الخميس، 12 مارس 2020

من يقرر النجاح.. الكاتب أم الكتاب؟


قرأت قبل فترة تقريرا عن ظروف النشر في أميركا جاء فيه أن نسبة قبول الكتب والروايات الرجالية تفوق النسائية بنسبة 40%..

فبحسب أرقام 2015 اتضح أن دور النشر وافقت على نشر كتب للمؤلفات النساء أقـل من المؤلفين الرجال.

صحيح أن هذا لا يعـني عدم نجاح الكتب النسائية (فـدور النشر لا يهمها في النهاية سوى الأرباح) بــل وجود انتقاء مبدئي حتى حين تـتساوى جودة العملين..

والغريب أكثر (وها نحن ننتقل الى قسم التسويق) أن المؤلف الذي يملك كتابا ناجحا يسهل عليه نشر كتبه التالية وتحقيق نجاحات مماثلة حتى حين ينخفض مستواه.. ويكمن السر في تحول الكاتب نفسه إلى "ماركة ناجحة" تشبه أفلام هوليود المتسلسلة (حيث نجاح الجزء الأول من الفيلم يضمن نجاح الجزء الثاني بنسبة 80% حتى قبل عرضه في دور السينما)..

وكنت شخصيا قد كتبت (في أغسطس 2015) مقالا تحدثت فيه عن خطورة تحول الكاتب الى ماركة تجارية.. فـالمؤلف أو الكاتـب قـد يتحول بعد فـترة طويلة من العمل المخلص إلى "ماركة تجارية" تعتمد على شهرة وشعبية الاسم فقط.. وحين يصل لهذه المرحلة تـتهافت عليه الصحف ودور النشر دون السؤال عن طبيعة أو جودة ما يكتب.. وضربت حينها مثلا بـأنيس منصور الذي أصبح في آخر حياته يكتب لمجرد الكتابة وأصبحت الصحف تستقطبه لمجرد التباهي بوجوده.. وهناك أيضا حسنين هيكل الذي انتهى فكرياً عند ستينيات أو سبعينيات القرن الماضي ومع هذا استمر في الكتابة عن أيام عبدالناصر والاتحاد السوفياتي ودول عدم الانحياز.. ويلاحظ على كلا النموذجين فبركة القصص وتكرارها والحديث عن أزمنة سابقة لم تعد تهم الجيل الحالي - ومع هذا كانوا يلقون نجاحا وإقبالا ويستلمون عوائد مجزية..

وهناك قصة جميلة ومعروفة في عالم النشر قام بها مؤلف أميركي شاب عجز عن نشر أعماله رغم كل المحاولات.. وفي النهاية توصل تشكروز لـقناعة بـأن دور النشر الكبيرة لا تهتم بالأعمال الناشئة بقدر اهتمامها بالأسماء الكبيرة والمعـروفة.. وهكذا قرر فضحها والانتقام منها فــنسخ رواية قديمة موجودة في الأسواق تدعى Steps ووضع اسمه عليها وأرسلها الى أربع دور نشر معروفة (من ضمنها راندوم هاوس Random House التي نشرت الرواية الأصلية).. وقد اختار هذه الرواية بالذات كونها فازت بجائزة الأدب الأميركي عام 1969 وبيع منها أربعة ملايين نسخة حتى 1975 ــ والأهم من هذا أنها من تأليف الكاتب الأميركي المشهور جرسيكسنزكي!

والمفارقة هنا أن دور النشر الأربع (بما فيها راندوم هاوس) رفضت نشر الرواية بحجج تراوحت بين "تفكك البنية الأدبية" و"ضعف الحبكة القصصية" و"ركاكة اللغـة المحكية" ووو..

.. وحين سمعت أستاذة الأدب الانجليزي "ماري سين" بما حصل قررت تدبير مـقلب معاكس تماما.. فقد قامت بسحب قصص مجهولة (من الانترنت) وأرسلتها لزملائها النقاد في الجامعات الأخرى.. وادعت حينها أنها قصص قصيرة مستقطعة من روايات طويلة للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز ــ بـل ادعت أن آخر قصتين استقطعتا من أعمال "شكسبير".. وبسبب الثقل الأدبي والتاريخي لهذين الاسمين تلقـت سيلا من رسائل الثناء والمديح وتوقع لها "النقاد" نجاح الفكرة وصلاحية القصص للنشر في حين كانت مجرد محاولات ركيكة ومجهولة من الانترنت!

.. وقبل أن أغادر؛ أنصح الكتاب المبتدئين بـنشر أعمالهم على الإنترنت أولا (وإنزالها كحلقات) لقـياس مدى الإقبال عليها قبل طبعها بالطريقة التقليدية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...