الخميس، 2 يناير 2020

أكالة القرى


إن كانت مكة هي أم القرى فإن المدينة هي (أكالة القرى) عطفاً على قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (أُمِرْتُ بقرْيَةٍ تأْكُلُ الْقُرَى).. وهو حديث صحيح تنبأ بخروج الفتوحات الإسلامية منها وجلب الأرزاق من القرى المُفتتحة حولها - وكانت العرب تطلق على أي مدينة اسم قرية...

وأكالة القرى (وفي لفظ: آكلة القرى) اسم واحد فقط من أسماء المدينة التي تزيد على 108 أسماء.. ولم أكن شخصياً قد سمعت بهذا الاسم حتى قرأت كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى للإمام السمهودي (وهو مؤرخ توفي عام 911 ه).. وفي هذا الكتاب يذكر قرابة المئة اسم للمدينة سبق بعضها الإسلام وورد معظمها في الأحاديث أو القرآن الكريم..

ومن المعروف أن كثرة الأسماء تدل على شرف المكان وعلو منزلته.. ومن الأسماء الأخرى التي ذكرها السمهودي للمدينة المنورة ما يلي:

العاصمة (من العصمة كونه لايدخلها الدجال ولا الطاعون) وجزيرة العرب (المقصودة في حديث: إِنّ الشّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعبد فِي جَزِيرَةِ الْعَرَب) ومأزر الإيمان (لحديث إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) والقاهرة (كونها قهرت البلدان والمدن حولها)، والمحروسة (لحديث الرسول الكريم: المدينة على كل نقب منها ملك يحرسها)، وسيدة البلدان (حيث ناداها لما عاد إلى المدينة يا سيدة البلدان)، والجبّارة (نقلاً عن كتاب أخبار النواحي)، ودار الفتح (حيث فتحت منها البلدان والأمصار)، ودار الإيمان وقبة الاسلام وأرض الهجرة ومبوأ الحلال والحرام (وجميعها وردت في الحديث الصحيح: المدينة قبة الإسلام، ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومبوأ الحلال والحرام).

أيضا تدعى المدينة المنورة بأرض الله (حيث ذكر السمهودي أنها المقصودة في قوله تعالى: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، والبرة والبارّة (لبرها بالرسول وصحبه المهاجرين)، والبحيرة (حيث جاء في قصة عبدالله بن سلول: اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه)، والبلاط (لكثرة طرقاتها المفروشة بالحجارة)، والعذراء (كون أحد لم يغزها)، وبيت الرسول (عطفا على قوله تعالى: كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ)، ودار الهجرة ودار السلامة ودار السنة (لقول الرسول: إنها دار الهجرة والسنة والسلامة)، وذات الحجر (كونها مجمع للحجرات الطاهرة)، وذات النخل وذات الحرار (لحديث: أرأيت دار هجرتي ذات نخل وحرة)..

أيضا اتفق المفسرون على أنها البَلَد المقصود في الآية الكريمة (لا أقسم بهذا البلد)، والحبيبة والمحبوبة (لقول رسول الله: اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشدّ)، والحرم (لقوله: المدينة حرمُ)، وبلد الخير (لقوله: المدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون)، والشافية (لقوله: ترابها شفاء من كل داء)، وطيبة وطائب وطابة (حيث جاء في الحديث: إن الله سمّى المدينة طابة وفي لفظ طيبة) والجُنة الحصينة (عطفا على قول الرسول في غزوة أحد: أنا في جُنّة حصينة)، وحرم الرسول (عطفا على قوله: حَرَمُ إبراهيم مكة وحَرَمي المدينة)، والمجبورة (كونها مثوى الجسد الطاهر)، والدّار (من قوله تعالى: والذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم)، والفاضحة والطاردة (كونه لا يعيش فيها صاحب عقيدة فاسدة)، وقرية الأنصار (كونها مدينة الأوس والخزرج الذين نصروا الاسلام)، والمبروكة والمباركة (لدعاء الرسول: اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)..

وهذا أيها السادة فقط ما سمحت به مساحة الزاوية.. وأترك لكم مهمة استنتاج خمسة أسماء إضافية من قول الشاعر:

أنا المدينة من في الكون يجهلني ومن تراه درى عني وما شغلا

تتلمذ المجد طفلاً عند مدرستي حتى تخرج منها عالماً رجلا

فتحت قلبي لخير الخلق قاطبةً فلم يغادرها منذ أن دخلا

وصرت سيدة الدنيا به شرفاً واسمي لكل حدود الأرض قد وصلا

أنا المنوّرةُ الفيحاء ذات نسب إذا البدورُ رأتني أطرقَتْ خجلا

مُلزمون بالنص وليس ما فهمه أسلافنا من النص


عثرت على مقطع قديم من برنامج "إضاءات" سألني فيه الاستاذ تركي الدخيل عن أسباب قناعتي بوجود كواكب أخرى في الكون، فاستعرضت عددا من الأدلة الفلكية والعلمية والشرعية من بينها قوله تعالى: (اللَهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ).. غير أنه قاطعني قائلا: ولكنهم فسروا هذه الآية كسبع أراضين تحت الأرض؛ فقلت: نحن مُلزمون بالنص وليس ما فهمه أسلافنا من النص..

وهذه الجملة تختصر مقال اليوم كوننا ملتزمين (بكلام الله) وليس ما فهمه غيرنا من كلام الله..

ففي الماضي مثلا، كان الجميع يعتقد أن الأرض كوكب وحيد واستثنائي فلم يجدوا غير الاعتقاد بوجود السبع أراضين تحت أقدامهم.. وشجع هذا الفهم قوله تعالى (خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً) ولكن القرآن الكريم لا يتضمن آية واحدة تتحدث عن سبع أراضين طباقا - في حين أن معنى الآية الأولى يصح مع وجود سبع أراضين موزعة في أرجاء الكون.. ويؤيد هذا تفسير ابن عباس لنفس الآية حيث قال: هي سبع أراضين فيها آدم كآدم وموسى كموسى وعيسى كعيسى ومحمد كمحمد (رواه البيهقي في الأسماء والصفات)!

.. على أي حال؛ مقالنا اليوم ليس معنيا بوجود كواكب غيرنا في الكون؛ بل في أن التزامنا بالنص لا يعني بالضرورة التزامنا بتفسير النص (فهناك فرق كبير بين الاثنين).. فالنص كلام الله المنزل والثابت والملزم، في حين أن "التفسير" فهم بشري متغير وتصور قد لا يتفق عليه الجميع - ولهذا السبب اختلف المفسرون في الماضي واستمر تأليف كتب التفسير في الحاضر!

وكان علماء الفقه قد وضعوا قاعدة تفيد بأن «الحكم على الشيء فرع عن تصوره».. وهي قاعدة تصح حتى على تصورنا لمعاني الآيات وتفسيرها.. فالخلفية الشرعية والمذهبية للمفسر - والثقافة والزمن الذي يعيش فيها قارئ القرآن - تؤثر بلا شك في فهمه وحكمه وتصوره لمعاني الآيات الواردة فيه..

خذ كمثال النصوص التي تتحدث عن المرأة وكيف تفسر أحيانا بطريقة دونية في حال نشأ المفسر في بيئة تعتبر الأنثى أدنى من الذكر، وأحيانا بطريقة راقية تساويها بالرجل في حال نشأ في بيئة أجنبية أو متحضرة تساوي حقوق الانسان..

وخذ كمثال آخر من فسر قوله تعالى (يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) بأنه الغناء في حين أن هناك تفاسير (أعم وأشمل) تقول بأنه: كل ما يُلهي عن ذكر الله سواء أكان غناء أم شعرا أم خطابة أم قصة مع وجود شرط ونية مسبقة هي الإضلال عن سبيل الله (ويا ليت تراجع كتب التفسير قبل التعليق على هذه النقطة)!

وخذ أيضا آية الجلباب (يدنين عليهن من جلابيبهن) التي لم تتغير منذ نزولها؛ ولكن اختلف فيها المفسرون بحسب مدارسهم الفقهية وما كان شائعا في بلدانهم من أنواع الجلابيب والثياب - وفي حين استدل البعض بنفس هذه الآية على عدم تغطية الوجه أصلا كون الجلباب يلبس على الكتف أصلا وكان يمكن للآية أن تتحدث عن "الوجه" بكل بساطة!!

.. ومرة أخرى أشير إلى أن حديثنا اليوم ليس عن الكواكب أو الحجاب أو الغناء بل عن ضرورة التفريق بين النص الإلهي (الثابت والمقدس) وبين التفاسير البشرية غير الملزمة لمن لم يقتنع بها.. يؤكد ذلك حقيقة أن الرسول الكريم لم يفسر القرآن بنفسه ولم يشرح ما غمض منه في عصره - ناهيك عن نزوله بلسان عربي مبين يفترض بعامة الناس فهمه..

والحقيقة هي أن بيان القرآن ووضوحه لا يسمحان أصلا باختلاف الأفهام وتعدد التفاسير خصوصا فيما جاء صريحا ومباشرا (وخذ كمثال تحريم الخمر والزنا ولحم الخنزير). ولكنه في المقابل يترك لنا حرية تصور مالا يتعلق بالتشريع وأساسيات الدين (كتصورنا لشجرة الزقوم، ورؤوس الشياطين، وجناح الذل، ولهو الحديث، والأراضين السبع، واختلاف الجلابيب التي يلبسها الناس حول العالم).

.. وكل هذا.. بأسلوب إخباري غير ملزم وغير ثابت يراعي تغير القرون وتعدد الثقافات وتوسع العلوم..

وهذا بالضبط ما يجعل القرآن صالحاً لكل زمان ومكان.

القرن القادم بدون أسلحة نووية


أوكرانيا وكازاخستان وروسيا البيضاء دول كانت تمتلك أسلحة نووية في السابق (ورثت معظمها من الاتحاد السوفياتي السابق) ولكنها نقلتها طواعية الى روسيا وبتمويل من أميركا وحلفائها الأوروبيين..

وهناك دول متقدمة تقنيا يمكنها (إن أرادت) صنع أسلحة نووية ولكنها ببساطة لا تريد ذلك مثل اليابان وإيطاليا وكندا وليتوانيا وهولندا - وجميعها تملك مفاعلات نووية سلمية يمكنها عند الضرورة التحول للأغراض العسكرية..

وهناك دول لا يثق العالم في نواياها من امتلاك أسلحة نووية مثل إيران وباكستان والهند وكوريا الشمالية (ناهيك عن إسرائيل التي ترفض التوقيع أصلا على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية)..

أما الدول الرئيسية في النادي النووي فهي روسيا التي تملك 18 ألف رأس نووي ثم أميركا (10 آلاف) والصين (400 رأس) وفرنسا (350) وبريطانيا (200)..

وما يدهشني إزاء هذه الأرقام هو تجاهل الإعلام الدولي لترسانة روسيا وأميركا والصين والتركيز على (نوايا) دول أصغر حجماً في امتلاك قنبلة نووية.. تستغرب من حرص أميركا على إجهاض أي مشروع نووي عربي أو إسلامي حتى يومنا هذا.. فقد أجهضت منذ البداية محاولات لبناء صواريخ "الظافر" و"القاهر" التي كان من شأنها الوصول لإسرائيل، ثم منعت القذافي من شراء قنابل جاهزة حين تفكك الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات، كما حاربت المشروع الباكستاني منذ ظهوره وحتى اليوم، وضغطت على روسيا لإيقاف تعاونها النووي مع إيران، واحتلت العراق لتتأكد فقط من عدم امتلاكه أسلحة كهذه.. أما أعظم نجاح حققته في هذا المجال فهو الضغط على كازاخستان لتدمير ترسانتها الضخمة مقابل 700000 دولار لكل رأس نووي يتم تدميره (وكانت كازاخستان حتى عام 1992 أعظم دولة نووية إسلامية حيث احتفظت ب1000 رأس نووي بعد استقلالها عن الاتحاد السوفياتي السابق)..

حين تتأمل في كل هذه المفارقات تكتشف أنها تصب في النهاية لصالح إسرائيل التي تحرص على امتلاكها وحدها هذا النوع من الأسلحة في المنطقة..

كتبت عنها قبل فترة مقالا بعنوان (إلى متى يتجاهل العرب مفاعل ديمونة) أشرت فيه الى انتهاء العمر الافتراضي لهذا المفاعل وظهور مخاطر تسرب فعلية تسببت في ارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان بين سكان النقب ورفع قضايا تعويض من قبل علماء وفنيين يعملون في المفاعل نفسه.. وفي المقابل يخيم صمت عربي محير على وجود هذا المفاعل الذي - لا يشكل فقط قنبلة موقوتة وسط عالمنا العربي - بل ويلعب دورا مهما في صنع القنابل النووية التي سمعنا منذ ثلاثين عاما أنها تجاوزت المئتي قنبلة!

أما أميركا فتعمل حسب المثل الشعبي (ضربني وبكى وسبقني واشتكى) كونها تضم ترسانة نووية قادرة على تدمير كوكب الأرض - ومع هذا تشغلنا بمساعي إيران وباكستان وكوريا الشمالية لصنع أسلحة خاصة بها.. يكفي الإشارة الى أن ولاية نيومكسيكو وحدها تضم 2450 سلاحا نوويا (أي اكثر مما في أوروبا وآسيا مجتمعتين) وولاية جورجيا 2000 سلاح نووي، وواشنطن 1685، ونيفادا 1350 ثم نورث داكوتا 1140… ويتجاوز مجمل الأراضي التي تحتلها تلك المخابئ والقواعد النووية 15654 ميلا مربعا (وهو ما يتجاوز مساحة بلجيكا وهولندا في أوروبا!

المؤكد أيها السادة أن كوكب الأرض لن يضم في مطلع القرن القادم أي أسلحة من هذا النوع!

.. فالبشر إما كانوا أكثر حكمة فيتفقون على إلغائها من خلال اتفاقيات عالمية مشتركة، أو أكثر حماقة فتلغيهم هي من الوجود من خلال حرب عالمية شاملة تستعمل فيها الرؤوس النووية!!

عبقرية التواضع


.. مدهش فعلاً كيف يبدو الإنسان بسيطاً ومتواضعاً كلما كان عظيماً وناجحاً..

هل لاحظت مثلاً أن الناجحين فعلاً لا يهتمون بالمظاهر والتفاخر واستعراض الممتلكات.. حين ترى أحدهم على الطبيعة تتساءل: هل هذا هو فعلاً من يملك كل هذه الملايين ويضرب به المثل في النجاح والتفوق.. كان ستيف جوبز (مؤسس شركة آبل) لا يملك سوى نوعين من الملابس بناطيل جينس، وقمصان طويلة سوداء.. وحين دعت قناة بلومبرج أفضل خبراء أميركا لمناقشة مستقبل الإنترنت حضر الجميع ببدل تجاوزت قيمتها العشرة آلاف دولار باستثناء شخص واحد حضر بحذاء رياضي وبنطلون قصير وفانيلة قطنية (يدعى مارك زوكربيرج مؤسس الفيس بوك وأصغر ملياردير في العالم)!!

... قبل أشهر كتبت مقالاً بعنوان "عصاميون لا نعرفهم" استعرضت فيه رجال أعمال بنوا ثرواتهم (في الزمن الصعب) مثل الراجحي والعليان وابن لادن وابن محفوظ وعبد اللطيف جميل.. وأثناء بحثي صادفت صوراً لهم على الإنترنت (توزعت بين أيام الفقر، وأيام الثراء) تثبت عدم تغيرهم واحتفاظهم بذات المظهر البسيط والمتواضع لدرجة اعتقدت وجود مشكلة في محرك جوجل!

... مايحدث هنا هو أن الرجل العصامي يملك ثقة كبيرة في نفسه لدرجة لا يفهم كيف يمكن لبدلة فاخرة أو جزمة ثمينة أن تمنحه المزيد من التقدير والاحترام.. لا يفهم كيف يمكن لسيارة ألمانية أو ساعة سويسرية أن تُضيف شيئاً لمسيرته المليئة بالكفاح.. تعلم منذ البداية عدم إضاعة وقته على مظهره الخارجي فيبدو أبسط الناس بين شخصيات نرجسية أقل منه عصامية..

هناك قصة طريفة عن سكرتير الخزانة الأميركية الذي دُعي لحفل خاص بتكريم الأثرياء العصاميين في أميركا.. فحين دخل قاعة الاحتفال فوجئ بمظهرهم البسيط والمتواضع فقال لمنسق الحفل: "لماذا أنا الوحيد الذي يلبس بدلة فاخرة وساعة ثمينة.. لا يمكن لهؤلاء الناس أن يكونوا مليونيرات.. فهم لا يبدون كالمليونيرات ولا يلبسون كالمليونيرات ولا يأكلون كالمليونيرات ولايتصرفون كالمليونيرات ولا حتى يملكون أسماء توحي بأنهم مليونيرات.. أين المليونيرات الذين يبدون كالمليونيرات"!؟

هذا التعليق ورد في كتاب جارك المليونير ((Millionaire Next Door حيث يقول المؤلفان ستانلي ودانكو:

الأثرياء العصاميون لا تبدو عليهم مظاهر الثراء ولا تنطبق عليهم الصورة التي نرسمها لهم.. من يحرصون على المظاهر هم ورثة المال (من الجيل الثاني والثالث) الذي يحرصون على الظهور بمظهر الثراء وعلو المنزلة.. وحين لا يبدو الأثرياء العصاميون كالمليونيرات فلأنهم ببساطة يستمرون على نمط حياة قديم أصبحوا بفضله من المليونيرات.. وليس العكس!

ما أراه مؤكداً أن المبالغة (في مظاهر الترف والنعيم) رد فعل يعوض الدونية والشعور بالنقص (فما وجد أحد في نفسه كبراً إلا من مهانة يجدها في نفسه).. وحين حضر عمر ابن الخطاب (صاحب هذه المقولة) ليتسلم مفاتيح بيت المقدس كان خادمه يركب على الناقة وهو يمشي بجانبه فظن مطارنة القدس أنه الخادم.. كانوا مستعدين لاستقباله بأفخر الثياب والمجوهرات ويحملون صلباناً من الذهب والفضة فأدركوا حين رأوه أنهم أمام رجل يفوق بقية العظماء...

أما في عصرنا الحديث فهناك المناضل الهندي غاندي الذي كان يحضر لمناقشة الحاكم البريطاني في مقره الرسمي برفقة عنزته وقطعة قماش صغيرة تستر عورته.. وهناك أنشتاين الذي كان يحضر المناسبات الرسمية بجاكيت "مكرمش" وشعر منكوش ورقبة حلقها برغوة البانيو.. وحين قررت الحكومة الفرنسية تكريم مدام كوري (بعد نيلها جائزة نوبل للمرة الثانية) حضرت نبيلات فرنسا لاستقبالها بأفخم الملابس والمجوهرات ولكن مدام كوري ذاتها حضرت ببالطو المعمل ثم عادت لإكمال تجاربها على النظائر المشعة!!

... صحيح أن المظاهر الخارجية تشي بمنزلة الإنسان وثروته، ولكن الإنسان نفسه يخبرنا دون أن يدري من فيهما العبد والسيد...

الكذابون الثلاثون


قلت لأحد أقربائي: أعرف أكثر من عشرين شخصاً ادّعوا النبوة في عصرنا الحالي فقط.. فقال بلا تردد: أنا شخصياً قابلت واحداً منهم البارحة.. ظننته يسخر مني حتى قال: البارحة ذهبت لأداء صلاة التراويح في المسجد النبوي فتوقفتْ بجانبي سيارة يقودها رجل تبدو عليه علامات التقوى والصلاح.. عرض توصيلي معه إلى الحرم فركبت معه بلا تردد.. وحين تحركت السيارة كادت "ملزمة أوراق" يضعها فوق التابلو تسقط أمامي فأمسكتها بسرعة فقال: اتركها من يدك فهذا قرآن لم تكتمل آياته.. لم أفهم قصده فقلت: "كيف لم تكتمل آياته"؟ قال: أنا نبي جديد وهذا قرآني الذي لم يكتمل.. قال: فأدركت أنه رجل مجنون فسكت تماماً، ولكنه أكمل هو كلامه قائلاً: أعرف أنه يصعب عليك تصديقي ولكن دعنا نلتقي بعد الصلاة لأشرح لك دعوتي وعسى الله أن يشرح صدرك للإيمان!!

... قال شقيق زوجتي: وحين انتهت الصلاة خرجت هارباً من الطرف الآخر من الحرم خشية التقائي به مجدداً!

تذكرت اليوم هذه القصة العجيبة بعد عثوري على قصاصة قديمة من صحيفة عكاظ (بتاريخ 9 رمضان الماضي) تحمل عنواناً يقول:

"ضبط 323 مدعي نبوة ومريضاً نفسياً في ساحات الحرم خلال 3 أعوام"

.. وتضمن التقرير تصريحاً لعدد من القيادات الأمنية يؤكد ارتفاع أعداد المهووسين بفكرة النبوة الذين يتم القبض عليهم سنوياً في الحرم المكي.. وبهذا الخصوص يقول اللواء يحيي الزهراني: "في عام 1434 تم القبض 104 حالات لمرضى نفسيين 10 منها تدعي أنها المهدي المنتظر.. وحتى شهر رمضان (الماضي) تم القبض على 120 حالة من هذا النوع فقط"!!

... ومن المعروف أن هناك حديثاً يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم (سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي)..

وحسب تصوري ان المقصود من "الثلاثين" هنا هم الأكثر أتباعاً كون الادعاءات الفردية أكثر من أن يتم حصرها في التاريخ.. فادعاءات النبوة ظهرت حتى قبل وفاة الرسول نفسه في معظم القبائل العربية.. خذ كمثال مسيلمة الكذاب الذي اقترح على النبي "مناصفة الأرض" بين قريش واليمامة.. والأسود العنسي الذي جاهر بدعوته في اليمن.. وطليحة بن خويلد الذي ظهر في بني أسد.. وسجاح بنت الحارث التميمي شاعرة بني تغلب الفاتنة.. وبحلول العهد الأموي والعباسي تفاقم الأمر لدرجة سئم الخلفاء من كثرتهم فأمروا عمالهم بقتلهم "بلا محاكمة" فلم ينج منهم إلا القليل (من أبرزهم رسول الشعراء.. المُتنبئ)!

وبدل أن تخف الظاهرة في عصرنا الحديث تفاقمت تحت دعوى المهدي المنتظر.. ففي نهاية القرن ال13 الهجري ظهر في السودان "محمد بن عبدالله" الذي عانى منه حتى الاحتلال البريطاني.. وفي نفس الوقت تقريباً ظهر في المغرب من يدعي أنه المهدي المنتظر ويحمل أيضاً اسم "محمد بن عبدالله" وازدهرت دعوته لتسع سنوات.. وفي نهاية القرن الرابع عشر للهجرة اقتحمت مجموعة مسلحة بيت الله الحرام وسفكت دماء الزوار والمصلين تحت دعوى "المهدي المنتظر"..

أما في القارة الهندية فظهر أكثر من 173 مدعي نبوة في خلال القرنين الماضيين فقط.. ومن أبرز هؤلاء مرزا غلام أحمد القادياني المولود في بنجاب الهند عام 1839 الذي ادعى أنه المهدي المنتظر ثم المسيح الموعود ثم أعلن نبوءته زاعماً إلغاء نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (وتعرف طائفته حتى اليوم باسم القاديانية)!!

... أنا شخصياً فوجئت بالأرقام التي قرأتها في صحيفة عكاظ (عدد17481 صفحة14) وأتصور أن انتشار الدعوات الباطلة عبر الانترنت سيتمخض عنه المزيد من ادعاءات النبوة الصريحة أو المبطنة أكثر من أي عصر مضى.

أمة قابلة للانفجار


مضى زمن كانت فيه إسرائيل عدونا الأول..

مضى زمن كان تحرير القدس همنا الأوحد..

مضى زمن كانت فيه وحدة المسلمين هدفنا المشترك..

مضى زمن كنا نتنازل فيه عن مصروف المدرسة للتبرع ب"ريال فلسطين"..

.. اليوم؛ نسينا كل هذا وأصبحنا نقطع رؤوس بعضنا، ونُفجر مساجدنا أيام الجمع وشهر رمضان..

ماذا أصابنا؟ وما الذي غيرنا؟ ومن الذي أوصلنا إلى هذه الحال؟

لماذا أصبحنا نملك هذا الكم الهائل من الحقد والغل ضد جماعات تشترك معنا في أساسيات الدين وأركان الإسلام.. هل الاختلاف بين المذاهب (سواء كبر أم صغر) يجيز تقاتلها تحت دعوى الجهاد - ناهيك عن أساليب المكر والغيلة؟

هل الخلافات بيننا أكبر من خلافاتنا مع إسرائيل ومن لا يشتركون معنا بذات الدين؟ هل يجوز لأي فرد تخمين سرائر الناس أو تقرير من سيدخل الجنة والنار؟

إن كان الإسلام حرم علينا قتل المدنيين الآمنين (من كافة المذاهب والأديان) فكيف بقتل مسلمين صائمين أتوا للصلاة والعبادة وتلاوة القرآن الكريم.. إن كان نبينا الكريم يقول (في المعاهدين والذميين من غير المسلمين) "من قتل معاهدا حرم الله عليه الجنة" و"من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة" و"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان رائحتها لتوجد من مسيرة أربعين عاما" فأي ثقافة متطرفة تقنع شبابا غرا بتفجير المساجد وقتل المصلين.؟!

رسولنا الكريم غضب من أسامة لأنه قتل رجلا قال لا إله إلا الله في ساحة المعركة.. لم يقبل عذره حتى حين قال "إنَّما قالها متعوِّذًا وما قالها عن إيمان" فرد عليه "أشققت عن قلبه؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة.. اللهم إني أبرأ إليك فيما فعله أسامة"..

حتى هذا الموقف النبوي الجميل يحاول المتشددون سرقته منا اليوم.. يُكفرون من يستشهد بهذه القصة لتحريم قتل أو تكفير من قال لا إله إلا الله.. يدعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسبى نساءهم وأطفالهم وهم يقولون أيضا لا إله إلا الله (وراجع الإنترنت للاطلاع على تفسيراتهم المتشددة لقصة أسامة)!

.. وبالطبع؛ هناك فرضيات كثيرة تدعي أننا نتعرض لمؤامرة عالمية، أو أن داعش صناعة يهودية، أو أن مايحدث في عالمنا العربي خطة صفوية وصهيونية.. لا يقلقني كل هذا حتى لو كان صحيحا.. ما يقلقني فعلا أننا أمة قابلة للانفجار.. أمة تملك ثقافة متطرفة وبراميل بارود تنتظر شرارة التحريض.. لا يمكن لأي مؤامرة التأثير على أمة كاملة ما لم تكن هذه الأمة تملك أصلا بوادر الانقسام والتفكك!

وصلتني قبل أيام رسالة تقول ان الانجليز في الهند (كلما شعروا ببوادر توحد ضدهم) كانوا يذبحون بقرة ويرمونها بين قرى الهندوس والمسلمين لكي ينشغلوا بالصراع فيما بينهم.. وما يحدث بيننا اليوم أن الانتحاري تطوع للقيام بدور البقرة، ودعاة الفتنة بدور أسوأ من الاستعمار!

.. لا سامح الله من علمنا أن الطريق الى الجنة مفروش بالجثث والأشلاء..

.. لا سامح الله من دعانا للجهاد ضد من لم يظاهروا علينا ولم يخرجونا من ديارنا..

.. لعنة الله على من شغلنا عن فلسطين والقدس وجعل إسرائيل تضحك ملء شدقيها..

.. لعنة الله على من ترك خلافات الدنيا، وجعلنا نتقاتل على مسائل فقهية لم تكن تشغل بال آبائنا وأجدادنا..
أيها السادة؛ حان الوقت للنهوض من غفوتنا وإزالة الأحقاد من قلوبنا.. حان الوقت لخلق ثقافة تسامح، وإعادة تربية، وتركيز على قواسمنا المشتركة.. فقد مضى زمن كنا نعتبر فيه إسرائيل عدونا الأول، وفاتنا زمن سبقتنا فيه بقية الأمم.

الخميس، 12 ديسمبر 2019

الماسونية.. أين مكانها بالضبط؟


لا أستبعد وجود "مؤامرات "تحيكها الدول ضد بعضها البعض..

ولا أدعي أن تاريخنا العربي لا يتضمن مؤامرات انتهت باستعمار ومكائد وثورات..

غير أنني أرفض فكرة (اختلاق المؤامرات) ورمي أخطائنا التاريخية على أطراف خارجية وكأننا أمة من البهائم تقاد كل مرة في اتجاه..

لو قلت لي إن منح فلسطين لليهود كان نتاج مؤامرة عالمية لصدقتك لأن هناك حقائق تاريخية تؤكد هذا الادعاء؛ بما في ذلك وجود منظمة الصهيونية العالمية التي تملك مقرا وأعضاء وعقدت مؤتمرها الأول في بازل في 1897 لمناقشة هذا الهدف..

ولو قلت لي إن تقسيم الهند إلى دولة مسلمة وهندوسية مؤامرة استعمارية قادتها بريطانيا لأيدتك جزئيا (وبنسبة أقل) لأن بذور الانقسام بين المسلمين والهندوس كانت موجودة أصلا قبل الاستقلال.. وفي الحقيقة لو وافق الهندوس على اقتراح غاندي بتولي محمد جناح رئاسة الهند لما انقسمت إلى دولتين..

ولكن حين تخبرني أن الثورات العربية أو ما يحدث في سورية والعراق وليبيا مؤامرة حاكتها "الماسونية العالمية" سأرفض ذلك وأعتبره تنصلا من المسؤولية وتنزيها للحركات المتطرفة التي ظهرت هناك.. سأرفض ذلك لأنني أعتبره (ليس فقط تجاهلا لثقافة العنف والتطرف وإفرازات الأنظمة الديكتاتورية السابقة) بل ومشكلة فكرية تتعلق بتعريف المصطلحات وغياب وجوه المتآمرين علينا فعلا..

فحين نتحدث مثلا عن "الماسونية العالمية" ماذا نقصد بالضبط؟..

هل يخبرني أحدكم عن موقعها الحالي؟..

اسأل من سيتواجد بقربك على الإفطار ما هي الماسونية؟ ما أهدافها؟ من يرأسها اليوم؟.. لا أحد يعرف؛ وكأنها شماعة خلقناها لتعليق ما نرفض الاعتراف بمسؤوليته..

حين تسألني مثلا عن منظمة المؤتمر الإسلامي سأخبرك فورا أن موقعها في جدة، وأنها تأسست في الرباط عام 1969 بهدف الدفاع عن مصالح الدول الإسلامية.. وحين تسألني عن "الفيفا" سأخبرك أنها الاتحاد العالمي لكرة القدم ويوجد لها مقر في زيورخ ويترأسها رجل سويسري فاسد - نعرفه أكثر من رؤساء أفريقيا - يدعى جوزيف بلاتر..

إذاً؛ نحن نتحدث هنا عن كيانات مادية لها مواقع حقيقية ووجوه رسمية وتأثيرات فعلية.. وفي المقابل نتحدث كثيرا عن منظمات وجهات (إما وهمية أو جزئية) لنحملها كافة أخطائنا التاريخية.. وهذا للأسف جزء من التفكير التآمري الذي يزدهر في الأمم العاجزة، وبين المجتمعات التي ترفض الاعتراف بمسؤولياتها الحقيقية..

لا أنكر وجود كيانات حقيقية (مثل المخابرات الأميركية والصهيونية العالمية) لا تتردد في حياكة المؤامرات العالمية لتحقيق مصالحها الخاصة.. ولكن مشكلتنا تكمن في تحميل هذه الجهات مسؤولية كافة أخطائنا ومآسينا وأسباب تخلفنا، وهو ما يبدو في نظر العالم سخيفا كسخافة النظام السوري الذي مايزال يتهم "الاستعمار" بمشاكله الحالية!!

.. على أي حال؛ قد تختلف معي - وتصر على إعادة كل شيء الى نظرية المؤامرة - ولكنك بهذه الطريقة ستضطر للإجابة على سؤال أكثر خطورة هو:

.. كيف لأمة تتكون من 400 مليون عربي، ومليار ونصف المليار مسلم، أن تتلاعب بها شخصيات فردية ومنظمات لا تملك حتى كيانات ووجوها ومقرات؟!

.. أقترح؛ قبل أن نتحدث عن مكائد الماسونية والصهيونية وبروتوكولات حكماء صهيون، أن نتحدث أولا عن أسباب انحطاط أمة لم تكف عن التناحر والانقسام منذ موقعة الجمل.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...