الأحد، 14 يوليو 2019

مشكلة الطاغية


ليس لديّ شك بأن الطغاة هم من يصنع التاريخ ..

فمعظم تاريخ البشرية يتمحور حول شخصيات دموية كجنكيز خان وتيمورلنك والاسكندر الأكبر وأتيلا الهون ونابليون بونابرت وأدولف هتلر (وقائمة طويلة من طغاة العرب والمسلمين ممن يصعب ذكرهم) . وفي المقابل من يتذكر منكم أسماء حكام صالحين أو حكماء وأطباء وعلماء أنقذوا حياة الملايين تناساهم التاريخ أو لم يذكرهم بذات القدر؟!

... أما مشكلة الطاغية الشخصية فهي أنه سيصاب عاجلا أم آجلا بالنرجسية وجنون العظمة وهوس الانتخاب الإلهي بسبب طول البقاء وقمع الأصوات الشريفة وعدم سماع الآراء المغايرة..

والنرجسية (التي تعرف في علم النفس بالحب المفرط للذات) تبدأ لدى الطاغية من أول يوم يغتصب فيه الحكم ويعتقد أنه صاحب رسالة حقيقية . وفي غياب الشفافية والآراء المعارضة يصدق فعلا أنه رسول ملهم ومبعوث مخلص ولايشك أبدا في صلاحية القرارات التي يتخذها . وحين يصل الى هذه المرحلة تبدأ القرارات العجيبة بالصدور بغرض تلميعه وتأليهه وطمس ماضيه الأسود وسط تهليل المتسلقين وسخرية الصامتين .. وكلما طال به الزمن يتقدم الى مرحلة أكثر جنوناً وخطورة لدرجة تراوده أحلام الانتساب الى سلالة الرسل أو حتى ادعاء الألوهية مثل فرعون الذي قال ما علمت لكم من إله غيري ..

ولو راجعنا تاريخنا العربي بالذات لوجدنا إصرارا غريبا من الحكام والطغاة على فبركة أنسابهم المتواضعة بحيث تشترك في النهاية مع نسب الرسول الأعظم وكان آخرهم صدام حسين الذي أعلن قبل سقوطه عن احتفال الشعب العراقي بانتساب ابنه العظيم إلى سلالة الرسول الكريم..

وطالما أننا نتحدث عن طاغية ميت دعوني أذكركم بأن صدام حسين لم يسقط وحيدا بل سقط معه خمسة شبهاء (كانوا ينوبون عنه في المناسبات العامة) و 2350 تمثالا ملأت ساحات العراق .. وهذا العدد الضخم من التماثيل مجرد جانب من جوانب النرجسية التي تتلبس كل الطغاة حيث تنتشر التماثيل بقرار رئاسي، والصور بقرار حكومي، وتصبح كافة الإنجازات العظيمة حكرا على الزعيم وعائلته فقط..

وبدافع من الاستجارة والطمع يبدأ المنتفعون حوله بتأليهه والمزايدة عليه وتلميع صورته أمام الجميع وقد تفبرك في سبيل هذا حكايات عجيبة وقرارات غريبة تتجاوز حدود المنطق بالفعل.. ففي كوريا الشمالية مثلا أنشئت وزارة التعليم جامعة خاصة ب"الوالد السابق" كيم جونج تعطي كافة الدرجات العلمية المعتادة في سيرة وأقوال الزعيم (في حين حافظ خليفته كيم جونج الثاني على 2000 تمثال حولها لم تخضع للتدمير كتماثيل صدام المسكين)!!

أما في الصين فكان الطلاب يتعلمون أن الزعيم ماوتسي تونج هو من اخترع كافة الأجهزة الحديثة من الطائرات والصواريخ والسيارات الى الآلات الحاسبة والساعات ومراوح السقف ..

أما في رومانيا فاحتكر الزعيم السابق تشاوشيسكو أو عبقري الدانوب كما يطلق على نفسه تأليف كافة كتب التاريخ والفلسفة في حين احتكرت حرمه المصون تأليف كتب الكيمياء والفيزياء والذرة ..

أما الروس فكانوا أساتذة في إضفاء الصبغة العلمية على عبادة الحكام حيث أنشأوا معهدا خاصا لدراسة مخ لينين وفهم مكامن العبقرية فيه .. كما برعوا في التحنيط وحفظ أجساد الطغاة وعدوا ذلك من الاسرار العسكرية التي يحرم نقلها للخارج واستثنوا من ذلك جثامين حلفائهم الطغاة فى فيتنام وبلغاريا وأنغولا والمجر!!!

... والخلاصة ..

مثل هذا الجنون والغلو في تمجيد الطغاة نتيجة متوقعة في الانظمة الديكتاتورية المغلقة كون غياب الشفافية والديموقراطية وحرية الرأي تفرز في النهاية مجتمعا خانعا، وشعبا جائعا وطاغية يريد الاطلاع على رب موسى وهارون...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...