الاثنين، 15 يوليو 2019

دولة القوانين الصغيرة


سنغافورة بالنسبة لي بلد يثير التقدير والإعجاب، ومع هذا أخذتُ عهدا بعدم زيارتها بسبب تجربة شخصية خاصة . فقبل تسعة أعوام تقريبا حاولت زيارتها والدخول اليها عن طريق الجسر البري الذي يربطها بجنوب ماليزيا . وقبل مغادرة السعودية رتبت حجوزاتي، وذاكرت دروسي، واستأجرت شقة جميلة عن طريق الانترنت..

ولكن ؛ في حين يمكن دخول ماليزيا بلا تأشيرة أو اجراءات معقدة أصبحت سنغافورة بعد تفجيرات سبتمبر قلعة مغلقة أمام معظم السعوديين . وحينها كنت أعلم بضرورة أخذ تأشيرة قبل السفر ولكنني اكتشفت لاحقا أن القضية أكبر من ذلك وتهدف الى "تطفيش" أي سائح سعودي يرغب بالسفر إلى سنغافورة . فبالإضافة الى الطلبات المعقدة للتأشيرة يجب أن تحصل أولا على "دعوة رسمية" أو من شخصية معروفة داخل البلد ذاتها (يعني كفيل). كما يجب السفر ذهابا وإيابا على متن الخطوط السنغافورية والبقاء في فندق يتم استئجاره بمعرفتها. هذه الطلبات التي لم تتبنّها حتى امريكا بعد تفجيرات سبتمبر جعلتني أبدي تذمري للموظف المسؤول عن التأشيرات في جدة. ورغم أنني أخبرته بحجزي المسبق على الخطوط السعودية وأن دخولي الى سنغافورة سيتم عن طريق البر ناهيك عن استئجار شقة أرخص من أي فندق يعرضونه علي إلا أنه أجابني ببرود "آسف ، هذه هي الطلبات" ! .. عندها غلا الدم في عروقي فقلت ما معناه (من الأسهل زيارة إسرائيل) وألغيت فكرة سفري إلى هناك (كما يبدو أنني سألغي فكرة سفري قريبا لكمبوديا وفيتنام لنفس الأسباب)!!

ولكن ؛ من جهة أخرى تثير سنغافورة الإعجاب من نواح عديدة ومختلفة .. فبالاضافة الى نموها الاقتصادي المذهل والسريع تميزت بقرارات حكومية وحملات شعبية جريئة وغير مسبوقة..

فسنغافورة مثلا الدولة الوحيدة في العالم التي تملك قانونا يجرم تكاثر البعوض في البيوت والمرافق العامة. فخوفا من عودة الأمراض التي كانت متفشية في الجزيرة توظف الدولة مفتشين متخصصين يبحثون عن بؤر البعوض داخل الحمامات وتحت المغاسل وأحواض الزهور ويفرضون غرامات عالية على البيوت المخالفة.. كما تمنع سنغافورة نشر الغسيل القذر على الشرفات وأسطح المنازل أو غسل السيارات في الشوارع.. وكي تحافظ على سمعتها كأنظف دولة في العالم تملك قانونًا يحرم البصق أو مضغ اللبان في أي مكان.. ومقابل تنظيم مسابقة سنوية (لأجمل حمام عام) يعد التبول أو التمخط في الأماكن العامة جريمة لاتغتفر!!

أيضا سنغافورة معروفة بحملاتها الشعبية الفريدة التي لاتخلو من بعض الغرابة؛ فقد سبق ونفذت حملة لتحسين مستوى التحدث باللغة الانجليزية (ولاحظ تحسين؛ وليس تعليم).. وحملة لتعليم سائقي التاكسي "الأدب وفنون الاتيكيت" وكيفية التعامل مع المواطنين والسياح الأجانب..كما نفذت حملة لتعليم الرومانسية بعد أن اتضح عزوف الشباب عن الزواج وأثبتت الدراسات العالمية أن الشعب السنغافوري أقل شعوب العالم ممارسة للجنس!!

.. وإذا أضفنا للنقطة الأخيرة رغبة الحكومة في رفع عدد السكان (الذي لا يتجاوز أربعة ملايين نسمة) نفهم سبب تنظيمها حملات كثيرة لتشجيع العائلات على إنجاب أكثر من طفل ووضع مكافأة لمن تنجب أكثر من طفلين .. وكان الرئيس لي كوان يو (مؤسس نهضتها الأول) قد حاول وضع حوافز مماثلة لتشجيع طلاب الجامعات على الزواج ممن يوازيهم في درجة الذكاء والشهادة على أمل ظهور جيل من العباقرة إلا أن الأمر لم يلق اهتماما كبيرا من الشباب الذي فضل الاستماع لنداء القلب قبل العقل !!

... هذه الذهنية السنغافورية (التي تجمع بين الريبة والقرارات الأبوية) هو ما يفسر ميلها ل"تطفيش" سياح بعض الدول، وفي نفس الوقت إعطاء تسهيلات لأثرياء ورجال أعمال يحملون نفس الجنسية !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...