الأربعاء، 11 مارس 2020

الواحد الذي يملك نصف ثروة العالم


نصف ثروات العالم تتركز هذه الأيام في أيدي واحد بالمئة فقط من البشر.. هذا ما أكدته وحدة الأبحاث الاقتصادية في مؤسسة كريدت سويس السويسرية Credit Suisse.

وهي ظاهرة لا تحدث فقط على مستوى العالم، بل وأيضاً على مستوى كل دولة على حدة (حيث تتركز معظم الثروات في معظم المجتمعات في أيدي مجموعة قليلة من الأثرياء)..

والمدهش أكثر أن التقرير يشير إلى أن امتلاك 3,210 دولارات فقط يجعل الإنسان ضمن 50% من أغنى البشر، وامتلاك 68,800 دولار يجعله ضمن 10% من أغنى البشر، في حين أن امتلاك مبلغ يزيد عن 759,900 يجعله ضمن الواحد بالمئة الذين يملكون نصف ثروات العالم..

غير أننا نعلم أن هناك من يملك أكثر بكثير عن المبلغ الأخير (الذي يساوي تقريبا 2,849,625 ريالا).. ويعود السبب إلى أن عامة الناس يصرفون مداخيلهم بسرعة كبيرة ولا يحتفظون بما يوازي هذا المبلغ (وليس أدل على هذا من تبخر الراتب في ثاني أسبوع)..

وفي المقابل يعد الأثرياء عموماً حالة نادرة مقارنة ببقية البشر ويزدادون ندرة كلما ارتفعنا في سلم الثروة.. فعلى مستوى العالم أجمع لا يزيد عدد من يملكون 50 مليون دولار (وأكثر) عن 124 ألف شخص فقط.. ومن يملكون 100 مليون دولار (وأكثر) عن 45 ألف شخص فقط.. في حين لا يزيد عدد البليونيرات الذين تخطت ثروتهم مليار دولار عن 1826 شخصاً فقط (حسب مجلة فوربس) يستحوذون لوحدهم على 41% من ثروات البشر (مقارنة بسبعة مليارات إنسان يعيشون على كوكب الأرض)..

وبدون شك؛ تركز ثروة المجتمع في يد قلة معدودة مشكلة يعاني منها الجميع.. ففي روسيا مثلا تتركز نصف ثروة البلاد في أيدي 110 أشخاص فقط.. وفي بريطانيا يملك (أكبر ألف غني) ثلث ثروة البلاد.. وفي أميركا يملك أكبر 400 ثري أموالاً تفوق النصف الأدنى من الشعب..

وكان عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكتي قد نشر كتاباً بعنوان "الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين" أثبت فيه أن الرأسمالية تهدم نفسها بنفسها حتى في الدول الديموقراطية بسبب الارتفاع المتواصل لثروات الأغنياء وتقلص مدخرات الطبقة المتوسطة التي تكافح للبقاء فوق خط الفقر (وقدم نماذج لتنامي هذه الظاهرة في فرنسا وأميركا وكندا وبريطانيا)...

ومن الأمثلة التي قدمها في كتابه أن الواحد في المئة في بريطانيا وأميركا كانوا يستحوذون (عام 1950) على عُشر ثروات البلاد، ولكن ثرواتهم تصاعدت في السنوات الستين الأخيرة حتى أصبحوا اليوم يمتلكون نصف ثروات البلاد.. وفي هولندا وأسبانيا وليثوانيا أصبح الخُمس الأكثر ثراء (من الشعب) يستحوذ على 40% من ثروات البلاد بعد أن كانوا يمتلكون 35% منها عام 1950!!

والمشكلة في نظري أن النظام الرأسمالي أصبح يعاني (وبمرور الزمن) من مأزق اقتصادي وأخلاقي حقيقي.. فمن جهه هناك الاستحواذ المتزايد من الأثرياء على ثروات المجتمع، ومن جهة أخرى يشكل وجود الأثرياء عصب الاقتصاد الحر وقطاع الأعمال المزدهر.. فمعظم الأثرياء (وخذ كمثال قائمة أغنى400 رجل في أميركا) صنعوا أنفسهم بأنفسهم واكتسبوا أموالهم بطريقة نزيهة وغير مخالفة للقانون.. وخلال سعيهم لبناء ثرواتهم الشخصية خلقوا وظائف، وقدموا ضرائب، ورفعوا نسبة الإنتاج، وبنوا في المحصلة اقتصاد البلاد (ولك أن تتأمل سيرة هنري فورد أو بيل جيتس لتدرك كم وظيفة خلقوا وكم أرباحاً حققوها لبلادهم)..

وبناء عليه لا أعتقد أن المشكلة تكمن في وجود الطبقة الثرية ذاتها، بل في وجود تركيبة اقتصادية أو سياسية تزيد من حدة الفوارق بين رأس الهرم وقاعدته.. في وجود بيئة غير شفافة تشجع على استقطاب الأموال ومراكمة الثروات وتدفق مدخرات البسطاء لجيوب الأثرياء بدل حدوث العكس..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...