الاثنين، 15 يوليو 2019

البديل لتكدس السجون


(البدء في تطبيق البدائل في العقوبات التعزيرية) كان هو العنوان الرئيسي في جريدة الجزيرة يوم السبت 11 رمضان.. وجاء تحته تأكيد معالي وزير العدل الدكتور محمد عبدالكريم العيسى بأن مفهوم البدائل في العقوبات التعزيرية لا يُمثل فكرة جديدة لدى قضاتنا حيث أصدر فيه العديد من القضاة أحكاماً متميزة... وأكد أن هذا يمثل فصلاً مهماً في قضايا التعزيرات يستوعبه قضاة الوزارة، وهم على دراية تامة بأنه يجري في سياق السلطة التقديرية لكل قاض، لكن في نطاق المقاصد الشرعية المعتبرة (.......)!

ومفهوم البدائل الذي يتحدث عنه معالي الوزير يتعلق بتوجه القضاء للخروج بعقوبات تعزيرية متنوعة غير السجن والحبس.. فمن الخطأ الاعتقاد بأن السجن هو العقوبة الوحيدة المتوفرة في حين يمكن تعزير الفاعل ببدائل أخرى كثيرة ليست فقط أكثر فائدة للمجتمع بل وأيضا أكثر كرامة للمدان وأقل كلفة على الدولة - ..

صحيح أن السجن ضروري في الجنايات الكبرى (وضروري أيضا لعزل الجناة والشواذ عن المجتمع المدني) ولكنه مهين وغير ضروري حين يتعلق بمخالفات وجنح قد تقع لمواطنين شرفاء في الأصل (ناهيك عن تعطيل أعمالهم النافعة للمجتمع كالتدريس والطبابة وحفظ الأمن)...

لهذا السبب بالذات أسعدني تصريح معالي الوزير كونه يؤكد توجه الوزارة لتبني بدائل تعزيرية نوعية لا تقتصر على السجن والحبس فقط.. ومثل هذه البدائل العقابية معروفة ومعمول بها في الدول المتقدمة حيث يمكن معاقبة المدانين بتوجيههم للخدمة (مثلا) في دور الأيتام والعجزة أو متابعة مرضى السرطان أو حتى تنظيف المساجد والمرافق العامة -.. وفي حال كان يملك تخصصا مهنيا يمكن للقاضي أن يعاقبه بخدمة مرفق يناسب تخصصه كالعمل في أقسام الطوارئ أو مدارس التحفيظ أو تعليم الصم والبكم..

وعقوبات من هذا النوع تحقق مجموعة أهداف إيجابية لا يمكن لعقوبة السجن توفيرها.. فالمتهم حفظت كرامته، والمجتمع استفاد من خدمته، والعائلة لم تتشرد بعده، والدولة تخلصت من كلفة سجنه (التي قدرت مؤخرا ب11 ألف ريال شهريا لكل سجين) !!

وأذكر أنني قرأت مقالا في صحيفة أوهايو بوست عن قاضية تدعى ميشل سيكونيت لم تصدر طوال عشرة أعوام أي أحكام بالسجن والحبس مستعيضة عنها بعقوبات مبتكرة وفريدة ونافعة لجميع الأطراف... فقد حكمت مثلا على مراهق ضرب رجلا مسنا بالخدمة شهرين في بيوت العجزة، وعلى ثلاثة شباب بزرع سبعين شجرة بعد قطعهم لبعض الأشجارالعامة، وعلى رجل سكران (وضع قطته بالفرن) بإطعام القطط في حديقة بنسلفانيا لشهرين كاملين، وحين اتهم أحد المحامين شرطة الولاية بالرشوة والفساد دون دليل في أحد البرامج التلفزيونية حكمت عليه بدفع ثمن إعلانات يعتذر فيها للشرطة، وحين قبضت الشرطة على أحد الاطباء بتهمة شرب الكحول أثناء القيادة عاقبته بإلقاء محاضرات في المدارس يوضح فيها أضرار الكحول على جسم الانسان، وحين قطع أحد المواطنين الحبل الموصل إلى جرس الكنيسة (بحجة أن الجرس يزعجه في يوم إجازته) حكمت عليه بإعادة وصل الحبل وقرع الجرس كل يوم أحد...!!!

... وكل هذا يثبت أن القاضي كلما كان مرنا ومتفتحا اتسعت أمامه آفاق العقوبات والبدائل التعزيرية ؛ فقد يرى مثلا أن التعزير ب(الإحراج) هو الأنسب لذوي الأصل النبيل وأن الاعتذار علنا (أو على صفحات الجرائد) هو الأنسب للمشهورين والمعروفين وأن (خدمة المجتمع) تناسب الشباب والمراهقين لتعليمهم أهمية المشاركة وتحمل المسؤولية..

وما أتمناه فعلا هو أن تستمر وزارة العدل في هذا التوجه، وأن لا يتحرج قضاتنا من تنويع وابتكار المزيد من البدائل التعزيرية في القضايا غير المشمولة بنص شرعي أو نظامي صريح...

وفي الحقيقة كل من زار سجوننا العامة وشاهد حال المساجين فيها (ونسبة التكدس المرتفعة داخلها) يدرك ضرورة تبني هذا التوجه والإسراع في هذا الاتجاه!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...