الأربعاء، 11 مارس 2020

عدم تحلل الأموات


قناة (التحقيقات الجنائية) ضمن مجموعة ديسكفري هي القناة المفضلة لابنتي الصغيرة مياس.. صحيح أنها تتضمن مناظر مقززة، وجثثا متحللة، ومشاهد جنائية لا يفترض بها رؤيتها.. غير أنني أتسامح في ذلك لأنني من جهة لم ألحظ تأثيرا سلبيا عليها؛ ولأنها من جهة أخرى تتعلم منها كيف تصبح طبيبة شرعية في المستقبل (حسب قولها)..

ومن الحلقات التي رأيناها مؤخرا جريمة قتل طالت عائلة بأكملها في ولاية المسيسبي. ففي ديسمبر 1993 وجدت الشرطة عائلة مقتولة في أحد المخيمات البرية. ودارت الشبهات حول أحد الأقرباء ولكن الشرطة عجزت عن إدانته كونه يعمل في مدينة تبعد آلاف الأميال عن موقع الجريمة. غير أن أحد المحققين علم أنه زار المنطقة قبل الحادث وأدرك إمكانية إدانته إن استطاع تحديد زمن الجريمة بالضبط. وهكذا تم الاستعانة بخبير (في سرعة تحلل الجثث) حدد وفاة العائلة في 14 نوفمبر 1993 وهو نفس التاريخ الذي تثبت فيه تذكرة السفر وجود القاتل في المدينة..

والحقيقة هي أن سرعة تحلل الجثث أصبحت علما لا يجيده سوى الخبراء في الطب الجنائي.. فسرعة التحلل تعتمد على نوع البكتيريا، وطبيعة الأرض، وسن الضحية، والبيئة المحيطة، وطقس المنطقة، ودرجة الحرارة (الأخيرة تذكرني بشاب سوداني يعمل في شركة نرويجية مهمتها نقل الموتى إلى جنوب البلاد، كون شمال البلاد البارد يمنع تحللهم في التراب)..

في الماضي كان الأمر يعتمد على خبرات المحقق وتجاربه السابقة.. ولكن في مطلع السبعينيات قدم الدكتور وليام باس لمجلس جامعة تينسي أغرب طلب يمكن أن يسمعه مسؤول.. فقد طلب قطعة أرض يَدرس فيها (على الواقع) ويُدرس من خلالها الطلاب كيفية تحلل الجثث البشرية.. فقد لاحظ أن أسئلة الشرطة تدور دائما حول نقطة واحدة هي (متى حدثت الوفاة؟) الأمر الذي نبهه إلى عدم وجود تخصص علمي أو خبرة أكاديمية يعتمد عليها لتقديم إجابة دقيقة. ومن هنا أخذ على عاتقه تأسيس فرع علمي جديد يهتم برصد مراحل الوفاة وتحلل الجثث وعلاقة الظروف المحيطة بتسريع أو إبطاء هذه العملية...

وهكذا ظهرت الى الوجود ما يعرف شعبيا ب"مزرعة الجثث" التي تضم في كل سنة ما لا يقل عن أربعين جثة ملقاة على الأرض أو معلقة بالأشجار أو مغطاة بطبقة رقيقة من التراب والأوراق اليابسة (في ظروف جوية وبيئية مختلفة).

ويعمل في هذه المزرعة أساتذة ورجال شرطة وطلاب يتدربون على التخصص في هذا المجال.. وتهتم إدارة المزرعة بدراسة مراحل التحلل، وكم تستغرق، ودور البكتيريا والحشرات، وتأثير العوامل الجوية المحيطة بالجثة.. كما يتم دراسة علاقة العمر والوزن والجنس بسرعة التحلل ونشاط البكتيريا وطبيعة الأرض ذاتها.. وبفضل هذه المزرعة أصبحت جامعة تينسي المرجع الأول عالميا فيما يخص جرائم القتل وتحديد الزمن الدقيق للوفاة ووقوع الجريمة..

وحين افتتحت المزرعة لأول مرة عام 1971 لم يكن لدى الدكتور وليم غير جثة وحيدة مجهولة بقي يراقبها لمدة عام كامل. أما اليوم فيتجاوز عدد المتبرعين بأجسادهم مقدما الأربعمائة شخص بعضهم من الطلاب المتدربين فيها (رغم أن مساحة الأرض ذاتها لا تستوعب أكثر من أربعين جثة توضع كل منها في بيئة وظروف خاصة)!

.. ورغم اختلاف الآراء حول وجود مزرعة من هذا النوع؛ إلا أنها ساعدت في حل آلاف الجرائم الغامضة، كثير منها حدث خارج ولاية تينسي.

.. أخشى ما أخشاه أن تطلب مني إكمال تخصصها هناك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...