريقة فاجئت الوسط العلمي..

وفي سنة 1842ابتكر عالم الأحياء الإنجليزي السير ريتشارد أوين التسمية التي نعرفها اليوم (ديناصور) والمركبة من كلمتين صبت لصالح علم الأحافير.. دامت ثلاثين عاما، وعرفت باسم حرب العظام، ووصلت حد شراء الأراضي، ورشوة عمال النفط والمناجم لحيازة أكبر عدد ممكن منها!!

... كل هذه الوقائع تؤكد أهمية الأحافير المتحجرة، باعتبارها دليلا قاطعا على مظاهر الحياة القديمة ــ بما في ذلك الديناصورات التي سبقت ظهور الانسان بستين مليون عام على الأقل.. وفي كل مرة نكتشف فيها أحفورة متحجرة، تتراجع الأساطير القديمة حول مسيرة الحياة فوق كوكب الأرض.. واليوم لم يعد ينكر وجود الديناصورات والأحافير المتحجرة سوى مراجع يهودية متشددة تدعي أن الله خلق الأرض قبل موسى عليه السلام بخمسة آلاف عام .. فقط ..

ماذا تعلمت من تويتر


تويتر (مثل معظم وسائل التواصل الاجتماعي) غيّرتنا، وغيرت طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض.. أخرجتنا عن تحفظنا، وأثبتت كم نحن منفلتون بطبيعتنا.. أثبتت أننا نلبس عددا كبيرا من الأقنعة ونتخفى خلف قدر كبير من المجاملات المزيفة.. خلقت مشاهير كغثاء السيل (لا يملكون فكراً ولا هدفاً ولا رسالة) وطمست مفكرين وعقلاء فشلوا في تقديم الفكرة، والهدف، والرسالة.. منحت الجميع فرصة الظهور والشهرة ــ والأسوأ من ذلك ــ فرصة التشوية والتحريض والإساءة.. يكفي لتشويه سمعة أي إنسان أن تقول عنه هذه الأيام (أي شيء) وتؤيده (بأي شيء) ليتهمه الجميع (بـكل شيء).. أصبح بإمكانك تحقيق الشهرة من خلال ادعاء رؤيـا، أو كشف فضيحة، أو تقديم فتوى، أو اللعب على وتر حساس يؤيده جميع الناس!!

... ولكن؛

كما أن لمواقع التواصل الاجتماعي مساوئ لا يمكن سترها، لهـا محاسن لا يمكن إنكارها.. فقد تحولت مثلا لبرلمان اجتماعي يعبر فعلياً عن مشاغل الناس، واهتماماتهم.. أصبحت على سطحيتها (وعدم مثاليتها) مصدراً ثقافياً لمن نسي شكل الكتاب، ومجلدات المعرفة.. أنشأت دون قصد سوق خردوات ثقافية، يعثر فيها أي شخص على ضالته الفكرية.. بـلورت دون قصد قوالب ويكي Wiki بحيث يساهم الجميع في الحذف، والإضافة، والتعديل، فـتتلمس من بين كل هذا الآراء والمعلومات الأقرب للصحة!

... حتى على المستوى الشخصي تكتشف أن وسائل التواصل الاجتماعي غيَّرتك وعلمتك الكثير عن نفسك، وأفراد مجتمعك..


فـأنا مثلا تعلمت منها صعوبة اقناع الإنسان كـفـرد، ولكن سهولة انقياد الناس كمجموعات (الأمر الذي يفسر سهولة انتشار الشائعات والأكاذيب بينهم)...


تعلمت منها أن الحديث من وراء حجاب (حـين لا نظهر أمام الناس مباشرة) يكشفنا على حقيقتنا والجوانب القاسية فـينا...


تعلمت أن توثيق المعلومة، وتحكيم العقل، ليستا شرطاً لانتشار الخبر أو شعبية المعلومة.. يكفي أن تكون غريبة، أو طريفة، أو مبالغاً فيها، كي تنطلق بقوتها الذاتية، وتنتشر دون رقـابة رسمية..


تعلمت أن البعض يتعمد صياغة الأكاذيب، وفبركة المعجزات، بنية الشهرة (أو حتى الوعظ والإرشاد) دون التفكير بأنه أسلوب مفضوح، سيرتد عليه عاجلا أم آجلا...


تعلمت أن الشهرة يمكن أن تتحول إلى إدمان، وأن حب الظهور يأتي على حساب الخصوصية، وأن بعض من وضعناهم في القمة أدمنوا الشهرة وحب الظهور...


تعلمت ميل الناس للاتباع والنسج على أول منوال.. فـمن يعلقون على مشاركاتك مثلاً، ينسجون غالبا على كلام (أول شخص) علق سواء بالسلب، أو الإيجاب...


تعلمت أيضا أن النقاش باب يسهل فتحه، ولكن يصعب إغلاقه.. فـحتى في الحالات القليلة التي أناقش (أو أرد فيها على أحد) لا أسلم من سؤال رديف، أو نقاش ثانوي لا يتعلق بالموضوع...


تعلمت أن الشعبية، والانتشار، لا تتحقق من خلال المشاركات الجادة، أو المواضيع الهادفة، (بدليل شعبية المهايطين والمتابعات المليونية للحسابات السطحية)...


تعلمت أن هناك من يبيح لنفسه السياحة في الانترنت بنية الاحتساب (وبهذه الحجة يقنع نفسه بجواز رؤيته، ومتابعته، لما لا يجوز للآخرين رؤيته ومتابعته)!!


تعلمت أن ساحات الاختلاط الأكبر (ليست في الأسواق، والشوارع، كما يظن رجال الهيئة) بل داخـل البيوت، وغرف النوم، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي...

وأخيرا؛
تعلمت أن مواقع التواصل الاجتماعي بريئة من كل السلبيات السابقة..

هي فـقـط كشفتنا على حقيقتنا، ونزعت الأقـنعة التي نلبسها أمام بعضنا...

رحلة المغرورين


لقصة التي سأخبركم عنها اليوم تحدث عنها المؤرخ الأندلسي أبو حامد الغرناطي والمستشرق الروسي كراتشكوفسكي، واستعرضتها أنا بسرعة في مقال نشر عام 2005 بعنوان "أول مسلم اكتشف أميركا لم يأت من الصين".

ففي الوقت الذي كانت فيه شبه جزيرة أيبيريا ملكا للعرب عاشت في البرتغال عائلة عربية كبيرة عرفت بالثراء وحب أفرادها للمغامرات وركوب البحر.. ويبدو أن ترفع هذه العائلة وعلو منزلتها جعل الناس يصفونها بعائلة "المغرورين"، ولهم حتى اليوم حي يدعى درب المغرورين في لشبونة.

وحدث أن قرر ثمانية شبان من أفراد هذه العائلة -وكلهم أبناء عمومة- أن يركبوا بحر الظلمات (أو المحيط الأطلسي حاليا) ليتأكدوا من السمعة السيئة التي يتناقلها الناس عنه، ففي ذلك الوقت كان الناس يعتقدون أنه لا يوجد باتجاه الغرب غير نهاية الأرض، حيث الظلام الدامس والوحوش الهائلة وبحار الزفت الكريهة.

ورغم هذه المزاعم قرروا خوض المغامرة فأخفوا خطتهم عن أهاليهم وبنوا بالسر مركبا شديد الاحتمال وتزودوا بمؤونة تكفيهم لعدة أسابيع.. وفي ليلة لم يلاحظهم فيها أحد انطلقوا نحو المجهول.. نحو الهنود الحمر ونهاية العالم واحتمال السقوط من حافة الأرض!!

وبعد أن قضوا في البحر أسابيع طويلة أنهكهم التعب وبدأ ينفد منهم الزاد، وحين أخذ اللوم والشجار يدب بينهم رأوا جزيرة صخرية يمموا نحوها واستقروا فيها (اعتقد شخصيا أنها جزر الأزر)..

غير أنهم سرعان ما لا حظوا أنها خالية من السكان فغادروها إلى جزيرة قريبة فيها الكثير من الأغنام الشاردة (والاحتمال الأقرب أن تكون برمودا).. وبعد أن ذبحوا الأولى.. ذبحوا الثانية فالثالثة فالرابعة ولكن جميعها كان لها طعم مر لا يستساغ!!

وبعد يومين استقلوا مركبهم مرة أخرى واتجهوا جنوبا لاثني عشر يوما فوجدوا جزيرة كبيرة فيها سكان وعمران وزرع (والاحتمال الأقرب أن تكون كوبا أو الدومينكان).. وما إن نزلوا حتى أحاط بهم رجال شبة عراه أخذوهم أسرى.. وفي السجن قضوا أياما طويلة لم يتناولوا خلالها سوى الماء لم يقابلهم فيها أحد حتى دب الشجار بينهم وبدأوا يتلاومون من جديد.. وفي اليوم التاسع دخل عليهم من يتحدث العربية وأخبرهم أنه بحار مغربي تاه قبل سنين وأنه رسول الملك إليهم.. وبعد أن علم بخبرهم ضحك من قصتهم ووعدهم خيرا.. وما هي إلا أيام حتى استدعوا لمقابلة الملك الذي راقه ذكاؤهم وحبهم للمغامرة فترك لهم حرية التنقل ووعدهم بإعادتهم لبلادهم عند هبوب الرياح الشرقية (أو ربما تيار الخليج الدافئ الذي يتجه شرقا وتستغله السفن التجارية حتى اليوم للوصول بسرعة).. وبعد عدة أيام أنزلوا إلى البحر بمركبهم وقد عصبت أعينهم وربطت أيديهم.. وبعكس رحلتهم السابقة لم يقضوا في البحر إلا أياما قليلة حتى وصلوا لجزر الكناري ومنها للمغرب ثم برا إلى البرتغال..

هذه الرحلة العجيبة حدد مسارها بدقة المؤرخ كراتشكوفسكي في القرن التاسع عشر وأيدها تقرير مطول صدر من جامعة ستراند البرازيلية في عقد الخمسينيات.. وقد استنتج الأمير مصطفى الشهابي أن المغرورين اكتشفوا جزر الكاريبي شرق أميركا ثم عادوا إلى المغرب حيث قيل لهم إنهم مايزالون على بعد شهرين من البرتغال فصاح أكبرهم "يا أسفي" فسمي ذلك المكان "أسفي" وهو حاليا ميناء مهم في المغرب!

.. والآن.. من يخبر كولومبس بواحدة من أجمل مغامراتنا العربية!!

كم يدوم الحاضر؟


الماضي وقع وانتهى وأصبحنا متأكدين من حدوثه.. أما المستقبل فلم يحضر بعد ومازلنا نملك القدرة على تشكيله.. ولكن ماذا عن الحاضر؟.. كم يدوم ومتى يبدأ وينتهي بالضبط؟

الأجوبة تتراوح بين (الآن) وحتى انتهاء الحدث المقصود (كمباراة في كرة القدم).. يعتمد على موقعك من الحدث بدليل أنك تقرأ هذا المقال الآن في حين أنني كتبته قبل ثلاثة أيام.

حين تقول لصديقك: لا تحاول إقناعي بأمانة هذا الرجل، يبدأ لسانك بنطق الجملة (بعد) انتهاء دماغك من بنائها.. وحين تسمعها من غيرك (في الحاضر) يغيب عنك أن الموقف تشكل لدى قائلها في الماضي (عن أمانة ذلك الرجل)..

ورغم ثراء لغتنا العربية مازالت صيغ الأزمنة فيها مطاطة وتركز فقط على الماضي والحاضر والمستقبل.. فالتقسيمات الزمنية الدقيقة لم تكن تعني شيئا لأعرابي يعيش في الصحراء ولا يملك ساعة سويسرية (وحتى بعد امتلاكنا ساعاتنا السويسرية مازلنا نقول: سأحضر في الموعد المحدد بين الرابعة.. والخامسة مساء)!!

وهذا بالمناسبة حال معظم اللغات القديمة (كاللاتينية والإغريقية والسريانية) حين كانت الحياة أكثر استرخاء والزمن يمر بطيئا.. غير أن صيغ الأزمنة تطورت في اللغات الحديثة بحيث أصبح معظمها يملك اثني عشر فرعا هي:

الحاضر والماضي والمستقبل البسيط..

الحاضر والماضي والمستقبل التام..

الحاضر والماضي والمستقبل المستمر..

الحاضر والماضي والمستقبل المستمر التام..

.. ولاحظ؛ كل هذا من حيث اللغة وشعورنا بتقسيمات الزمن فقط..

أما من حيث الواقع الفيزيائي الفعلي؛ فتقل مساحة الحاضر (وتتقلص لدرجة التلاشي) كلما تطور قياسنا للزمن..

دعني أسألك أولاً: هل تعتقد أن "الحاضر" يساوي دقيقة أم ثانية واحدة فقط!؟

وفي حال قلنا إنه ثانية واحدة، كيف تصف أحداثا داخل الذرة تحدث كل ملي ثانية (واحد على 1000 جزء من الثانية).. كيف تفسر حاجة علماء الطبيعة لتجاوز الملي ثانية واستخدام الميكروثانية (لقياس طرفة العين مثلا التي تساوي 350 ميكروثانية، أو ضوء الفلاش الذي يساوي 100 ميكروثانية)!!

وبعد الميكروثانية ظهرت النانوثانية التي تساوي واحدا على مليار من الثانية..

وبعد النانوثانية ظهرت الفيمتوثانية التي تساوي مليون مليار جزء من الثانية (واكتشفها العالم المصري أحمد زويل أثناء تصوير تفاعلات كيميائية تحدث بهذه السرعة الخارقة)!!

ومجرد اكتشاف هذه الأحداث الدقيقة يؤكد أن "الحاضر" يتقلص بتطور الاكتشافات والمعارف العلمية..

.. من أجل هذا كله أعتقد أن "الحاضر" الذي نعنيه في كلامنا يختلف عن الحاضر الموجود في أعماق الذرة وحركة الجزيئات.. أعتقد أن حاضرنا البشري مجرد تعبير مجازي يحدده إحساسنا النسبي بالزمن.. أما الحاضر الفيزيائي فيظل ينقسم إلى ما لا نهاية وأتوقع مستقبلا تقلصه لعشرات المليارات من الفيمتوثانية (ومع هذا تظل عمرا طويلا بالنسبة لجزيئات مازلنا نجهل وجودها)!!

الدين الذي اخترعوه


البشر لم يكتفوا باختراع 4200 ديانة بل أضافوا إلى الديانات السماوية ذاتها.. لم يكتفوا بالأصل النقي بل استمروا في تشكيل دياناتهم الخاصة، حتى حين ينطلقون من ديانات سماوية خالصة.. ليس أدل على ذلك من انقسام اليهودية إلى 71 شعبة والمسيحية إلى 72 شعبة والإسلامية إلى 73 شعبة (كما جاء في الحديث الشريف).. فالانقسام ذاته دليل على استمرارية تضخيمها والنفخ فيها وإعادة تشكيلها.. كل جيل يضيف لكتبه السماوية كتب تأويل وتفسير وإعادة نظر حتى كاد الأصل ينسى، أو يتم تذكره فقط حين تقتضي ذلك مصلحتهم الشخصية..

لا شك بأن هناك دينا إسلاميا (هو الدين الخالص الذي اكتمل بوفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم) وديانات متمسلمة (خالفته أو انقسمت عنه ولكنها مازالت تحتفظ باسمه).. لست أنا من يقول هذا فكل طائفة وفرقة تتهم غيرها بمخالفة الدين.. ولست أنا من يقول هذا بل كتب التأويل والرأي والأحاديث الموضوعة التي يقدمها البعض على القرآن الكريم.. يقوله العوام والأتباع الذين يقدمون أقوال فقهائهم وعلمائهم على "قـال الله وقال الرسول"..

مازلت أذكر لقاء متلفزا للأستاذ حسن المالكي يفرق فيه بين الدين الإلهي والدين البشري (الذي وصفة أيضا بالدين الروائي والتاريخي والسلطاني).. قال: "دين الله هو دين الرحمة والبر والتقوى والحقوق، ودين البشر هو العداوة والبغضاء والسوء والتحاسد والتقاتل باسم الدين".

أتباع الديانات البشرية يمكنهم خداعك بحججهم البليغة وعلمهم الغزيز وتباكيهم على الدين.. ولهذا السبب يعدون أخطر على الدين من أعدائه كونهم يحاولون سرقته باسم الإيمان والتقوى.. أسوأ من الخوارج الذين حذر منهم الرسول الكريم في عشرين حديثا، منها قوله: "إن فيكم قومًا يعبدون ويدأبون، حتى يعجب بهم الناس يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية".. وقوله كذلك: "ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء"..

كل هذا يؤكد أن العمل والانتساب للدين لا يعني بالضرورة القناعة أو الإيمان به (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم).. فالدين معاملة والإيمان اعتقاد وعمل، وما يحدث اليوم في بلاد العرب يبتعد عن الاثنين.. فأي دين هذا الذي يسمح بدهس الأطفال بالدبابات أو قصف المدارس، وأي دين يسمح باغتصاب الفتيات الصغيرات بحجة أنهن سبايا كافرات.. وأي جهاد يفجر المصلين ويحرم قتال المحتلين أو تجاوز حدود إسرائيل.. وأي شريعة تقتل في العراق ستة أضعاف ما قتله الاحتلال الأميركي، وفي سورية تسعة أضعاف ما قتله الاحتلال الفرنسي..

لا.. ليسوا مسلمين، بل مارقين اخترعوا ديانات جديدة خاصة بهم..

ديانات شيطانية تتمحك بالإسلام وتوظف نصوصه وتشريعاته لصالحها..

يدركون استحالة اختراع دين مستقل فسرقوا عباءة الإسلام وصعدوا فوق قاعدته العريضة..

حان الوقت كي نحكم عليهم من خلال أفعالهم وأعمالهم.. حان الوقت كي نحكم على الدين من خلال المعاملة، والتشريعات من خلال المقاصد، ونترك أمر العبادات للمطلع على السر وأخفى.

آخر الاقتصاديات الشمولية


كان الروس زمن الشيوعية يعتبرون شراء السلعة بسعر ثم بيعها (بسعر أعلى) غش وخداع.. تعلموا أن الربح الفردي غير أخلاقي ومخالف للقانون، وأن الحل البديل هو "الجمعيات التعاونية" التي تبيع السلعة بسعر إنتاجها..

غير أن إغلاق فرص الربح والتكسب في الأنظمة الشمولية (أو الشيوعية حيث تتحكم الدولة باقتصاديات السوق) تسبب في تدني الخدمات وكساد التجارة وقتل روح المنافسة؛ لأن ما من إنسان يرغب في عمل لا يحقق ربحا..

وفي حين كانت الأنظمة الشيوعية تبذل جهودا كبيرة لتثبيت الأسعار، تركت الأنظمة الرأسمالية أسواقها حرة ومرنة تخضع لميزان العرض والطلب وتتأقلم بسرعة مع إمكانيات الناس واحتياجاتهم..

وبحلول عقدي الثمانينيات والتسعينيات وصلت روسيا والصين وشرق أوروبا إلى طريق مسدودة، واضطرت للعودة بالتدريج للفكرة الأزلية القديمة (البيع على أساس الربحية).. تقبل الناس بالتدريج فكرة "التربح" منهم مقابل عيشهم في رفاهية وترف واقتصاد يمنحهم -هم أنفسهم- فرصة الربح من الآخرين!!

وبالإضافة للوفرة وسرعة التأقلم تجنح الأسواق الحرة بطبيعتها لتخفيض الأسعار بمرور الوقت، ولمستويات تقل عما كان شائعا في الأنظمة الشيوعية القديمة.. فالتنافس المحموم يجبر البائعين على تخفيض أرباحهم، والمصنعين على خفض تكاليف إنتاجهم، والشركات على رفع جودة السلعة ذاتها.. وهكذا تميل أسعار المنتجات للانخفاض بالتدريج رغم الارتفاع المستمر في جودتها وأدائها (وقارن بنفسك أسعار التلفزيونات والكمبيوترات هذه الأيام بما كانت عليه قبل خمسة أعوام مثلا)..

والحقيقة هي أن الانخفاض المتواصل في أسعار السلع وصل حد توزيع بعضها مجانا (بهدف ربط الزبون بمنتجاتها).. فقبل عامين مثلا دخلت متجرا لبيع ماكينات القهوة منحني ماكينة اسبرسو مجانية.. واليوم تسببت هذه الماكينة في إدماني للقهوة وشرائي الدائم للكبسولات الخاصة بالشركة المصنعة لها فقط..

وكانت شركة الحلاقة المعروفة Gillette أول من ابتكر هذه الطريقة الماكرة قبل خمسين عاما.. ففي عام 1966 بدأت توزع مكائن الحلاقة مجانا على المارة والمتسوقين.. ولأنها مجانية أخذها الجميع فاحتكرت خلال أسابيع سوق "شفرات الحلاقة" التي تعمل عليها.. وهذه الفكرة يتم تطبيقها اليوم مع منتجات كثيرة تقدم لك الجهاز الرئيسي مجانا أو بثمن زهيد، في حين يأتي ربحها من بيع الخدمات والمنتجات المتعلقة بها (مثل الطابعات وأجهزة الفاكس التي تباع بثمن بخس، ثم تشتري الأحبار التي تعمل عليها فقط بثمن باهظ)!!

وكل هذا يؤكد أن العيش في ظل اقتصاد حر (لا يحكمه غير ميزان العرض والطلب) يصب في النهاية لصالح المستهلك نفسه.. صحيح أننا نتعرض بين الحين والآخر لغلاء الأسعار وجشع التجار؛ ولكننا على الأقل نملك منتجات بديلة تمنحنا فرصة المقاطعة وتغيير السلعة..

وهذه بدون شك مزايا لا تتوفر في الاقتصاديات الشمولية المراقبة حيث الإنتاج شحيح والخيارات معدومة والسلع محسوبة، لدرجة لم يكن يحق للسائح الشراء من المتاجر المخصصة للمواطنين في روسيا والصين وكوريا الشمالية (آخر الاقتصاديات الشمولية هذه الأيام).

لغة التواصل الجميل


في نوفمبر الماضي كنت في أميركا حين دخلت متجرا للملابس النسائية.. وقفت طويلا أمام فستان جميل حتى اقتربت مني شابة تعمل في المحل وسألتني "كيف أخدمك؟" قلت: أفكر بشراء هذه القطعة ولكنني محتار هل أخذها لزوجتي أم لابنتي.. وبدل أن تساعدني قالت مستغربة: هل لديك فتاة بهذا الطول؟ قلت: نعم. قالت: منذ متى وأنت متزوج؟ قلت: منذ ثلاثة وعشرين عاما.. تلفتت حولها ثم قالت فيما يشبه الهمس: أنا وصديقي مارك قررنا الزواج أخيرا، هل لديك أي نصائح بخصوص الحفاظ على زواجنا لمثل هذه الفترة.. ظننتها تمزح، وكدت أضحك بالفعل، ولكنها كانت جادة في طلب النصيحة، خصوصا حين قالت إن متوسط الزيجات في أميركا لا يتجاوز الأربعة عشر عاما.. وهكذا تركنا الفستان وبدأنا نتحدث عن أسباب الزواج السعيد، وفاتها أنني مثل كل الرجال السعوديين لم أكن أعرف حتى مقاس زوجتي!!

بدأت بهذه القصة لأنها آخر تجربة توضح طبيعة الشخصية الأميركية.. فالأميركان يتمتعون بشخصية منفتحة يصعب أن تراها في أي مكان في العالم.. يعقدون صداقات سريعة مع الأغراب حتى قبل السلام والكلام ومعرفة الأسماء.. فأنا بالنسبة لتلك الفتاة شخص غريب لا تعرفه ولا يعرفها، ناهيك عن معرفتي بصديقها مارك.. لم تسألني عن اسمي أو بلدي ومع هذا سألتني -وكأنني صديق قديم- إن كان لدي نصائح تخص الزواج!!

.. ومن تجاربي الأخرى دخولي إلى مصعد كان بداخله رجل أسمر يكاد طوله يصل مترين.. كنت مصابا حينها بكدمة سوداء حول عيني اليمنى (كالتي تظهر بعد لكمة قوية).. نظر إلى مبتسما وقال (رغم أنه لا يعرفني ولا يعرف اسمي): كيف حال الرجل الآخر؟ قلت: أفضل مني بكثير.. ضحك حتى بدت أنيابه، ثم أخرج كرته الخاص وقال قبل أن يغادر المصعد: اتصل بي حين تفكر بمواجهته مجددا.. وبعد خروجه نظرت في الكرت فاتضح لي أنه مدرب ملاكمة يدير حلبة رياضية وسط منيابلس..

.. وذات يوم كنت في الباص فجلست أمامي امرأة شابة تمتلئ عيناها بالدموع.. لا أعرف السبب ولكنها كانت تحاول ألا تجهش بالبكاء أمام الناس.. غير أن دموعها بدأت تسيل بالفعل فقامت سيدة عجوز وجلست بقربها وحضنتها بلا تردد (مثل أم تحتضن طفلتها).. حينها فقط بدأت تبكي بصوت مرتفع فيما استمرت السيدة العجوز في احتضانها حتى نزلت من الباص..

.. قد يعتقد البعض أن حديثي هذا من قبيل الثناء أو المديح، ولكنني أحاول فقط إخباركم بالطبيعة العفوية للشخصية الأميركية ومدى انفتاحها على الآخرين (وكل من سافر أو درس هناك يفهم قصدي جيدا)..

وما يثير دهشتي أكثر أن الانجليز (الذين منحوا ثقافتهم ولغتم لأميركا) يبدون متحفظين وجادين كثيرا مقارنة بالأميركان.. ففي أميركا يمكنك أن تعرف بسهولة من يحبك ومن يكرهك ومن يعاملك بعنصرية، في حين يمكنك أن تعيش سنوات في إنجلترا (أو السويد واليابان والدنمارك) دون أن تتأكد من حقيقة مشاعرهم نحوك..

حين كنت أدرس في معهد اللغة قالت معلمتنا الإنجليزية: "الأميركان يتحدثون لغتنا ولكنهم يتفوقون علينا في طرق التواصل الأخرى"..

لم يصعب علي فهم قصدها كون اللغة المنطوقة لا تشكل سوى 22% من لغة التواصل بين البشر.. أما المتبقي؛ فتتكفل به الابتسامة، واللطف، والمبادرة، والتعامل الجميل والانفتاح على الآخرين..

غابة ماريلاند الملعونة


كان الهنود الحمر يسمونها الغابة الملعونة حيث تتصارع فيها الرياح الأربع وتعيش فيها ساحرة يبلغ عمرها قرونا.. وكان سكان ولاية ماريلاند يتحاشون دخولها ويطلقون عليها مثلث الرعب (على نمط مثلث برمودا).. وظلت مجرد أسطورة لم يسمع بها سكان أمريكا - ناهيك عن العالم أجمع - قبل ظهور الفيلم الشهير "ساحرة بلاير"..

وبصرف النظر عن الأسطورة وقعت في الغابة حوادث ضياع واختفاء كثيرة على مدى المئة عام الماضية. ففي نوفمبر 1945 مثلا دخلها حطاب يدعى ميديفرز مع أربعة من زملائه ولكنه أصيب بنوبة جنون جعلته يقطع رؤوسهم ويعلقها على الأشجار ولم يشاهد بعدها أبدا.. وبعد عام فقط دخلتها فتاة جريئة على ظهر الخيل فاختفت فيها نهائيا.. وفي عام 1949 اختفى فيها طالب جامعي كان في زيارة للولاية.. وبعدها بأسبوعين كانت السيدة فيورا تتنزه مع زوجها حين وقعت في الوحل فعادت للمخيم لتغيير ملابسها ولكنها اختفت إلى الأبد. وبعد عام من البحث المضني عثر على جثتها متحللة في منتصف الطريق نحو المخيم.. وهي منطقة واضحة تم البحث فيها آلاف المرات!!

تعددت الفرضيات وكثرت الإشاعات ولكن الأسطورة الهندية بوجود ساحرة خبيثة ظلت الأبرز حتى بعد الاستيطان الأميركي.. أما الفيلم نفسه فيحكي قصة ثلاثة طلاب سينما توجهوا إلى الغابة عام 1997 لعمل فيلم وثائقي عن ساحرة تدعى بلاير تختطف الأطفال وتعذبهم داخل الغابة.. إلا أن الطلاب أنفسهم يتعرضون لمظاهر غريبة ومرعبة ويجدون أنفسهم يدورون في حلقه مفرغة. كانوا يسمعون خلال الليل صراخا وهمهمة وبكاء أطفال.. وفي كل ليلة يجدون حول خيمتهم طلاسم غامضة وحيوانات ميتة وحين اختفى أحدهم عثروا على عينيه في صباح اليوم التالي عند باب الخيمة..

لم يكن هناك عدو ظاهر، ولكن مظاهر الرعب والإحباط كانت مسجلة على الكاميرا التي رفضت الفتاة التخلي عنها حتى آخر لحظة.. وبعد مرور عام على اختفائهم عثر بعض المتطوعين على الكاميرا وظهر في آخر لقطة أحد الطلاب يقف صامتا أمام جدار قذر قيل إن ساحرة بلاير كانت تنحر بقربه الأطفال..

الفيلم نجح بشكل غير متوقع رغم أنه صور بكاميرة فيديو ولم تتجاوز ميزانيته 22 ألف دولار.. كان علامة سينمائية فارقة أكدت أن المشاهد العادي لا يهتم بحبكة السيناريو ووفرة المؤثرات بقدر ما يتعاطف مع القصة ويعتقد أنها صحيحة..

العجيب أكثر أن غابة ماريلاند الملعونة أصبحت (بفضل هذا الفيلم) مزارا سياحيا لا يدخله السياح إلا مع مرافقين محترفين، ومسارات آمنة، وأجهزة لتحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.. تبدأ الرحلة من حيث انطلق الطلاب وتنتهي إلى بيت الساحرة حيث التقطت آخر صورة أمام الجدار..

الجزء الثاني كان مكلفا ومتعوبا عليه، ومع هذا فشل فشلا ذريعا..

مجرد أيدلوجيات طبية


كثير من النصائح والإرشادات الطبية تتحول إلى (أيدولوجيات طبية) يصعب مسها أو نقدها لفترة طويلة.. من كان يجرؤ مثلا (حتى وقت قريب) على معارضة مسببات الكوليسترول ومخاطر الدهون وسلامة الأغذية المملحة.. التي تمت تبرئتها مؤخرا.. من كان يجرؤ حتى عقد الستينيات على الحديث عن مضار التدخين حين كان الوسط الطبي يعتبره عادة صحية (وكان الأطباء يظهرون في الإعلانات وتحتهم جملة تقول: حتى الأطباء يفضلون مارلبورو)..

فالنصائح الطبية هي في النهاية أفكار وآراء تتغير بحسب الأزمنة والمصالح والاكتشافات التالية.. تشبة "الأيدلوجيا" من حيث مرورها بمرحلة نمو وازدهار وطغيان قبل أن تضعف وتنهار ويتضح فشلها للجميع..

وأعتقد أن أقدم أيدلوجيا طبية هي الاعتقاد الشائع بين شعوب العالم بأن فصد الدم وإخراجه يشفي المريض.. كانت الادعاءات تتنوع ما بين إخراج الشياطين والأرواح الشريرة، إلى طرد الدم الفاسد وتعديل أخلاط الجسم. ورغم أن إخراج الدم لا يضر الإنسان السليم (كما يحدث حين نتبرع بالدم) اتضح أنه يزيد المريض ضعفا كونه ببساطة يسلب منه الكثير من المغذيات وأجسام المناعة ونسبة لا يستهان بها من كريات الدم البيضاء.. المسؤولة عن تصيد البكتيريا.

وحين أعود بذاكرتي لسنوات قليلة مضت أكتشف عددا كبيرا من المراجعات والتعديلات التي انتهى بعضها بالتخلي عن إرشادات كانت من الثوابت الطبية.. فحتى وقت قريب مثلا كان الهرم الغذائي الأميركي (الذي تبناه الأطباء واقتبسته شعوب العالم) يتضمن في قاعدته العريضة الكربوهيدرات والنشويات مقابل التقليل من اللحوم والبيض والمنتجات الحيوانية.. غير أن هذا الترتيب الغذائي تسبب في ارتفاع نسبة السمنة والسكري لدى الناس، وما ينجم عنهما من مشاكل وعلل.. اتضح أن البيض والزيوت النباتية لا تتحمل مسؤولية الكوليسترول المضر، وأن اللحـوم (البيضاء بالذات) مصدر سليم للبروتين ولا ترتبط بالضرورة بالسمنة وأمراض القلب وانسداد الشرايين..

حتى الفيتامينات اتضح أن معظم الناس لا يحتاجون لتناولها (باستثناء حالات وأمراض معينة) في حين يمكن لمعظم الناس تناول الأطعمة المملحة (باستثناء من تسبب لهم ارتفاع الضغط).. وبعد أن كان الأطباء ينصحون المرأة المنجبة بالبقاء في المستشفى لأسبوع أصبحوا ينصحونها بالمشي والتحرك ومغادرته في اليوم التالي (خشية إصابتها بالعدوى)..

أما المفاجأة الحقيقية فهي عدم ضرورة تناول أدوية البرد والكحة والزكام (خصوصا لدى الأطفال).. فهذه الأمراض تتسبب بها غالبا فيروسات (لا تنفع معها المضادات الحيوية) والأعراض التي نلاحظها (كارتفاع درجة الحرارة) هي مظهر طبيعي من مظاهر مكافحة الجسم لها.. والمسارعة لتناول الأدوية المضادة ليس فقط (غير مفيد)، بل قد يتسبب بآثار جانبية ضارة للأطفال أخطرها حرمان الجسم من فرصة مقاومة الفيروسات بنفسه (بحيث يكبر الطفل ولديه مقاومة ضدها)..

.. ما يهمنا هنا هي الظاهرة وليست المتغيرات ذاتها.. ظاهرة لن تتوقف مستقبلا ولا أجد أمامها غير النصح بالاعتدال في تناول كل شيء.. وعدم التقيد بأي شيء.. والحذر من الانجراف خلف أي شيء..

وخير الأمور أوسطها.

ماذا نتذكر بالضبط؟


حين تخرج من صلاة الجمعة ستنسى غالبا 95% منها قبل وصولك للبيت..

ولكن لو طلب منك الإمام إلقاءها بدلا عنه (من خلال ورقة مكتوبة) سترتفع نسبة تذكرك لمحتوياتها بخمسة وعشرين ضعفا..

وهذه النسب ليست من قبيل المبالغة أو التخمين بل نتيجة أبحاث ودراسات قام بها معهد الذاكرة NTL في بيثل بولاية ميين (ويمكنك البحث عنها في جوجل تحت: learning pyramid)..

فنحن نتذكر فقط 5% مما نسمعه خلال أي محاضرة أو خطبة..

ونتذكر 10% فقط مما نقرؤه في الكتب ووسائل الإعلام المقروءة..

ونتذكر 20% فقط مما نشاهده ونسمعه في نفس الوقت كالأفلام ومقاطع الفيديو..

ونتذكر 30% مما نحاول إثباته أو برهنته أو أثار انتباهنا وصدمنا بقوة..

ونتذكر 50% مما نستعمله في نقاشاتنا الحامية مع الآخرين..

ونتذكر 75% مما نمارسه أو نطبقه عمليا؛ كما يحدث لو ألقيت خطبة الجمعة بنفسك..

ونتذكر 90% مما نتعلمه في حال استعملناه فورا.. مثل حالي الآن حين حفظت هذه النسب بفضل استعمالها في كتابة هذا المقال!!

وفهم هذه الآليات مفيد للطلاب ومن يريد حفظ شيء عن ظهر قلب.. لاحظتها شخصيا منذ حاولت الغش في امتحانات الثانوية وكتابة بعض المعادلات الكيميائية (كبراشيم مجهرية).. فبعد محاولات كتابتها عدة مرات اكتشفت أنني حفظتها بفضل ذلك.. ولهذا السبب أعتقد أن الطلاب الذين يكتبون الملخصات يتفوقون على غيرهم، وأن المعارف والأفكار تترسخ في أذهان المؤلفين بعد نشر الكتب والمقالات..

أيضا لاحظت أن عملية التذكر تتحسن في حال المشي والحركة وسرد المعلومة جهرا (وهذا في نظري نوع من الممارسة أيضا).. فقد حفظتني والدتي سورة الكهف في سن مبكرة وأمرتني أن أكررها أيام الجمعة. وهكذا كنت أبدأ بتلاوة السورة غيبا قبل أن يقوم الإمام خطيبا.. ومع الأيام لاحظت أن أخطائي تكثر حين أقرؤها سرا.. أما حين أقرؤها جهرا (أثناء تحريك فكي، ومشيي للمسجد) فأسردها بطلاقة وأنهيها بلا أخطاء!

ومن خلال هذه التجربة تعلمت أيضا إمكانية استدعاء المعلومة بطرق مختلفة.. فالنسيان عملية تختلف عن التذكر كونه عجز عن استرداد معلومة سبق وحفظتها أصلا. فالمعلومة (بعد حفظها) تكون موجودة في رأسك ولكنك ببساطة فقدت اتصالك بها (كملف تعجز عن استخراجه من الكمبيوتر).. ولهذا السبب يتحسن مستوى ذاكرتك بمجرد حركتك وجهرك وتنبهك للعوامل والنسب التي بدأنا بها المقال.. يصبح استدعاؤها سهلا ومنظما بمجرد أن تربطها بأحداث بارزة أو ذكريات راسخة بحيث تتذكرها وتستدعيها بمجرد حاجتك إليها (كأي كلمات مفتاحية تضعها في جوجل فتستدعي خلفها كل ما يتعلق بها).. تصبح ذاكرتك قوية بمجرد حفظك للأشياء بطريقة مرتبة (كجدول الضرب) أو مترابطة (كقصيدة ملحنة) أو مارستها بطريقة عملية (كأن تتحدث باللغة الإنجليزية فور حفظك لمفرداتها)..

لماذا ألغت الحكومة الهندية نقودها؟


في نوفمبر الماضي أعلنت الحكومة الهندية إلغاء فئتي الخمس مئة وألف روبية واستبدالهما بعملتين جديدتين يصعب تزويرهما.. كانت خطوة مفاجئة وجريئة في بلد يتعامل 96% من سكانه بالنقود الورقية وتتجاوز فيه قيمة هاتين العملتين 211 مليار دولار (تشكلان 86% من مجمل التداولات في كامل الهند)..

ورغم أن القرار أثار سخط الناس (بما فيهم سائقي الهندي) أعتقد شخصيا أنه "ضربة معلم" تستحق من خبراء الاقتصاد دراستها عن كثب.. صحيح أنها اضطرت المواطن للوقوف في طوابير طويلة (لتبديل نقوده القديمة) إلا أن الكارثة الحقيقية طالت المزورين والمهربين وتجار السوق السوداء والمتهربين من الضرائب..

سيكون على المزورين البدء من جديد لتزييف العملات الجديدة (التي يصعب تزويرها أصلاً).

كما سيكشف أصحاب الأموال غير الشرعية عن أرصدتهم لاستبدالها بالعملات الجديدة.. وستضطر الأموال المهاجرة للعودة للهند لاستبدالها خلال مدة قصيرة.. وسيضطر تجار السوق السوداء لتسليم أموالهم للبنوك الرسمية قبل نفاد مهلة التبديل.. كما سيصبح بإمكان الحكومة الهندية الكشف عن حجم النقود (المختبئة في البيوت) والمتهربة من دفع الضرائب!

.. ففي الهند بالذات لا يتعامل معظم السكان مع البنوك ويفضلون الاحتفاظ بنقودهم في بيوتهم أو في حوزات مأمونة في قراهم وبلداتهم الصغيرة.. وهذا يعني وجود ثروة هائلة إما راكدة أو تختفي عن الأعين (بسبب ثقافة اكتناز الأموال) تدعى الأموال السوداء.. أموال نقدية لا تمر على البنوك ولا تظهر في سجلات الحكومة وتشكل 40% من اقتصاد الهند (وأكثر من ذلك في حال احتسبنا العملات المهترئة والمنسية والمكتنزة منذ سنين)..

والمدهش أن الزوجات وربات البيوت يتحملن مسؤولية معظم الأموال المكتنزة.. فالنساء هناك يرثن من أمهاتهن مهارة إخفاء مدخراتهن (ليس فقط عن البنوك ورجال الضرائب) بل حتى عن أزواجهن وأبنائهن.. لهذا السبب لا تملك 80% من النساء هناك حسابات بنكية ويدخرن النقود الورقية دون علم ذكور العائلة (إن لم يكن داخل المطبخ أو تحت البلاطة، لدى أمهاتهن أو قريباتهن).. وبمجرد إعلان الحكومة عن إلغاء أكبر عملتين واجهت ربات البيوت (تماما مثل المهربين والمزورين ورجال الأعمال الفاسدين) مأزق الكشف عن أموالهن المكتنزة أو السكوت على خسارتهم خوفا من الأزواج والمطالبات الضريبية..

.. وبخصوص المطالبات الضريبية، يقدر أن 98% من المواطنين هناك يتهربون من دفعها.. فأغلب الهنود ينظرون للضرائب بطريقة سلبية ويعتبرونها وسيلة غبن واستيلاء على أموالهم (في حين يرتضي المواطن الغربي دفع الضرائب كمساهمة ضرورية لتمويل الخدمات الحكومية).. لهذا السبب لم يدفع الضرائب سوى 2.6% من المواطنين الهنود في عام 2015، ولم يدخل خزينة الدولة سوى 43 مليار دولار فقط من الأموال المعلنة.. ولكن بمجرد وضع مهلة لاستبدال أكبر عملتين (تنتهي قبل نهاية ديسمبر الحالي) ظهرت الأموال المختبئة وغير المشروعة وأصبح بإمكان الحكومة معرفة حجم الضرائب المستحقة عليها..

.. من أجل هذا قلت في بداية المقال إنها (ضربة معلم) ضد الفساد وغسيل الأموال والتهرب من الضرائب.. استعادت الحكومة في أول أسبوع فقط 80 مليار دولار وقفز حجم الأرصدة البنكية لأكثر 330%..

أما المواطن البسيط فتعلم درسا مهما يستحق عناء الوقوف في الطابور.. تعلم خطورة التعلق بعملات ورقية يمكن أن تتبخر بقرار رسمي أو انهيار مصرفي..

ما أسوأ نصيحة سمعتها؟


في كل مرة توبخ فيها طفلك تشوه شخصيته وتـقتطع جزءًا من ثقته بنفسه.. في كل مرة تعنفه جسدياً لا تهينه وتحطم كبرياءه فقط، بـل وتصنع منه وحشاً متسلطاً يقلدك مستقبلاً.. أمـا حين تلقي على مسامعه نصائح سيئة (قد تبدو في ظاهرها إيجابية) فـضررها يتجاوز شخصيته ويطال المجتمع حوله..

قبل كتابتي لهذا المقال حاولت تذكر أسوأ النصائح التي يمكن أن يلقيها الأهل على أبنائهم.. نصائح يعتقدون أنها تعلمهم الرجولة والصلابة، في حين أنها تعلمهم الأنانية والعنصرية والأساليب الخاطئة..

جمعت ما يكفي لنصف المقال، ثم قررت سؤال أصدقائي في تويتر عن أسوأ نصيحة سمعوها في حياتهم ــ فحصلت على أمثال شعبية نلقيها كنصائح أبوية !!

... وفي الأسطر التالية سأستعرض معكم أسوأ النصائح التي يمكن للأطفال سماعها (شارحاً أمامها رأيي بخصوص تأثيرها السلبي):

· إن سرقت أسرق جمل: وهي نصيحة تسببت بظهور هوامير يسرقون الأراضي والمال العام، ولكنهم يطالبون بقطع يد السارق فيما زاد عن ربع دينار...

· لا تخليك حرمة: وهي نصيحة لا توحي فقط بضعف المرأة بـل ونعتها بالجبن والتخاذل...

· الله سخرهم لنا: وهذا تبرير ساذج نداري به فشلنا وعجزنا عن منافسة الشعوب "الكافرة"...

· الرجل مايبكي: نصيحة تعلم ابنك كبت مشاعره وعدم التعبير عنها بطريقة عفوية سليمة..

· لا تثق بغير جماعتك: نصيحة عنصرية تدفعنا للريبة والشك بمن لا يمت إلينا بصله أو نسب..

· الأقارب عقارب: نصيحة معاكسة تسبب ازدواج الشخصية وتثير الريبة بأقرب الناس إلينا...

· البنت مالها غير زوجها: توحي بأنها مخلوق أعرج لا يمكنها العيش والاستمرار دون رجل...

· لا تتكلم في مجلس الكبار: وهي نصيحة تنزع جراءة الطفل وتفقده ثقته بنفسه (رغم أن العبرة بالمعرفة ورجاحة العقل بدليل الغلام الذي قال لعمر: لو كان الأمر بالسن لكان في أمة محمد من هو أحق منك بالخلافة)...

*** *** *** ***

وبعد طلب المزيد من أصدقائي في تويتر وصلتني النصائح والأمثلة التالية:

· مد رجولك على قد لحافك: وهي نصيحة تعلم الكسل والخنوع ويفترض أن تقال بطريقة معاكسة: (مد لحافك أبعد من رجولك)

· أمشي دائماً جنب الحيط: وهي نصيحة تعلم الطفل الجبن والتخاذل والبقاء في الظل..

· جلد ماهو جلدك جر عليه السكين: وهو قول يكسر كافة القوانين الأخلاقية والأعراف الإنسانية.

· انفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب: وهي نصيحة تتضمن إيحاء بفعالية الرشوة وشراء الذمم بالمال...

· إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب: وبكلام آخر؛ كن أنت الذئب الذي ينهش لحـوم الضعفاء...

· الرجال ما يعيبه إلا جيبه: ولهذا السبب لم يعـد بعض شبابنا يقيم وزنا للشهامة والأدب...

وأخيراً؛

· هذا كلام حريم: وكأن الجدية وصدق العهد مقتصرة على الذكور فقط ــ حسب تعليق الأخت نورة الرشيد.

... وبالطبع سيكون لدينا آلاف النصائح السيئة في حال أخبرنا كل قارئ بنصيحة واحدة فقط.. ولكن ما يهمني حالياً هو ضرورة تفكيرنا بالآثار السلبية لأي نصيحة نلقيها على أطفالنا دون التفكير بدورها في بناء شخصيته المستقبلية...

حتى لو استقلت جنيف وبرشلونة


سويسرا لا تملك جيشا رسمياً ولم تنحز يوما إلى أي صراع سياسي.. تتكون من أعراق مختلفة ويتحدث سكانها أربع لغات مختلفة (ألمانية وفرنسية وإيطالية ورومانشية) ومع ذلك مازالت تعيش منذ عام 1291 بوئام وانسجام يفتقده أصحاب العرق والديانة الواحدة في الشرق الأوسط!!

وبطبيعة الحال؛ ما أن تذكر سويسرا حتى يتداعى للذهن اسم "جنيف" مدينة المؤتمرات العالمية.. وتكاد هذه المدينة تكون الوحيدة التي تملك هذه الأيام تيارات تطالب بالانفصال عن الاتحاد السويسري (المكون من عدة كانتونات تتمتع بحكم ذاتي).

وكانت حركة جنيف الحرة قد سبقت الجميع بالمطالبة باستقلال جنيف منذ عام 1981 وإنشاء دولة صغيرة على غرار الدول المجهرية في أوروبا (كموناكو ولينخشتاين والفاتيكان ولوكسمبورج).. ويدعي دعاة الاستقلال أن مدينتهم التي تأوي 370 ألف إنسان على مساحة 282 كلم2 تملك كل مواصفات الدولة المستقلة..

وأكبر دافع في نظري لمطالبات الاستقلال هو شعور أبناء المنطقة بانتمائهم إلى ثقافة ألمانية تختلف عنهم.. فسكان جنيف يتحدثون الفرنسية وينتمون للثقافة الفرانكفونية وحدودهم مع فرنسا تزيد على 130 كلم.. في حين لا تزيد مع سويسرا ذاتها على خمسة كيلومترات فقط. ومقابل هذا الالتصاق الجغرافي والثقافي يتذمر المجتمع الجنيفي من وجود هيمنة اقتصادية وسياسية وثقافية تمارسها عليهم سويسرا الألمانية (حيث يشكل العرق الجرماني واللغة الألمانية النسبة الأكبر).. فهم مثلاً مجبرون على تعليم أبنائهم اللغة الألمانية والتعامل مع الخارج من خلال هذه اللغة.. كما يشتكون من تركز المصارف الكبرى في زيورخ وعدم وجود ما يكفي من وزرائهم في حكومة بيرن منذ عام 1919..

كل هذا يجعل الكثيرين منهم يعتقدون أن انضمام جنيف للاتحاد السويسري عام 1815 (أي بعد تشكل الاتحاد السويسري بخمس مئة عام) كان قرارا خاطئا أجّجه في ذلك الوقت محاولة التخلص من فرنسا..

.. على أي حال؛ من يقرأ هذا الكلام -في عالمنا العربي- يظن أن سويسرا على وشك خوض حرب أهلية حالها حال أي دولة عربية تظهر داخلها دعوات انفصالية.. ولكن الحقيقة هي أن دعوات الانفصال طبيعية جدا في الدول الديموقراطية وتخضع دائما لتصويت الشعب المعني بالأمر.. دون أن تملك الحكومة الاتحادية حق منعها أو التدخل فيها.. هذا ما حدث في اسكتلندا حين صوت الاسكتلنديون بنسبة بسيطة على البقاء ضمن الاتحاد البريطاني، وما حدث في أسبانيا حين صوت أهالي برشلونة (ذات الثقافة الكاتالونية) بنسبة لم تتجاوز الواحد بالمئة ضد الاستقلال عن إسبانيا، وما حدث أيضا حين صوتت مقاطعة كويبيك الفرنسية (أكبر المقاطعات الكندية) ثلاث مرات خلال تاريخها للانفصال عن كندا، ولكنها تفشل في كل مرة في الحصول على الأغلبية..

باختصار شديد؛ حتى لو استقلت جنيف عن سويسرا، وبرشلونة عن إسبانيا، وكويبيك عن كندا، بل وكاليفورنيا عن أميركا؛ لن تراق الدماء، ولن تظهر داعش، ولن تغلق الحدود بين الطرفين، وسيعيش الجميع بانسجام وتعاون لا تحظى به غير مجتمعات تربت على احترام خيارات الآخرين والالتزام برأي الأغلبية..

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...