باستثناء المذهب المالكي لا تجيز بقية المذاهب أكل الحشرات.. يستدلون على حرمتها غالباً بقوله تعالى (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ).. غير أن الخبائث هنا وصف نسبي يعتمد على مستوى الضرر ونفور البشر.. فليست جميع الدواب سامة، وليست كل الحشرات مؤذية أو ناقلة للأمراض.. وفي حين ترى أن الصراصير والثعابين والفئران من «الخبائث» لا يراها كذلك المزارعون أو القرويون في الهـند والبيرو وجنوب شرق آسيا.
ونسبية الخُـبث ليست كل ما يعتمد عليه جمهور المالكية في تحليل الحشرات؛ فـهناك أيضاً قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رحِيمٌ).. وهذه الآية تتحدث صراحة على أن المحرمات من الطعام أربعة فقط هي: الميتة والخنزير والدم المسفوح وما أهل لغير الله (ويؤكد اقتصار التحريم على هذه الأربعة عدم وجود أحاديث تخص الحشرات بالحرمة)...
على أي حال لم يكن في نيتي استعراض هذه المقدمة الفقهية كون حديثي يتعلق أساساً بعمل الحشرات كمصدر غذائي لشعوب كثيرة في الماضي والحاضر.. شعوب غير مسلمة في الغالب (ولا تهمها التقسيمات الفقهية أعلاه) أنقذتها الحشرات خلال مجاعات وحروب وكوارث كادت تبيدها تماماً.. خذ كمثال شعوب شرق آسيا (خصوصاً في الصين وفيتنام وكمبوديا وتايلند) التي لا تملك أي محرمات أو ممنوعات في مسألة الأكل والطعام - ولديهم في ذلك قول مأثور مفاده «يمكنك أكل كل شيء يوضع على الطاولة باستثناء الطاولة نفسها»..
والجميل في مسألة الحشرات أنها كثيرة جداً، ومغذية جداً، وسهلة التربية جداً.. فمقابل كل إنسان على كوكب الأرض يوجد مليون نملة وخنفساء وصرصور ويرقة مختلفة.. تملك نسبة عالية من البروتينات (تتراوح بين 40 % إلى 80 %) لا تتوفر في أفضل الحيوانات المستأنسة.. وهي سهلة التربية كونها تتكاثر بسرعة رهيبة على موارد أولية بسيطة - ولا تحتاج بالتالي لمياه أو علف أو أغذية مستوردة.. زرت في فيتنام مزرعة للصراصير فسألت مرافقي ماذا تطعمونها كي تصبح بهذا الحجم فقال: «تقريباً لا شيء فهي تتدبر طعامها وحدها».. ورغـم هذا كنت الشخص الوحيد الذي لم يتناول طبق الصراصير المقلية الذي وضع أمام المجموعة السياحية التي رافقتها.. فالمسألة في النهاية تعتمد على التعـود والألفة وليس على التحليل والتحريم (بدليل امتناع الرسول الكريم عن أكل الضب فسألوه: أحرام هو يا رسول الله فقال لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر...
أيها السادة:
لسنا على عجلة من أمرنا.. وحتى ينضب النـفـط لا أعتقد أننا بحاجة لإنشاء مزارع ضبان وجـراد...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق