معظمنا سمع عن الحكم الذي صدر مؤخراً (من محكمة بوسطن الأميركية) والقاضي بتعويض الدكتورة "حياة سندي" بـ13 مليون ريال في قضية "تشويه سمعة" ضد سيدتين من السعودية..
وكانت سيدة سعودية تبلغ من العمر 77 عامًا قد قامت بمساعدة ابنتها بنشر اتهامات ضد سندي عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتبرتها الدكتورة حياة (عضو مجلس الشورى) مصدر إحراج وإذلال لها.. ووفقاً للخبر فإن الخلاف بين حياة سندي من جانب، والأم وابنتها من جانب آخر، لـه ــ على ما يبدو ــ أبعاد اجتماعية أو عائلية خاصة..
هذا الخبر ــ وبصرف النظر عن حيثيات القضية ــ يثير في رؤوسنا تساؤلات كثيرة؟
فلماذا مثلاً لم ترفع الدكتورة حياة دعواها في محكمة سعودية؟.. هل هو نفس السبب الذي من أجله أصبحت مطلقاتنا يرفعن قضايا التعويض في محاكم أجنبية؟ أم لأن القضاء الأميركي يقيم وزناً أكبر لقضايا القذف وتشويه السمعة؟
هل لأن فقهاءنا لا يجيزون أخذ تعويض مادي مقابل الضرر المعنوي، أم لأن محاكمنا لا تملك ببساطة قوانين وتشريعات واضحة بهذا الخصوص؟
.. وإن رجحنا رأي الفقهاء (القائل بعدم جواز التعويض المادي مقابل الضرر المعنوي) فـأين الحلول البديلة، وكيف نعوض الضحية عن الأضرار المادية التي تطال مهنته أو وظيفته أو فرصه المستقبلية؟
هل تكمن جذور المشكلة في ثقافتنا المحلية التي ترى أن التطاول والشتيمة (أبسط) من أي تعويض مادي.. ألهذا السبب نستغرب التعويضات الخيالية التي تأمر بها المحاكم الغربية لقضايا قدح وذم نراها بسيطة.. نستغرب كيف تحكم على صحيفة ديلي ستار بتعويض الممثل جيفري آرثر بــ3,5 ملايين ريال (من أجل صورة) أو على صحيفة مغمورة بتعويض النجم توم كروز بثلاثة ملايين دولار (لأنها ادّعت إصابته بالعجز الجنسي)!!
... شرعنا الإسلامي كان صارماً بهذا الخصوص ولم يجز حتى التصالح في حـد القذف (وراجع قول ابن قتامة الحنبلي في كتاب المُغـني).. أقـر ثمانين جلدة لمن يقذف المحصنات وترك ما تبقى لتقدير القاضي بحسب التهمة وحجم الضرر..
حان الوقت لإعادة التفكير في القيمة الحقيقية لسمعة الإنسان واعتبارها أثمن ما يملك.. يجب أن نفكر جدياً في مسألة التعويض المادي مراعاة للمستجدات وتغير أحوال الناس هذه الأيام.. يجب أن نعترف بأن لحوم الناس أيضاً "مسمومة" وأن التعويض المالي لا يعوض الضحية عن الأضرار النفسية والاجتماعية والمهنية ــ ولكنه يرسل رسالة قوية لكل من يفكر مستقبلاً بالتطاول على سمعة الآخرين..
شفاعة الطيبين (وحب الخشوم) تسببت في التشجيع على التطاول بنية الاعتذار لاحقاً (أو في حال تأزمت الأمور).. إصلاح ذات البين، وإنهاء القضايا ودياً لن يوقف سيل القذائف والشتائم التي أصبحت تقتحم بيوت الناس عبر الواتسآب وسائل التواصل الاجتماعي (التي أثبتت أننا لا نتحرج من أكل لحوم الناس من وراء حجاب).. يجب أن توضع بشأنها تشريعات حاسمة وعقوبات واضحة بوضوح قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته (البينة أو حدّ في ظهرك)..
ـــ أيها السادة
قبل خمس سنوات طالبت وزارة الداخلية (في مقال: حان الوقت لقانون الكراهية) بسن قوانين واضحة لمكافحة التحريض والكراهية والنعرات الطائفية.. واليوم أطالب وزارة العدل بسن قوانين واضحة لمكافحة القذف والتطاول والشتائم الفردية..
ومازلنا بالانتظار..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق