لا يكاد يمر عام إلا ويطالب الرئيس الأميركي أو وزير دفاعه بتخصيص المزيد من الأموال للجيش الأميركي -الذي يحتل أصلاً المركز الأول في ميزان المصروفات العسكرية ويفوق الست والعشرين دولة التالية له (مجمعة) في الميزانية المرصودة له.
وغني عن القول: إن "الجيوش" مؤسسات وطنية مكلفة والحروب "صناعة" لا يمكنها التوقف عن العمل.. صناعة حقيقية تربح في حال نشبت "المعارك" وتخسر إن عم السلام لفترة طويلة.. فكر في الشركات والمصانع التي تنتج الذخيرة والعتاد العسكري، كيف ستستمر في العمل وتدفع رواتب موظفيها لو توقف العالم عن نزاعاته العسكرية؟
لهذا السبب ليس المهم من يقتل من، المهم أن تستمر النزاعات المسلحة لأكبر وقت ممكن.. ليس المهم -من وجهة نظر لوبي الأسلحة- أن ينتصر الجيش أو ينهزم المهم أن يستمر في طلب الذخيرة والعتاد العسكري. أكبر فترة انتعشت فيها مصانع الأسلحة في أميركا حين تورط الجيش الأميركي في فيتنام واستهلك كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة وطائرات الهليكوبتر.
معادلة الحروب وأسباب شنها تغيرت عن الأيام الخوالي؛ في الماضي كانت الدول القوية تستعمر الدول الضعيفة لتدعيم اقتصاداتها وفتح أسواق جديدة لها.. ومراجعة سريعة لسياسة الاستعمار البريطاني -وبقية الدول الأوروبية في أفريقيا وآسيا- تثبت أن الاستعمار كان بمثابة "مشروعات تجارية" عادت بالربح على المواطنين في إنجلترا وأوروبا.. أما المجتمع الأميركي فخرج خاسراً حتى في الحروب التي انتصر فيها جيشه عسكرياً.. ففي الحرب العالمية الأولى صرفت أميركا 500 مليار دولار، وفي الثانية 480 مليار دولار، وفي الحرب الكورية 408 مليارات، وفي فيتنام 584 مليارًا، وفي أفغانستان 103 مليارات وفي حرب الخليج الأولى 82 ملياراً وفي الثانية 87 ملياراً - وهذه المبالغ دفعها المواطن الأميركي كضرائب.
وهذه الأرقام المهولة تثبت أن الحروب الأميركية كانت دائماً مشروعات خاسرة اقتصادياً (بالنسبة لدافعي الضرائب) ولكنها مربحة اقتصادياً لشركات الأسلحة وسماسرة الحرب. فشركات الأسلحة تعـتاش على الحروب الخارجية ولاتستطيع البقاء فترة طويلة دون عقود شراء تضمن لها "الحــــياة".. لوبي الأسلحة في واشنطن لا يهمه كم تخسر دولته في الخارج طالما تستمر عقود الشراء - ويستمر في تصريف الأسلحة العتيقة وتجريب الأسلحة الحديثة.. قد تكون أميركا خسرت الحرب في فيتنام ولكن شركات الأسلحة ربحت الملايين من بيع 13 ألف طائرة هليكوبتر و1800 طائرة نفاثة و15 ألف مدرعة وحاملة جند - ناهيك عن أطنان لا تحصى من الذخيرة والأسلحة الخفيفة!!
تخيل فقط مشاعر العالم تجاة أميركا (والشعب الأميركي) لو صرفت هذه المبالغ لمساعدة الشعوب المضطهدة في فيتنام وأفغانستان والعراق بدل احتلالها وتدميرها.
الفكرة مثالية وجميلة، ولكنها تهدد بإغلاق مصانع وشركات الأسلحة التي تملك قوى ضغط هائلة في مجلسي الكونغرس والنواب..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق