الأربعاء، 11 مارس 2020

حول العالم في 80 يوماً


لم أختر عنوان هذه الزاوية بنفسي، بل اختاره قبل ثلاثة وعشرين عاما محرر سوداني كان يعمل في جريدة المدينة.. ورغم أنني كنت أراه كلاسيكياً وقديما حتى في ذلك الوقت لم أعترض كوني من جهة مبتدئاً لايملك غير الموافقة ومن جهة أخرى معجبا برواية "حول العالم في 80 يوما"!

... وهذه الرواية كتبها الفرنسي جول فيرن عام 1873 وتعد معلما بارزا في أدب الرحلات.. أما بطلها فثري انجليزي يدعى فيلياس فوج يقرر الدوران حول العالم لكسب رهان ضخم مع أصدقائه الأثرياء.. ويبدو أن المؤلف رغم فرنسيته اختار لروايته شخصية انجليزية لأسباب وجيهة من أهمها حب الانجليز للرهان والترحال.. ومع هذا لم ينس أن يختار لبطل الرواية معاونا فرنسيا فائق الذكاء يدعى جان باسبارتو يخدمه ويشاركه مغامرة الدوران حول العالم!

... وحتى في ذلك الوقت كان جول فيرن يحاول إخبارنا بأن العالم قد أصبح صغيرا لدرجة يمكن الدوران حوله خلال 80 يوما (فكيف لو سمع بقدرتنا اليوم على لفه في 80 ساعة فقط)!

أما لماذا هذا الرقم بالذات؟ فيتضح من الحوار الذي يدور بين بطل الرواية وأصدقائه في نادي الأثرياء حيث يقول صديقه ستيوارت معلقا على سرقة أحد البنوك في لندن:

لابد أن السارق رجل داهية كون الشرطة عجزت عن العثور عليه حتى اليوم..

فيجيب السيد رالف: ولكن أين يهرب وهو ملاحق في قطارات العالم كلها؟

فيقول ستيوارت: لا أدري.. ولكن بلاد الله واسعة...

وهنا يتدخل بطل الرواية فيلياس فوغ ويقول: كانت واسعة فيما مضى..

فيستغرب ستيوارت ويقول: ماذا تقصد فيما مضى؟ قد انكمش حجم الكوكب مثلا؟

فيجيبه رالف: لا؛ ولكننا أصبحنا اليوم نتنقل أسرع بعشر مرات مما كنا عليه منذ مئة عام.

فيؤكد فيلياس فوغ كلامه ويقول: بل ويمكننا الدوران حول الأرض كلها خلال ثمانين يوماً فقط..

... وهنا يبدأ أعضاء النادي بالتشكيك في إمكانية الدوران حول العالم خلال هذا الوقت القصير (خصوصا في وقت لم تخترع فيه الطائرات النفاثة).. غير أن فيلياس فوغ (الذي لا يعلم أصدقاؤه أن ثروته شارفت على النضوب) يراهن الجميع بمبالغ ضخمة على قدرته على فعل ذلك.. وبدون تردد يقبل أصدقاؤه الرهان ويتفقون على ملاقاته بعد ثمانين يوما أمام باب النادي (وتحديدا قبل الساعة 8:45 دقيقة مساءً وإلا سيخسر الرهان ويدفع مبلغا كبيرا لأعضاء النادي)!

... وهكذا تبدأ رحلة فوج حول العالم حيث يمر بمغامرات شيقة في مصر والهند والصين واليابان وأميركا قبل أن يعود لأوروبا عن طريق البحر.. وبسبب العقبات التي يواجهها (ناهيك عن مطاردة الشرطة له وزواجه في الهند) يصل الى لندن متأخرا عن الموعد ببضع ساعات فقط!

وهكذا يخسر فوج الرهان ويخسر ما تبقى من ثروته لصالح أعضاء النادي..

ولكنه أثناء عودته للمنزل يدرك فجأة أنه أخطأ في حساب الأيام، وأنه على العكس تماما اختصر يوما كاملا من رحلته بسبب دورانه حول الأرض من الشرق الى الغرب (وليس العكس حيث ستزيد رحلته يوما لو فعل ذلك). وهكذا يعود ليكسب الرهان مجددا ويثبت للجميع أن العالم أصبح بالفعل قرية صغيرة حتى قبل ظهور البوينج وشبكة الانترنت!

.. ورغم أن فيرن كتب القصة قبل 142 عاما إلا أنها ألهمت رحالة كُثرا لتفعيل هذا الحلم والدوران فعلا حول الأرض.. وأنا شخصيا لم أكتف باقتباس عنوانها لكتابي الأخير (حول العالم في 80 مقالا) بل وحاولت تطبيقه فعليا والكتابة عما زرته ورأيته فقط تحقيقا للوعد الذي وضعته على الغلاف.. (المؤلف كان هناك)!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...