الأربعاء، 18 مارس 2020

من يعرف (مشرفة)؟


ولـد في دمياط في صفر 1316هـ، واسمه الكامل (علي مصطفى مشرفة باشا).. كان والده تاجر قطن ثرياً، افتقر بعد انهيار صناعة القطن العام 1907 لدرجة اضطر لبيع بيته والهجرة للقاهرة.. أبدى منذ طفولته نبوغاً ملحوظاً، وكان متفوقاً في المراحل الدراسية كافة.. تخرج من مدرسة المعلمين العليا العام 1917 بتفوق جعل وزارة المعارف المصرية ترشحه للابتعاث إلى جامعة توتنغهام الإنجليزية.. وفي العام 1923 أصبح أول طالب مصري وعربي يحصل على درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم من إنجلترا، ولم يتجاوز بعد الخامسة والعشرين من عمره.. وبعد عام واحد فقط حصل على دكتوراه أخرى في العلوم من جامعة لندن (وكانت حينها درجة علمية عالية لم يحصل عليها سوى 11 عالماً في الغرب، وكان مشرفة أول عربي يحصل عليها في هذا التخصص).. وفي العام 1936 أصبح عميداً لكلية العلوم في القاهرة، وتتلمذ على يديه عدد كبير من عباقرة مصر في الفيزياء والرياضيات (من أبرزهم عالمة الذرة سميرة موسى التي أرجو أن تبحث عنها في الإنترنت)...

وخلال هذه الفترة اشتهر الدكتور مشرفة على مستوى العالم بفضل أبحاثه الفيزيائية المميزة، الأمر الذي لفت انتباه الملك فاروق فمنحه لقب «باشا».. لُقّب بأينشتاين العرب؛ لأن أبحاثه واكتشافاته كانت تسير بنفس التوازي والمستوى مع أبحاث معاصره عالم الفيزياء أينشتاين.. وفي العام 1947 استدعي لجامعة برنستون الأميركية لمناقشة أينشتاين في نظريته النسبية أمام التلاميذ، فبدأت الصحف تطلق عليه لقب «أستاذ أينشتاين» في حين أصبح معروفاً بين عامة المصريين بــ(أينشتاين باشا)...

وكان أينشتاين يحترمه كثيراً؛ لأنه سبقه في إثبات أن المادة والإشعاع صورتان لحالة واحدة (العام 1932)، وتوسعه في تفصيل مجالات الاستفادة من النظرية النسبية في المستقبل.. وكان مشرفة من القلائل الذين عرفوا سـر فلق الذرة (التي كان يرفضها أينشتاين)، وأحد العلماء الذين ناهضوا استخدامها في صنع قنابل ذرية.. وحين سمع بإلقـاء أول قنبلتين ذريتين على اليابان أعلن قبل غـيره من العلماء عن إمكانية صنع مثل هذه القنبلة من الهيدروجين.. غير أنه ندم لاحقاً على هذا التصريح، وأعلن معارضته لصنع القنبلة الهيدروجينية مستقبلاً، (ولكنها صنعت فعلاً بعد وفاته في أميركا وروسيا). وكانت نظريته في الإشعاع والسرعة سببًا في شهرته وعالميته، حيث أثبت أن المادة والإشعاع صورتان لشيء واحد، ويمكن لأحدهما أن يتحول للآخر (وهي الفكرة التي صاغها أينشتاين لاحقاً في معادلة شهيرة عن علاقة الطاقة بالكتلة).

تجاوزت كتبه الخمسين كتاباً، أملك منها الميكانيكا العلمية والنظرية، والهندسة الوصفية، والهندسة الفراغية، وحساب المثلثات المستوية، والذرة والقنابل الذرية، والعلم والحياة... وهذا غير تحقيقه الكثير من كتب التراث (كالجبر والمقابلة للخوارزمي)، وترجمة العديد من أمهات الكتب الأجنبية كالطبيعة النظرية لولسون، والنظرية النسبية الخاصة لأينشتاين!

وفي يوم الاثنين 15 يناير 1950م توفي الدكتور مشرفة بعد حياة علمية ناشطة بتوقف مفاجئ بالقلب (قيل إنه ناجم عن سم دس له من قبل أعوان الملك فاروق).. وحين سمع أينشتاين بوفاته قال: «لا أصدق أننا فقدنا رجلاً مذهلاً وعقلاً رائعاً مثله»...

أما الهدف من مقالنا اليوم (يا أمة العرب) فهو مجرد التعريف بعقل رائع لم يشتهر يوماً بالخطابة أو الرواية أو قرض الشعـر...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...