الأحد، 27 أكتوبر 2019

لقاء مع الفوزان


سجلت مؤخراً لقاء متلفزاً مع كاتبنا الجميل راشد الفوزان.. وكنت قد اعتذرت في البداية (كوني غير متخصص في الاقتصاد) ولكن الاستاذ راشد استمر بتذكيري بمقالات كتبتها في هذا الجانب تستحق- حسب رأيه - الحديث عنها.

وحين التقينا في الاستديو أدركت كم هو ممتع الحديث مع هذا الرجل بعيداً عن أعين الكاميرا - لدرجة تخيلت ماذا سيحدث لو سُجل كلامنا كحلقة ثانية.. وبعد الانتهاء من تصوير الحلقة (التي ستظهر مساء الغد الأحد في CNBS عربية) كنت ما أزال أحمل أوراقاً مكتوبة تضمنت أفكاراً ومحاور كنت أنوي استعراضها في اللقاء.. أعدت قراءتها في تاكسي العودة قبل أن أقرر إعادة صياغتها كمقال..

... ومن هذه الأفكار ورؤس الأقلام:

إن التحايل الفقهي عادة قديمة ألفت فيها كتب ورسائل، وحيل الفقهاء ظهرت في جميع العصور.. الفرق أنها موجودة اليوم بشكل هيئات شرعية تتلقى رواتبها من المؤسسات والجهات ذات العلاقة...

يجب الاعتراف أنه تحت حجة أسلمة المعاملات ظهرت منتجات حلال في ظاهرها، ظالمه في باطنها، خارقة في أرباحها، تعجز البنوك العالمية والربوية عن مجاراتها..

كيلو الحديد الخام يكلف ريالين أو ثلاثة ولكن معرفة سر تصنيعه (كقطع غيار مثلا) يرفع سعره إلى ألفين وثلاثة.. وهذا هو اقتصاد المعرفة الذي ساهم في ثراء دول لاتملك ثروات طبيعية!

برميل النفط مهما ارتفع يظل أرخص من برميل البيرة وزيت الزيتون بل وبرميل الطرشي.. وهي حقيقة تحتم علينا السعي لتحويل إنتاجنا (كاملاً) لمواد مصنعة مشتقة من الخام ذاته.

تعودنا على الخدمات المجانية هو سبب تخلفها وإعاقة تطورها؛ فرغم أننا نضرب المثل دائماً برقي الخدمات في الدول المتقدمة نتجاهل أنها خدمات مدفوعة الثمن تمولها (ضرائب تقصم الظهر)

الشعار التجاري الناجح يرفع ثمن أي سلعة حتى عشرة أضعافها.. والشركات العابرة للقارات تحصل على معظم أرباحها في السعودية من خدمة تأجير الشعارات وربطها بالمنتجات المحلية..

المال يحقق السعادة فعلاً.. ولكن فور حصولك عليه فقط.. فبعد أيام تتعود على وجوده، في حين لا تحقق أي زيادات لاحقة سعادة تقارن بما حصل في المرة الأولى..

من مفارقات هذا الزمان تقاضي رؤساء الدول الديموقراطية الثرية رواتب تافهة مقابل استيلاء زعماء الدول الفقيرة على مفاتيح تنوء باستيعابها قائمتا فوربس وفورشن لأغنى أغنياء العالم.

-أمريكا أنفقت 400 مليار دولار لتمويل حربها في العراق وأفغانستان.. ومبلغ كهذا كان كفيلاً بتأليف شعوب المنطقة وكسب ودها واحترامها لو قدم كمساعدات إنسانية أو تعليمية أو بنية تحتية.

رغم أن الدول الاستعمارية تخلت عن فكرة الاحتلال العسكري تملك اليوم شركات عابرة للقارات تلعب دوراً مماثلاً ومؤثراً من خلال توكيل أو مشاركة أو رشوة المسؤولين في البلدان المعنية!!

.. المفارقة أيها السادة أن الحلقة سارت في اتجاه مختلف وغير متوقع ولم تتضمن شيئاً من هذه الأفكار.. فشرفوني بمشاهدتها..

الشاطر من يستعد لموت أبي سعد


كان ياما كان؛ في إحدى القرى أيام زمان، رجل معسول اللسان، يدعى أبو سعد .. كان بمعايير قريته تاجرا ثريا يبيع الرز والطحين ويتصرف كوزير للتموين.. ورغم أنه ابن إمام سابق كان يقرض الناس بفوائد ويبيع ذات الكيس القديم على جميع المقترضين.. وبمرور الأيام اشترى خزنة من الشام فأصبح الناس يضعون لديه المال خوفا من أولاد الحرام.. غير أن أبا سعد بدأ يتضايق من ثقة الناس في خزنته فقرر أخذ أجر على ما يوضع في حوزته.. والغريب أن الناس وافقوا على ذلك لأن أخذ أجر ضئيل أفضل من ذهاب المال العظيم.. وشيئا فشيئا أدرك أنه أكتشف "منجم ذهب" وتجارة أعجب من العجب.. فأموال القرية لا تتراكم في خزنته فقط بل وأصبح يأخذ عليها أجرا - ثم يعيد إقراض المال على أصحابه بفوائد لا تشمل أتعابه!!

وكي يخرس الأصوات المشككة بأمانته أصبح يمنح المودعين في خزنته سندات بضمانته.. فمنذ اشترى الخزنة تعلم أن ثقة الناس بأمانته هي رأس ماله الحقيقي (فلولا ثقتهم ما أودعوا أموالهم، ولا اقترضوا لأبنائهم، ولا أخذوا سندات ورقية مقابل مجوهرات حقيقية).. وكي يرفع مستوى الثقة في أمانته (وأرصدته) أطال لحيته وأسدل غترته واشترى خزنة أقوى وأعظم من بلاد أرقى وأبعد تدعى "إيطاليا"..

وبالفعل تحقق له المراد وأصبح الناس لا يطالبون بأموالهم ويكتفون بالسندات التي يمنحها لهم.. وبمرور الأيام نسي الناس (الذهب والأموال الحقيقية) وتحولت سندات أبي سعد الى نقود ورقية يتداولونها بضمانته الشخصية!!

وحين كبر الجيل التالي في القرية لم يكن يعرف أصل الحكاية ونشأ معتقدا أن النقود هي المال، وسندات أبي سعد أحد مشتقات الذهب.. ولكن أبا سعد كبر بدوره بالسن وذات يوم زاره تاجر صغير يريد استبدال سنداته الورقية بقطع ذهبية فوجده ميتا على كرسيه .. أصيب بالهلع (ليس لأن أبا سعد مات مبتسما) بل لوفاة من يحول أوراقه ذهبا.. لم يتمالك أعصابه فخرج يصرخ في شوارع القرية "أبو سعد مات" "أبو سعد مات" فتجمع الناس حول الخزنة يريدون أموالهم فحصل تدافع وشغب ومات أضعف الناس في الطلب. لم يكن هناك حتى من يتطوع لدفن أبي سعد خشية فتح الخزنة أثناء ذهابهم للمقبرة..

أما الخزنة فكانت عند حسن ظن الناس بها حيث تطلب الأمر تسعة أيام لكسرها.. وحين فتحوها اكتشفوا أنها شبه فارغة ولم يجدوا سوى "عُشر" ما يغطي سنداتهم البائسة.. ولأن المودعين يريدون أموالهم كاملة نشبت معارك وشغب ومات مرة أخرى أضعف الناس في الطلب!!

والآن أيها السادة؛ أمدكم الله بالمال والسعادة، ماذا نستفيد من هذه القصة غير المعتادة!؟

نستفيد التالي:

أن المال غير النقود ؛ فالمال هو الممتلكات الحقيقية، أما النقود فهي الأوراق البنكية. وفي الأحوال العادية يثق الناس (بالنقود) ويتعاملون معها (كأموال) وينشأ أبناؤهم على ذلك. لا يكتشفون أنها مجرد أوراق إلا عند انهيار البنوك أو حدوث أزمات عالمية (وتتذكرون كيف تحولت الدينارات العراقية لمجرد أوراق غبية)!

أما أبو سعد فهو أنموذج للبنوك التي تُقرض الناس من أموالهم، ولا تحتفظ سوى بنسبة ضئيلة من أموال المودعين الحقيقية (فهي تعرف أنهم لن يطالبوا بها كلها.. وإن فعلوا.. ليس في نفس الوقت)!

كما يمكن اعتبار أبي سعد أنموذجا لأمريكا التي تختزن ذهب العالم وتمنحه في المقابل سندات مختومة ودولارات مطبوعة تكتسب قوتها (ليس من كونها أموالا حقيقية) بل من ثقة العالم بها وحرصهم على تجميعها.

ولكن البنوك ستفلس ذات يوم، والاقتصاد الأمريكي سيموت كرجل كبر بالسن، فلا يجد الناس بين أيديهم سوى سندات ودولارات لا تكفي لشراء الفتات!.

والشاطر من يستعد لموت أبي سعد.

نريد هيئة لمكافحة الخرافة


كثيرة هي الهيئات في بلادنا وبالتالي لابأس من إضافة واحدة جديدة تحت مسمى "هيئة مكافحة الخرافة".

فبالإضافة الى كثرة الخرافات نتميز عن بقية الشعوب بأخذها بشكل جدي ومنحها ثياب العصمة والتأكيد.. صحيح أن جميع المجتمعات تملك خرافات ومعتقدات غريبة ولكنها في النهاية تتعامل معها كخرافة معزولة عن واقعها العملي وتقدمها المادي.. وفي المقابل تسيطر الخرافة على عقولنا بطريقة تظهر على تفكيرنا وتصرفاتنا وتنميتنا وقراراتنا المصيرية.. خذ كمثال خزعبلات تفسير الأحلام التي يظهر تأثيرها علينا وعلى المحيطين بنا في اليوم التالي. وخذ أيضاً العين (التي وإن كانت حقاً) يصبح ربطها بكل مصيبة كارثة اجتماعية تدخلنا في دوامة لا تنتهي من الشكوك والظنون والهواجس النفسية (فقبل أن تصاب بالعين وهو احتمال بعيد كونك تقرأ المعوذتين ستخسر العديد من الأصدقاء والأقارب بسبب شكك فيهم، وبعدك عنهم، وظنك السيئ تجاههم، وبالتالي اعتزالك لهم لكل هذه الأسباب).

أذكر أنني قرأت دراسة أجراها المركز المصري للبحوث الاجتماعية أكدت وجود 200 خرافة رئيسية تسيطر على العقل العربي.. وهناك دراسة أخرى للباحث محمد عبدالعظيم أكدت وجود دجال واحد لكل ألف مواطن مصري وأن نصف النساء هناك يؤمن بأعمال الشعوذة والدجل!

ورغم أننا لا نحتاج في السعودية لدراسات مماثلة (كون مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد هوسنا بكل ذلك) قرأت قبل فترة مقالاً جميلاً بعنوان "أخطر خمس خرافات سعودية" للأستاذ محمد البلادي يؤكد فيه سقوط خرافة الغول القديمة مقابل خرافات عصرية أشد خطرًا على مجتمعنا.. مثل: أن عدد الإناث في السعودية ضعف عدد الذكور (في حين أن الحقيقة هي أن نسبة الذكور تبلغ 51.8% مقابل 48.2%) وأن الأعشاب إذا ما نفعت ما تضر (رغم أن من الأعشاب ماهو سام ومخدر ويسبب إعاقات دائمة)!

أما الثالثة فهي "مسحور نعم.. ومعيون نعم.. مريض لا" (وهو مايعيدنا لظاهرة تجاهل الأسباب الحقيقية لمشاكلنا وتعليقها على شماعة العين والسحر والحسد).

وهناك أيضاً ادعاء أن اللحوم الحمراء أكثر فائدة من اللحوم البيضاء (وهي معلومة خاطئة رفعت أسعار الخرفان وفصلتها في مقال: أربعه أنياب في الشهر).

أما الخرافة الخامسة فهي أن الأمان الوظيفي في القطاع الحكومي الأمر الذي حول هذا القطاع إلى مايشبة مؤسسات الرعاية الاجتماعية (وراجع مقال: أضرار الوظيفة الحكومية على الفرد والمجتمع)!

من أجل كل هذا أتمنى بالفعل إنشاء هيئة خاصة لمحاربة الخرافة على أساس فقهي وعلمي وإحصائي مضاد (كون عدم فعل ذلك يعني تلقائياً ترك الساحة مفتوحة للمستنفعين والمشعوذين).. كما أتمنى ظهور ساحات نقاش مفتوحة (في مواقع التواصل الاجتماعي وفضاءات الإنترنت) تسمح للخبراء والمختصين دحض الخرافات في مهدها قبل أن تتضخم وتدخل دائرة العصمة.

وحتى نفعل الأمرين إليك مني أول نصيحتين:

الأولى: لا تقبل أي ادعاء مالم يرد ذكره صراحة في القرآن الكريم أو السنة المؤكدة أو مصدر علمي وإخباري موثوق.

والثانية: لا تساهم في نشر الخرافة، ولا تورثها لأبنائك، ولا حتى تتحدث بها أمامهم (كون تكرارها على مسامعهم ينقلها بمرور الزمن إلى خانة الحقائق المقدسة).

وماذا عن الخنفشار؟


كتبت قبل أيام مقالاً بعنوان (ابتشاكا) تحدثت فيه عن دور الأدباء والعلماء في ابتكار كلمات جديدة أو مفردات لغوية غريبة.. وكلمات كهذه سرعان ما تأخذ معنى شائعاً يفرضه الكاتب أو يتفق عليه الناس لاحقاً.. ولكن القليل منها يظل

غامضاً أو هائماً على الدوام بحيث يترك لكل خيال الذهاب في اتجاة مختلف (وضربت مثلاً بنعومة البترجين التي لم أكن أعني بها شيئاً محدداً حين ذكرتها في مقال جواري السلطان)!

وخلال الأيام التالية وصلتني استفسارات كثيرة بخصوص الكلمات الغامضة المتبقية في مقالي السابق.. وفي حين شرحت سبب اختراعي كلمة بترجين، ومسؤولية المتنبئ عن كلمة ابتشاكا (التي نبهني شاعر جازان الأستاذ إبراهيم مفتاح إلى أنها قد تكون أصل كلمة بكش وبكاش التي تعني في لغتنا العامية كذباً وكذاباً) أحيلكم إلى كتب التفسير لرؤية أوجه الخلاف حول الكلمات الغريبة في القرآن الكريم مثل (قمطرير ومدهامتان وغسلين وأخبتوا وفاقرة وزقوم) وإن كنت شخصياً أرى أن وجه البلاغة فيها لا يأتي من خلال تفسيرها، بل من خلال تصور معانيها في سياق الكلام، وبهذه الإحالات يتبقى لدينا كلمتان فقط من مقالي السابق لم أفِهِما حقهما من الشرح هما "خنفشاري" و"صعقليف".

فالكلمة الأولى تعني الرجل الذي يدعي معرفة كل شيء وإن كان الرجل نفسه يدعى أنها نوع من النباتات المفيدة.. ولهذه الكلمة قصة طريفة ذكرها المقري في نفح الطيب تتحدث عن مجموعة من الأصحاب كان بينهم رجل يدعي معرفة كل شيء ولا يكاد يعجزه أي سؤال.. وذات يوم اتفقوا على اختراع كلمة جديدة لم يعرفها قبلهم إنس ولا جان فظهروا بكلمة "خنفشار".. وحين حضر صاحبهم المدعي سألوه عنها فقال بكل ثقة: هذا نبات يعيش في اليمن.. ضحكوا عليه (لدرجة أتخيل أحدهم قد انقلب على قفاه) وأخبروه أنها كلمة من اختراعهم لا تعني شيئاً.. ولكنه بدل أن يستسلم أو يخجل من نفسه أحالهم الى بيت شعر (من تأليفه) يقول فيه الشاعر:

لقد عقدت محبتكم فؤادي كما عقد الحليبَ الخنفشارُ

فأصبحت الكلمة تطلق على من يدعي معرفة كل شيء ولا يعجزه أي شيء بسبب جراءته في الكذب وبلاغته في الحديث (وبفضل هؤلاء الأصدقاء يمكنك أن تقول: هذا حديث خنفشاري).

أما كلمة زعقليم فأتت ضمن قصة طريفة عن رجل يدعى أبا علقمة كان ضليعاً بقواعد اللغة ويتحدث بغريب الألفاظ منها.. ليس هذا فحسب بل كان يخترع مفرداته الخاصة حتى غدا كلامه غير مفهوم لكثير من الناس. وذات يوم استيقظ قبل الفجر ونادى خادمه: ياغلام أصعقت العتاريف؟ الغلام من جهته (طق) من هذه العادة فقال: صعقليف! فتعجب أبو علقمة كيف أنه لم يسمع بهذه الكلمة من قبل؛ فقال باستغراب: وما صعقليف؟ فقال الغلام: وأنت ما صعقت العتاريف؟ قال أبو علقمة: عنيت هل صاحت الديكة؟ فقال الغلام: وأنا عنيت لم تصح بعد!

وبشرح هاتين الكلمتين يصبح مقالنا رفعليس.

(عنيت بذلك مكتمل المعاني والأطراف).

لو لم يكن متشدداً ما أصبح متطرفاً


تشرفت يوم الخميس الماضي بالمشاركة في اللقاء التحضيري الرابع الذي أقامه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني في المدينة المنورة (تمهيداً للقاء الوطني العاشر حول التطرف وآثاره على الوحدة الوطنية)..

وكان المحور الأول يتضمن تعريف التطرف وواقع التشدد في المجتمع.. وبهذا الخصوص أشرت إلى ضرورة التفريق بين التطرف من جهة و"التدين" و"التعصب" و"التشدد" من جهة أخرى..

فالتدين حالة عامة ومسالمة حيث يؤمن معظم الناس في معظم البلدان بديانة محلية يفترض أن تجمعهم ولا تفرقهم..

أما التعصب فطبيعة إنسانية لا ترتبط بالدين بالضرورة كوننا قد نتعصب لفكرة أو منهج أو شخص أو حتى نادٍ رياضي دون الإضرار بأحد..

أما التشدد فخيار شخصي قد يصل بصاحبه درجة ابتكار المحرمات وتحريم المباحات تحت حجج كثيرة كالزهد والتحوط وسد الذرائع!!

.. ويظل "التشدد" خياراً فردياً حتى يقرر صاحبه ترويجه علناً أو فرضه بالقوة فيصبح "متطرفا" يجمع بين تشدد الفكرة والسعي للتطبيق.. ومن هنا ندرك أن التشدد هو بداية التطرف وابتعاد صاحبه عن الوسطية ورفض ما يخالف قناعاته الفردية.. والمتطرف يصعب إقناعه بالأدلة الشرعية أو الشواهد العقلية كونه أصبح يملك تفسيرات مغايرة لكل نص ومنطق قد تحاجه به.. وحين يصل إلى مرحلة الدعوة للتخريب أو حمل السلاح يتحول إلى "إرهابي" تجاوز نقطة "اللاعودة"، وبالتالي توقع منه قتلاً أو تفجيراً أو عملاً انتحارياً لا يشك في قدسيته..

أما المحور الثاني في اللقاء فكان يتعلق بالأسباب المؤدية إلى التطرف والتشدد..

والحقيقة أنني وقفت كثيراً أمام هذا المحور كون المعروف لا يُعرّف، وأسباب التطرف في نظري على الأقل واضحة بوضوح اختلافنا حتى عن أقرب المجتمعات إلينا!!

... ومن أهم الأسباب المسؤولة برأيي عن تفريخ التطرف:

التمسك بمدرسة فقهية واحدة وعدم الانفتاح على المدارس والآراء الفقهية الأخرى..

منح عصمة رسمية ومنزلة أكاديمية لبعض المناهج والأفكار المتشددة..
عدم التسامح، والتحريض على من يملكون آراء واجتهادات مخالفة..

تكفير الآخرين اعتماداً على فروع فقهية أو مسائل خلافية مضى عليها قرون..

الجهل وغياب ثقافة الفصل بين المحرمات الاجتماعية، والمحرمات الدينية..

التركيز على الاستثناء والنادر والمحتمل وتحويله لقاعدة أو ظاهرة تستدعي التحريم (لدرجة يظن الغريب أننا نتحدث عن ظاهرة خطيرة تنتشر فعلاً في مجتمعنا)..

تقديم فتاوى الفرق المتشددة على أقوال الرسول الكريم (في حين يقول أنس أبن مالك: كلٌ يُؤخذ منه ويُرد إلا صاحب هذا القبر)..

سكوت العلماء المعتدلين أو تحرجهم من مخالفة التيار الفقهي السائد حولهم (فبعضهم يعلم بوجود تنطع أو تشدد في بعض المسائل ولكنهم لا يتجرأون على تصحيحها أو الجهر بها)!!

وفي حين كان الرسول الأمين يلتمس العذر (حتى لمن يثبت عليه الذنب) بدليل قوله لماعز: لعلك لامست أو فاخذت أو قبلت.. ورغم تحذيره من التلصص والتدخل في حياة الناس (بدليل قوله من اطلع في بيت قوم فقد حل لهم أن يفقأوا عينه)، أصبح لدينا اليوم محتسبون رسميون مهمتهم التدخل في حياة الناس وأخذهم بمجرد الظن وسوء النية.

وأخيراً مبالغة الناس أنفسهم في طرح الأسئلة الفقهية وابتكار النادر والغريب منها الأمر الذي تسبب بمراكمة المحرمات ورفع نسبة التزمت والتشدد بمرور الوقت.. يفعلون ذلك رغم قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِين آمنُوا لَا تسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لكُمْ تسُؤْكُم. وقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم).

سبع فوائد جلية من ملابس الإمبراطور السحرية


كان أحد الأباطرة يهتم بأناقته كثيراً ولا يقبل أن يتفوق عليه أحد في جمال الملبس والمظهر. وبمناسبة اقتراب العيد طلب ثياباً مميزة لم يلبسها أحد من قبله.. تقدم آلاف الخياطين بتصاميم رائعة وجميلة ولكنها لم تنل إعجابه.. كان يريد "شيئاً مختلفاً" الأمر الذي جعله يتوقف طويلاً عند تصميم قدمه خياط مخادع عذب اللسان.. فقد استطاع إقناع الإمبراطور بأنه يملك أقمشة سحرية لا يراها سوى أكثر الناس إخلاصاً وكفاءة في إمبراطوريته.

وكي يزيد الأمر تشويقاً تأخر في إحضارها إليه كي يرفع من سقف شغفه وتوقعاته.. وقبل العيد بيوم واحد فقط دخل القصر مادا يديه (وكأنه يحمل الملابس الخفية) وبدأ باستعراضها أمام الإمبراطور الذي لم ير شيئاً ولكنه خشي أن يُتهم هو نفسه بعدم الكفاءة والأهلية.. احتار في أمره فاستشار رئيس البلاط الذي خشي بدوره أن يُتهم بعدم الإخلاص والكفاءة فتحرك رأسه بإيماءة تدل على استحسانه للملابس الجديدة.. وحين شاهد رجال الحاشية إيماءته العفوية فهموها كمديح فبدأوا بدورهم يمتدحون الملابس الجديدة (فبالإضافة لتهمة عدم الإخلاص أو الكفاءة؛ أصبح من الخطورة الآن قول رأي مغاير).. وحين سمع الإمبراطور هذا المديح شك في نفسه فوافق على لبس الثياب رغم انه لم يرها أصلاً!

وفي يوم الاحتفال.. وقبل خروج الموكب من القصر.. أعلن رئيس البلاط لعموم الجمهور بأن الإمبراطور سيلبس ثياباً سحرية لا يراها غير المخلصين والأوفياء من أبناء الشعب.. وهكذا بمجرد خروجه من القصر تعالت صيحات الإعجاب بالملابس السحرية الجديدة.. فكل شخص بين الحضور كان يخشى اتهامه بعدم الولاء والإخلاص للإمبراطور ناهيك عن الجهل والتخلف فيما يخص أزياء الطبقة الراقية، غير أن طفلاً بريئاً هز يد أمه وقال بصوت مسموع: ولكنّ الإمبراطور عارٍ لا يلبس أي ثياب!! حينها فقط اكتشف الجميع حجم الفضيحة، وخطورة الصمت، ومصيبة التملق.. حينها فقط اكتشف الإمبراطور أن التملق وكتم الحقيقة هي (عدم الكفاءة والإخلاص) فطلب قماشاً يستر جسده وعاد محرجاً إلى قصره.

ورغم أن القصة خيالية أجد فيها معاني سياسية وإدارية يمكن تلخيصها في سبع نقاط مهمة:

أولا: إن بطانة الحاكم أو المسؤول قد تصنع حوله حاجزاً يعميه عن الحقيقة.

ثانيا: إن بطانة الحاكم أو المسؤول تحافظ على مناصبها من خلال الموافقة والتأييد لكل ما يقوله ويعتقده (بل وحتى مايعبر عنه كرأي أو اقتراح).

ثالثا: إن هناك دائما أغلبية صامتة تخشى قول الحقيقة مقابل أقلية (مقربة) تقرر ماهي الحقيقة التي يجب على الناس تصديقها!

رابعاً: إن الأغلبية الصامتة تفكر بعقلية القطيع وبطريقة ولماذا أجلب لنفسي المشاكل (وفي حين تتكتم هي على الحقيقة لأن لا مصلحة لها بقولها، تتكتم الأقلية المقربة على الحقيقة لأن لها مصلحة بإخفائها)!

خامساً: رأي الأغلبية لا يعني دائماً أنه الرأي الصحيح.. فدوامة الصمت، ودائرة التأييد، تكبر بالتدريج حتى تعم جميع الناس فتصدقها مجموعات أكبر من الناس.. (وأبحث في النت عن: دوامة الصمت).

سادساً: لا غنى للحاكم أو المسؤول (حتى لو أحاط نفسه بأفضل المخلصين) من كسر الدائرة المغلقة حوله والنزول إلى الشارع لسماع الحقيقة من الناس مباشرة (دون تقليم أو تجميل يناسب توقعاته).

وأخيراً: الحقيقة أمر يصعب على معظم الناس قوله أو المجاهرة به.. فقولها يتطلب إما طبعاً بريئاً (كما فعل الطفل حين اقترب موكب الإمبراطور) أو عقلاً جريئاً، وإخلاصاً عميقاً، وشجاعة عالية... وهي للأسف مواصفات يندر أن تجتمع في شخص واحد!

بقي أن أشير إلى أن القصة التي بدأنا بها المقال ألفها الدنمركي هانس أندرسون في القرن التاسع عشر لتعليم الأطفال ضرورة التعبير عن الرأي بشجاعة.. فهل نبدأ على الأقل بتعليمهم ذلك اليوم.

أين ذهبت مليارات العراق؟


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك الفرات أن يحسر عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا)... وفي البداية ظننت حديثه عن هذا الكنز على سبيل المجاز (كونه قد يكون نفطاً أو دولارات أو حتى يورانيوم مخصباً) لولا وجود كلمة ذهب في نص الحديث. وحتى يحقق الزمان هذه النبوءة الذهبية نشير إلى أن العراق فقد كنوزاً لا تعد ولا تحصى منذ تولي صدام حسين للسلطة وحتى يومنا الحاضر.. فقد خسر مليوني شاب في حربه العبثية مع إيران.. وفقد أربع مئة ألف روح أخرى بعد غزو الكويت... وفقد بلايين الدولارات خلال الحربين وفترة الحصار الاقتصادي..

كما فقد آلاف القطع الأثرية التي نهبت من متاحفه الوطنية وبيعت في أوروبا.. وقبل أن يختفي صدام مع ابنيه استولوا على بلايين العملات الصعبة من بنك بغداد المركزي.. وحين مات صدام مع ابنيه لم يعرف أحد (حتى اليوم) أين ذهبت كل هذه الأموال؟. أما آخر ما فضح أمره فظهر (في13 أكتوبر المنصرم في صحيفة النيويورك تايمز) التي تحدثت عن عشرين مليار دولار لا يعلم أحد مصيرها حتى اليوم.

والقصة بدأت قبل عشر سنوات حين رفض مجلس الكونجرس الأمريكي تقديم مساعدة مالية ضخمة للحكومة العراقية الجديدة طلبتها إدارة الرئيس بوش.. وإزاء هذا الرفض علمت إدارة بوش أن هناك أرصدة مجمدة للحكومة العراقية في المصارف الأمريكية تقرر استخدامها لدعم الحكومة العراقية الجديدة.. وهكذا تم شحن مبالغ نقدية هائلة إلى بغداد في حاويات لا تقل سعة كل منها عن مليار دولار.. ولكن واشنطن بدأت تدرك شيئاً فشيئاً أن الأموال المحولة لم تصرف لصالح الشعب العراقي، بل تلاشت بالتدريج لصالح فئات متنفذة في الحكومات المتعاقبة (خصوصا حكومة نوري المالكي الأخيرة)..

وكان بوش منذ البداية قد كلف صديقه رجل الأعمال ستيورات باون بتشكيل لجنة لتتبع مصير هذه الأموال.. وبقي الأمر سراً طوال السنوات الماضية حتى صرح باون قبل أيام فقط بأن الأموال المحولة دخلت في جيوب شخصيات متنفذة في حين تم تحويل مالا يقل عن 1,6 مليار دولار إلى "مناطق" يسيطر عليها حزب الله في لبنان.. وحسب قول باون أنه أبلغ المخابرات الأمريكية لاحقاً بالنتائج التي توصل إليها وطلب منها مواصلة التحقيقات ولكنها لم تتحرك بحجة أن المال "عراقي".. وحين سُئل نوري المالكي مباشرة عن مصير هذه الأموال امتعض من السؤال وبدأ يرمي اللوم على أمريكا بسبب تحويلها كأوراق نقدية (!).

وخلال تحقيقاته أدرك باون أن مستوى النهب الاقتصادي في نظام نوري المالكي فاق ماكان يحدث زمن صدام حسين.. وحين عثر على وثائق تؤكد نقل جزء من الأموال إلى لبنان تواصل مع السفارة الأمريكية في بيروت فاكتشف معرفتها بالأمر وأخبرته بعدم التدخل كونها موجودة في مناطق يسيطر عليها حزب الله.. ومؤخراً أدرك باون بأن جهوده انتهت خصوصاً بعد رفض إدارة أوباما التعاون معه فقررت التصريح بالحقيقة لصحيفة النيويورك تايمز.

على أي حال؛ هذه قصة واحدة من قصص كثيرة تشمل نهب البنك المركزي (قبل دخول القوات الأمريكية لبغداد بساعات قليلة) واختفاء أرصدة صدام حسين وعائلته في الخارج، وعدم مطالبة إيران باستعادة سلاح الطيران (الذي هرب إليها أثناء الغزو الأمريكي)، ناهيك عن تمويل الميليشيات الشيعية في العراق ولبنان من عوائد نفطية غير مسجلة.

وقريبا ستنحسر مياه الفرات (ربما بسبب مشاريع السدود التركية) عن كنز جديد يشعل قلاقل وحروباً من أخذ منها ندم.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...