حين أكتب أي مقال أتوقع (بحكم الخبرة) طبيعة الردود التي ستظهر حوله.. فمن الطبيعي أن ينقسم الناس أمام أي رأي يُطرح أمامهم.. من الطبيعي أن يستقطب رأيـك مؤيدين وناقدين ومشككين بمجرد طرحه بين أصدقائك - فكيف حين تطرحه على الآلاف من وراء حجاب...
وحين كتبت يوم الأربعاء الماضي مقالاً بعنوان (كيف أخلينا بترتيب مصادر الدين) توقعت ظهور نقـاد أستفيد من رأيهم، وعابري سبيل يجتزئون الكلام من سياقه، وأتباع يكررون الأسطوانة القديمة «من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب»..
توقعت ظهور من يتجاهل الفكرة الأساسية للمقال (وهي ضرورة ترتيب المصادر والبدء أولاً بالقرآن والسنة) ويركز على كلمة أو سطر أو مسألة فرعية (مثل حكم تغطية وجه المرأة)..
ما طالبت به هو بكل بساطة مراعاة «ترتيب المصادر» في أي فتوى أو مسألة فقهية.. من يشغله وجــه المرأة مثلاً عليه أن يبدأ بالقرآن الكريم ويبحث أولاً عن آية صريحة تتحدث عن «الوجـه» أو تحدد لـون العباية أو طريقة لبس الحجاب.. عليه أن يتوقف عند آية الحجاب ويعرف أسباب نزولها ولماذا يقول بعض المفسرين إنها خاصة بنساء النبي ﷺ فقط.. عليه أن يراجع تفسير الصحابة والتابعين لقوله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) وقول ابن عباس إن ما ظهر منها هو الوجه والكفان...
.. فـإن لم يجد شيئاً صريحاً في القرآن ينتقل إلى المصدر التالي له (السنة النبوية) ويتأكد من صحة حديث السيدة أسماء، والمرأة الخثعمية، وسعفاء الخدين، وحديث سبي صفية في صحيح البخاري (رقم 3/378) ومسلم (رقم 4/146) حيث قال الصحابة حين دخل بها الرسول: «ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد، فقالوا إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد»...
.. ترتيب مصادر الدين يبدأ بما قال الله وقال الرسول قبل البحث عن أي مصدر تالي(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)..
فـفي حال لم يجد أو أشكل عليه الفهم (ولا أعلم كيف يصعب فهم شيء واضح كحديث أسماء وتفسير ابن عباس) يعود بعدها إلى أقوال العلماء والفقهاء، وهل أجمعوا على رأي واحـد أم اختلفوا في المسألة رحمة بالعالمين..
وفي حال اختلفوا في المسألة (وهذا هو الغالب في كل مسألة لم يرد فيها نص صريح) على السائل أن لا يشق على نفسه ومجتمعه بكثرة السؤال ومطاردة الفقهاء.. عليه أن يلتزم بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).. عليه أن يحمد الله على سعة الأمر؛ لأن عدم وجود نـص شرعي صريح يعني أن المسألة مسكوت عنها (فـالعلماء كما قلنا لا يختلفون في المسائل التي تملك نصوصاً صريحة وقاطعة كتحريم الخمر والميسر ولحم الخنزير)...
وبطبيعة الحال من حق كل قارئ تجاهل كل هذا الكلام وتقديم رأي شيخه الخاص.. ولكن تذكر جيداً أن آراء الفقهاء نفسها ليست من مصادر التشريع كونها قــد تتعارض، أو تتقاطع، أو تختلف من حيث التأويل وفهم النصوص.. لا يجوز الأخـذ بها في حال توفر نص صريح (كما لا يجوز الأخذ بها إن لم يتوفر نص صريح) لأن الدين اكتمل بوفاة نبينا محمد، والتحليل والتحريم أمـر خاص برب العـالمين...
يقول الإمام أحمد: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته فيذهبون إلى رأي سفيان الثوري»
... قــال هذا رغم اعترافه بعلم ومكانة سفيان الثوري...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق