الأربعاء، 11 مارس 2020

لوسي


فهم دماغ الانسان أصعب بكثير من غزو الفضاء ومحاولة البحث عن مخلوقات كونية بعيدة.. يملك خلايا عصبية أكثر من أي نجوم يمكن إحصاؤها.. وأكثر تعقيداً من أي أرقام سرية يمكن تصورها.. يتداخل مع أرواحنا وشخصياتنا وأعضائنا وما يحيط بنا ليخرج بمشاعر راقية وغير مفهومة كالوعي والعقل والإدراك والإحساس بالوجود..

هذا الغموض يعزز الادعاء القديم بأن البشر لا يستعملون سوى 10% من أدمغتهم.. ورغم أنه "ادعاء" إلا أنه يصعب نقضه لأننا لا نعرف فعلا النسب التي تعمل بها أدمغتنا.. وفي أي المواقف بالضبط..

حين تتبعت مصدر هذا الادعاء وجدت أن عالم نفس شهيرا (يدعى جيمس وليم) صرح عام 1907 بأن الانسان لا يستخدم سوى جزء صغير من قدراته العقلية.. غير أن كلامه هذا حُرف في المجلات العلمية إلى أن "الانسان لا يستخدم سوى 10% من دماغه".. وليس قدراته العقلية..

وفي جميع الأحوال عاش هذا الادعاء وأصبح رائجا ويردده حتى المختصين في علم النفس والأعصاب.. فنحن نملك من الأساس أدمغة رائعة ومدهشة قادرة على التفكير والابتكار والتخيل، وتفسير ما تلتقطه الحواس.. ناهيك عن الاستبصار والتخاطر والحلم بالمستقبل وفبركة الأحداث خلال النوم.. كل هذا يحدث باستخدام عشرة بالمئة فقط (حسب الفرضية) ودون الحاجة لتشغيل التسعين بالمئة المتبقية من مادة الدماغ..

وهنا يبرز سؤال مشترك في أذهان الجميع:

ماذا سيحدث حين تعمل أدمغتنا بكامل إمكاناتها؟

وهل العشرة بالمئة قادرة أصلا على تصور ما سيحدث حين تعمل بقية التسعين بالمئة بكامل طاقتها؟!

المخرج والكاتب الفرنسي (لوك بيسون) حاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال فيلم خيالي جميل يدعى "لوسي".. يدور حول فتاة أميركية تدرس الفن الصيني في تايوان.. وخلال دراستها تتورط مع عصابة لتهريب المخدرات تزرع في أحشائها مادة تم تصنيعها حديثا.. وبسبب تعرضها للضرب والركل تتسرب المادة المزروعة في بطنها إلى مجرى الدم.. وحين تصل إلى دماغها تحفزه للعمل بمستويات تفوق نسبة العشرة بالمئة - حتى يرتفع في نهاية الفيلم إلى 100%..

وبفضل هذه المادة (التي تدعى اختصارا C.P.H.4) تصبح لوسي إنسانة خارقة ذهنيا وحسيا بحيث يمكنها قراءة أفكار البشر وتعلم اللغات واستيعاب المعلومات بشكل فوري.. ناهيك عن قدرتها على التخاطر والاستبصار وتحريك الأشياء ذهنياً والسيطرة على الأجهزة والدوائر والشرائح الإلكترونية..

غير أن هذه المادة (التي سمعت في الفيلم أنها تفرز لدى الجنين في أسبوع الحمل السادس وتدفع عظامه للتكون من العدم) تتسبب في تدمير جسدها كلما اقترب دماغها من الوصول لنسبته القصوى.. وهذا بالفعل ما يحدث في نهاية الفيلم حيث يتلاشى جسدها نهائيا في حين يصبح عقلها كونيا يندمج مع ذرات المادة ويصبح في كل مكان تقريبا.. وبفضل اختفاء جسدها يتحرر عقلها بشكل كامل ويصبح بإمكانها السفر عبر الزمن والعودة إلى الماضي السحيق والتواصل مع أول أنثى بشرية ظهرت قبل ملايين السنين وتدعى أيضا لوسي..

والحقيقة هي أن المفكر المصري مصطفى محمود سبق المخرج الفرنسي بيسون في فكرة تلاشي الجسد مقابل تحوله لطاقة (في رواية رجل تحت الصفر حيث يتلاشى الدكتور شاهين ويتحول إلى طاقة أثيرية تسافر في أرجاء الزمان والمكان).. غير أن فيلم لوسي يركز على فرضية العشرة بالمئة، وما يمكن أن يحدث حين يعمل الدماغ البشري بقدراته القصوى..

السؤال الذي يهمنا مرة أخرى:

هل يمكن لأي نسبة (تعمل بها أدمغتنا) تصور ما سيحدث حين تعمل (جميع) خلاياه العصبية في نفس الوقت والتنسيق؟

.. أنا شخصيا أشك في قدرة أدمغتنا حتى على فهم نفسها!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...