الأربعاء، 18 مارس 2020

يكفي أسئلة


في البداية أهـنئكم بمقدم شهر رمضان الكريم جعله الله شهر رحمة وبركة ومغفرة للجميع.. البارحة فقط تذكرت شيخاً جليلاً في حيّنا القديم كان يتهرب من التحريم - بل ويختفي خلال شهر رمضان خوفاً من الأسئلة التي تتكرر كل عام.. كان كلما سئل عن مسألة من مسائل الدين يـرد على السائل بقوله: "هل تعرف آية أو حديثاً تحرم ما ذكرت؟".. إن قال السائل "لا" يقـول له: "إذاً لماذا تسأل".. وإن قال السائل "لا أعرف آية أو حديثاً" يجيبه بالقاعدة الفقهية العظيمة "الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما ورد فيها نص صحيح"..

هكذا بكل بساطة.. لا تعقيد ولا تضييق ولا خلق محرمات من العـدم.. يعـيدنا دائماً إلى الأصل والمنشأ والمنبع العذب.. لا يدخل في خلافات فقهية ولا مدارس دينية ولا مواقف مذهبية.. كأنه يحاول تعليمنا إن لم تكن تعرف آية أو حديثاً تحرم ما ذكرت فلماذا تضيق على نفسك ومجتمعك.. لماذا تبحث في كل شيء وتسأل عن كل شيء في حين يقول سبحانه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِين آمنُوا لَا تسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لكُمْ تسُـؤْكُم" ويقول نبيه الكريم: "إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم"..

.. لماذا أصبح التحريم هو الأصل والحالة الشائعة، وانتقل التحليل إلى خانة الاستثناء والاحتياج لتصريح رجال الدين.. لا يجب أن ننسى أن الأصــل في الأشياء الإباحة طالما سكت عنها الشرع ولم يحرمها بالاســم.. فجميع المشروبات مثلاً حلال ما عدا الخمر لأنها حُرمت بالاسـم، وجميع التجارة حلال ما عدا الربا والبيوع المحرمة لأنها حرمت بنص صريح، وكل الطعام جائز ما عدا "الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به"..

المحرمات المنصوص عليها في القرآن الكريم محدودة وقليلة بطبيعتها ولا تتجاوز أربعة عشر محرماً - من بينها التحريم بلا نص صريح "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون"..

المحرمات التي تملك نصوصاً واضحة وصريحة هـي (الكبائر) المعروفة حتى للعوام من الناس كالخمر والزنا والسرقة والربا.. لم يختلف عليها العامة ولا الخاصة (ولا حتى المذاهب والفرق المتطاحنة) طوال القرون السابقة.. لا يسأل عنها عامة الناس ولا يختلف عليها فقهاء الأمة ولم يحللها أحـد في أي عصر (لماذا؟) لأنها تملك نصوصاً شرعية واضحة وحاسمة ومعروفة للجميع..

وفي المقابل لاحظ كيف تنحصر أسئلة الناس (حتى الأميين منهم) في الصغائر والمسكوت عنه الأمر الذي تسبب - بمرور السنين - بظهور ومراكمة محرمات لم ينزل الله بها من سلطان.. الأولى بنا عدم اختلاق الأسئلة أو نبش المسكوت عنه أو تضخيم صغائر يتم تكفيرها بالصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان!

.. أيها السادة أتمنى الاكتفاء بقوله تعالى "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً".. فـالتشدد والتضييق يبدأ غالباً من السؤال عن أمر مسكوت عنه لم يرد أصلاً في شرائع الدين..

شرائع الدين التي لم يعد من حق أحد الإضافة عليها بعـد انقطاع الوحي وختم الرسالة ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...