الخميس، 29 أكتوبر 2020

سياج المثالية الزائفة

 أشياء كثيرة تعـوقـنا عن بناء الثروة أهمها الأمية الاستثمارية، وغـياب الهدف، وموقع الولادة، وعدم امتلاك مهارات استثنائية راقية... إلخ.

غير أن هناك سببا خفيا لا يتوقعه أحد هو التربية المثبطة، أو ما أدعـوه أنا (سياج المثالية الزائفة).
وسياج المثالية في تعريفي هـو: أي أفكار سلبية مثبطة يعـتنقها الفرد أو ينشأ عليها تعوقه عن تحقيق مصالحه الاقتصادية.
وكلمة "الزائفة" مهمة في المصطلح، كون المثالية جميلة بطبعها، ولكن البعض ينتحلها ليداري بها فشله أو قلة حيلته. فمن المفارقات التي نلاحظها في كل المجتمعات، حــب المال وذمـه في الوقـت نفـسه. في داخلنا، نحـب المال حـبا جـما، وفي العلن نكرر مقولات تـحـمله الشرور كافـة، نسعى خـلفه، ولا نكـتفي من كنزه، ثم نذم أصحابه. نربي أطفالنا على نصائح مثبطة وحكم تـمنع تحصيله مثـل: (القناعة كنز لا يفـنى، والمال لا يشتري السعادة، وعلى نياتكم ترزقون). لا ندرك أن موقـفـنا المزدوج من المال يربك عقولهم ويصنع سياجا لا واعيا يحثهم على الهرب منه. مـا يجب أن تفعله هو "العكس تماما" أن ترفع ثقافة أطفالك المالية وتشجعهم على الادخار والاستثمار في وقت مبكر ــ وإفهامهم أن صنع الثروة دليل نجاح وتفوق.
نعـم، قـد لا يشتري المال الصحة والسعادة وراحة البال، ولكنه يظـل وسيلة العـيش، وشبكة الأمان، وزينة الحياة الدنيا، قدم حتى على الأبناء في قوله تعالى: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، لأن بؤسـك يتضاعف، وكرامتك تستباح، حين تعجز عن تـلبية احتياجات أبنائك.
ستظل فقيرا حين تعتقد أن القناعة كنز لا يفـنى، وأن الزهـد دلـيل صلاح تقـوى. كبار الصحابة كانوا تجارا وماتوا أثرياء لدرجة جهـز عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جيش العسرة، ومات ابن عوف ونصف المدينة شركاء في ماله.
الـثروة قـوة، والغـنى كرامة، والمال يضاعـف قدرتنا على فعـل الخير. وفي المقابل، الزهـد لم يعـد فضيلة، والفـقـر أسوأ صديق، والمثالية الزائفة تضعك في مؤخرة السلم الاجتماعي.. من يتصنع أمامك الزهـد والمثالية (خصوصا هذه الأيام) إما فـشل في جمع المال، وإما محتالا يلبس ثياب الرهـبان.
دون تغيير موقـفـك اللاواعي سيعمل عقلك الباطن على تـثبيطك قـبل أن تبدأ. المثاليات الزائفة هي الشماعة الخفية، التي نعلق عليها أسباب العجز والفشل وعـدم الإصرار، هي السبب "الذي لا يتوقعه أحد" للتخاذل وتضييع الفرص وموت معظم الناس في الطبقة، التي ولدوا فيها، وبالمناسبة، "على نياتكم ترزقون" ليست حديثا نبويا.

الخميس، 22 أكتوبر 2020

لماذا لـم تصبح ثريا حتى الآن؟

لا أعتقد أن الأثرياء العصاميين في مجتمعنا كانوا يتوقعون وصولهم (إلى هذا القدر من الثراء) .. ولا أعتقد أن الموجودين في قائمة فوربس العالمية (لأغنى أغنياء العالم) كانوا يخططون لجمع مثـل هذه الثروات الضخمة..
لا أعتقد ذلك، لأن الثروة مزيج معقد من الحظ والعصامية والمعاناة والوجود في الوقت والمكان المناسبين. تـحتاج ـ كي تصبح ثريا عصاميا ـ أن تولد ذكرا وتعاني في بداية حياتك البطالة وسوء الطالع وعدم الحصول على شهادة أو وظيفة راقـية.. لا تستغرب، فهذه هي الشروط القاهرة والملاحظة في سير الأثرياء الذين صعدوا من الصفر بمجهودهم الشخصي .. لا يمكنك مثلا أن تصبح ثريا وأنت تملك وظيفة مضمونة، أو تعمل في جامعة مرموقة، أو تولد لعائلة ثرية أصلا ـ في حين يصعب على الإناث تكوين الثروات لتحيز المجتمع من جهة، ولأن دافع الثراء لدى المرأة من جهة أخرى أقـل من الرجل (بدليل الغلبة الساحقة للرجال في قائمة فوربس وجميع دول العالم)...
وحين تراجع سير من صعدوا من الصفر ستلاحظ أن معظمهم لم يكملوا الجامعة، ولم يتعـلموا عن تكوين الثروة، ولم يملكوا حتى استراتيجية عمل واضحة .. كان معظمهم أيتاما، أو سيئ الحظ، أو في أحسن الظروف اضطروا للعمل منذ طفولتهم!!
... أخـبرك بهذا لأنـه من خلال دراسة سـير الأثـرياء العـصاميين ستكتشف إيجابيات قـد لا تعمل لمصلحتك، مثـل:
• أنـك لن تصبح ثريا وأنت تملك وظيفة مريحة...
• أنـك لن تصبح ثريا وأنت غارق في دراساتك الأكاديمية...
• أنـك لن تصبح ثريا إن اكتفـيت بقراءة كتب الاقتصاد وتكوين الثروات...
• أنـك لن تصبح ثريا حين لا تضطر للعمل وتـلبي كل احتياجاتك في سن صغيرة...
نعـم .. من المؤلم أن يولد الإنسان فقيرا أو يتيما أو يضطر للعمل منذ طفولته، ولكن من المفارقات الجميلة أن هذا ما يصنع العصاميين الناجحين...
انظر مجددا إلى عنوان المقال وحاول الإجابة عن السؤال بنفسك،
... فـقـد يكون السـبب (في أنك لـم تصبح ثريـا) أن حياتك سارت (حتى الآن) على ما يـرام .. وراجع سير العصاميين لتعـرف الفرق...

الخميس، 15 أكتوبر 2020

مأساة ماتيلدا

 

قـرأت في طفولتي قصة فرنسية قصيرة عن شابة تدعى ماتيلدا، قررت حضور حفل زفاف راق، فـطلبت من جارتها الثرية استعارة عقد ألماس باهظ الثمن دون علم زوجها. وافقت جارتها الطيبة ومنحتها العقد مع كثير من التوصيات بالمحافظة عليه. ولكن ماتيلدا اكتشفت لاحقا أنها فقدت العقد فـصارحت زوجها، واضطر الاثنان إلى بيع ممتلكاتهما، واقتراض مبالغ كبيرة لشراء عقد مماثل أعاداه لجارتهما دون إخبارها بما حصل. وبسبب الديون الكبيرة والفوائد، التي تحملاها في مقتبل العمر انحدرت حياتهما، واضطرت ماتيلدا للعمل كخادمة، في حين تخلى زوجها مونسيور عن حلمه بأن يصبح فـنانا عظيما. وبعد أعوام طويلة التقت ماتيلدا بالصدفة السيدة الثرية، التي فوجئت بملابسها الرثة، وحالتها الصحية البائسة، سألتها عن سـر بؤسها وسبب انتقالها المفاجئ فأخبرتها ماتيلدا لأول مرة بما حدث وكيف أن الديون قضت على حياتها ومستقبل زوجها.. السيدة الثرية وضعت يدها على فمها وقالت بذهـول: أوووه ياعزيزتي، لماذا لم تخبريني وقـتها، كان العـقد مزيفا ولا يساوى بضعة فرنكات!
وما حدث هنا مجرد مثال لما أسميه: (عقبة مالية مبكرة).
فرحلتنا مع المال طويلة، وتستغرق العمر كله، وليس من مصلحتك التعثر مبكرا.. يمكن تمثيل حياتنا بسباق عـدو طويل يحدد الإصرار (والنفس الطويل) من يصل لخط النهاية.
وهذا يعني أن المهم ليس كيف تركض، بـل كيف لا تـتعـثر، وترتكب أخطاء معوقة في بداية حياتك.. فـهناك تصرفات مالية خاطئة من شأنها تدمير خططك الاستثمارية حين ترتكبها في سن الشباب (مرحلة التأسيس والانطلاق).. ليس من الجميل أن تسـقط، أو تلتوي قدمك، أو يطير حذاؤك في بداية السباق، لأن هذا أكثر مأساوية من خروجك بسبب منافسة شريفة.
لا يمكنك بناء مستقبلك (ناهيك عن بناء ثروتك)، وأنت مكبل بالقروض والأقساط، وينتهي راتبك قبل خروجه من الصراف.. لا يمكنك الادخار والاستثمار وبناء الثروة، وأنـت مقيد بالتزامات وقـيود يصعب التخلص منهاــ أيا كان سببها.
وإن سألتني عن أربـعـة قـيود تكـبلنا في ســن مبكرة سأقول:
القروض (فلا تقترض قدر الإمكان).
والتقسيط (فلا تشتري بالآجل بجميع الأحوال).
والاستخدام المفرط لبطاقات الائتمان (وتسديد الحد الأدنى فقط).
ومحاولة العيش فوق مستوانا المادي (كـلبس عقد ألماس لا نملك ثمنه).
فهذه الأخطاء لا تقلل فقط فرصنا في الادخار والاستثمار وبناء الثروة، بــل وتدمر مستقبلنا المالي وتتراجع بمستوانا الاقتصادي حين نرتكبها في بـداية حياتـنا.
وانظر حولك لتكتشف مأساة ماتيلدا في كل مكان.
* القصة من تأليف الكاتب الفرنسي جي دو موباسان ونشرها لأول مرة في 17 فبراير 1884 في صحيفة لوجولوا تحت عنوان 

La Parure


الخميس، 8 أكتوبر 2020

رأس المال الجريء

 في عام 2006 دفعت ألفابيت "المالكة لجوجل" 1.65 مليار دولار لثلاثة طلاب مقابل موقع متواضع يدعى يوتيوب.

وأقول "متواضع" لأن خبراء تصميم المواقع يعرفون سهولة إنشاء مواقع الفيديو بمبالغ ضئيلة نسبيا. أنا من الأشخاص الذين لم يفهموا في ذلك الوقت سـر هذه الصفقة الضخمة، خصوصا أن جوجل كانت حينها تملك موقعا مشابها يدعى Google Video "ألغـته نهائيا عام 2009".
غير أن الأرباح الخرافية التي يحققها اليوتيوب هذه الأيــام "15 مليارا في 2019 وحده" تثـبت أن خبراء الاستثمار في جوجل كانوا على دراية بما يفعلون، بل إن ما فعلوه مع اليوتيوب كرروه مع 460 شركة وخدمة ناشئة اشترتها جوجل قـبل أن تنضج "بما في ذلك برنامج التشغيل أندرويد الذي اشترته بــ50 مليون دولار من المهندس أندرو روبين، وحققت بفضله أرباحا تجاوزت 30 مليار دولار حتى الآن".
وما تفعله جوجل مجرد أمثلة لما يعرف في عالم الاستثمار بـرأس المال الجريء أو Venture capital الذي يفضل المغامرة واقتحام أسواق جديدة ومختلفة.
يتشكل غالبا من مجموعات مالية عملاقة، وصناديـق استثمارية جريئة، وشركات عملاقة تبحث عن أفكار ومشاريع رائــدة. رأس المال الجريء هو الذي ساعد طالبا ماكرا يدعى زوكربيرج على تأسيس الفيسبوك ودخول قائمة أغنياء العالم، وهـو من ساعد لاري بيج وسيرجي برين بعد أن فشلا في بيع "محرك جوجل" على محركات البحث المعروفة حينها، وهـو أيضا من سـاعد مبتكرين ورواد بـسـن الشباب، على تأسيس شركات، مثل: أبل وأمازون ومايكروسوفت وتسـلا مقابل نسبة كبيرة من ملكية الشركة.
وحين تـتأمل قطاع التقنية بالذات، تكتشف أن رأس المال الجريء هو الذي أسس شركات تقنية ومعلوماتية حديثة تجاوزت قيمتها السوقية شركات صناعية عريقة، مثل: فــورد وبوينج وجنرال إلكتريك. بفضل جراءته وشجاعته انتقلت أمريكا بأكملها من اقتصاد التصنيع "الذي تركته للصين وكوريا وتايوان"، إلى اقتصاد المعرفة وتجارة المعلومات - التي تبيعها لنا جوجـل وأبل ومايكروسوفت دون أن نـدري.
المدهش أكثر، أن رأس المال الجريء لا يوظف في الشركات المعـرفـية "عـشـر" من توظفهم شركات صناعية، مثـل: فورد وبوينج وجنرال إلكتريك.
كل ما في الأمر أن "جوجل وأبل ومايكروسوفت" تضم أكبر عدد من الأذكياء في كل متر مربع.

الاثنين، 5 أكتوبر 2020

امتلك وثيقة تأمين.. وقد بأمان


حوادث مفاجئة، أزمات غير متوقّعة، ظروف استثنائية تطرأ فجأة ومن دون سابق إنذار. تأتي لتلقي بحملها الثقيل على كاهل الأفراد، محدثةً إصابات جسدية وخسائر مادية واضطرابات نفسية يصعب عليهم تحمّلها بأنفسهم. من هنا، وللتخفيف من تداعياتها السلبية على المستويات كافة، ظهر في القرن الرابع عشر مفهوم التأمين، ليكون وسيلة لمواجهة المخاطر والتخفيف من وطأتها.

ومع مرور الوقت، تزايدت أهمية قطاع التأمين لكونه يحقق مبدأ التعاون بين مكونات المجتمع كافة، ويساعد في المحافظة على الثروات، ويساهم في تفادي خسائر محتملة تفوق قدرة الفرد والشركات على تحمّلها. كما أنه يساعد على الادخار، ويوفر الطمأنينة في نفوس الأفراد، ويؤدي بالتالي إلى رفع إنتاجيتهم وتحسين جودة حياتهم. هذا بالإضافة إلى آثاره الاقتصادية المرتبطة بانعكاسه الإيجابي على كل القطاعات الإنتاجية والاستثمارية، حتى بتنا نعيش وفق مقولة "اقتصاد متطوّر يحتاج تأميناً متطوّراً". 

قبل ثلاثين عاماً، كنت في مطار دالاس حينما جلس بقربي شاب لطيف تجاذب معي أطراف الحديث. وحينما اقترب موعد صعودنا إلى الطائرة، قال فجأة: "أووووه نسيت المرور على الجهاز"، فاغتنمت الفرصة وقلت بدوري: "أووووه وأنا أيضاً".. وحينما وصلنا، سألني: "كم ستضع فيه؟"، فقلت "ماذا تقصد؟". قال: "خمسة أم عشرة أم عشرون دولاراً؟؟".. ولأنه كان يعتقد أننا ــ نحن السعوديين ــ نملك آبار نفط في منازلنا، اخترت مكرهاً "العشرين".. وعلى الفور أخرج لي الجهاز إيصالاً برقم الرحلة والمقعد وبوليصة تأمين على الحـياة بعشرين مـلـيــون دولار!!!

كان الجهاز ببساطة يبيع وثائق تأمين على الحياة تدفع تعويضاً لعائلة الراكب في حالة سقوط الطائرة، ولأن كوارث الطيران نادرة في أمريكا (حيث لا تسقط طائرة أو طائرتان كل عام) غدت الفكرة مربحة لشركات التأمين.

ليس فقط تأمين السفر مسألة أساسية في حياتنا، فالبعض ربما لم يضطر للسفر أصلاً. وهنا يمرّ في ذاكرتي عدد من القضايا التي سمعنا عنها أو عايشنا قسماً منها، حول تعويضات تمّ دفعها جرّاء حوادث أو أخطاء، لعلنا لم نتوقع أنها قد تحصل ولو لمرة في حياتنا. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، دفعت شركة مختصّة بصناعة المستحضرات الطبية مبلغ 40 مليون دولار لسيدة و110 ملايين دولار لأخرى بعد إصابتهما بالسرطان نتيجة استخدامهما لمنتجاتها. وفي قضية أخرى، قضت محكمة أمريكية بتعويض امرأة مبلغ 209 ملايين دولار أمريكي، خُفّض فيما بعد إلى مليون دولار، بعدما انسكب عليها كوب قهوة ساخن اشترته من سلسلة مطاعم شهيرة تسبب لها في إصابات وحروق من الدرجة الثالثة، وذلك لأن الشركة لم تطبع علامة تحذير على كوب القهوة من سخونة المشروبات.

وفي قضية غريبة، قام عامل في أحد الفنادق الأمريكية بضرب نزيل في الفندق بالحذاء على وجهه، فلجأ الأخير إلى مقاضاة شركة الأحذية لعدم كتابة تحذير أن حذاءها قد يتسبّب بأضرار كبيرة إذا تم استعماله في ضرب أحدهم، فأجبرت الشركة على تعويضه بمبلغ 60 مليون دولار أمريكي.

جميع هذه الحوادث وتداعياتها تبرز أهمية التأمين وتعويضه المعنوي والمادي على الأطراف ذوي العلاقة، لكنها في الوقت عينه هي حوادث ظرفية غير قابلة للتكرار ربما أكثر من مرة في العمر. لكن ماذا عن الحوادث التي يمكن أن تتكرر كل عام، كل شهر، كل أسبوع، بل ربما كل يوم؟! هل نعي الآن أهمية التأمين على المركبات وضرورته مثلاً، والذي ربما أجزم أنه يأتي بموازاة التأمين الصحّي، إن لم يكن أهمّ في بعض الحالات؟ إن التأمين على المركبات برأيي، هو واجب وضرورة أكبر بكل المعايير، وبخاصة في بلد كالمملكة التي تعد، وللأسف، من أعلى دول العالم نسبةً في الحوادث المرورية. ذلك لأن احتمالية الحوادث المرورية والمخاطر الناجمة عنها أكبر، نظراً إلى الكم الهائل من المركبات على الطرقات واستخدامنا للمركبات بنحو شبه يومي، وأيضاً لأن خطورة حوادث المركبات لا تكمن في مجرد حصولها فقط، بل في نتائجها الأليمة سواء على صاحب المركبة أو على الغير. وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على أن الالتزام بثقافة التأمين عموماً، والحرص على أن تكون جزءاً من مسؤوليتنا الحياتية خصوصاً، تجنباً لأي طارئ هو المسالة المهمة بحد ذاتها.


والآن بـقي أن أسألك أنــت، بـأي العـقـليتين تتمتع؟! 

هل تدفع مثلاً عشرين دولاراً فقط مقابل 20 مليوناً يستلمها ورثتك في حالة سقوط الطائرة (وهو احتمال لا يتجاوز واحداً على 120 مليوناً!؟) أم تدفع مبلغاً بسيطاً للتأمين على مركبتك التي تقودها بشكل يومي؟ 

إن التأمين على المركبات وُضع ليكون ذا تكلفة زهيدة، أي أقلّ تكلفة، حتى لا يزيد الوطأة الاقتصادية على المؤمن، ولكنّه، في نفس الوقت، يحفظ حقوقه وحقوق غيره. وهذا بحد ذاته عنصر اطمئنان وأمان يعزز ثقتك في قيادة سليمة وأكثر سلامة. 

وأذكر أن منظمة الصحّة العالمية أصدرت تقريراً يشير إلى أن حوادث السير (وليس السرطان أو الإيدز أو أي مرض آخر) هي السبب الأول لوفيات صغار السن في العالم. فقد اتضح أن حوالي 400 ألف شخص دون سن الخامسة والعشرين يموتون سنوياً في حوادث سير، وأن الملايين يصابون بجروح أو إعاقات دائمة. 

وهذه المفارقة وحدها تثبت أهمية الثقافة المرورية والتوعية المستمرة في تخفيض عدد الوفيات والإعاقات في أي مجتمع، والتي يأتي في مقدّمها الالتزام بامتلاك وثيقة التأمين على المركبات حمايةً لنفسك ولغيرك.

وقد أشادت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها، بجهود المملكة في تعزيز السلامة المرورية بما يحقق المستهدفات العالمية في حفظ الأرواح والممتلكات. وبيّنت المنظمة في التقرير أن هناك انخفاضاً في أعداد وفيات حوادث الطرق بنسبة 35 في المائة، وانخفاضاً في معدل الوفيات لكل 100 ألف نسمة بنسبة 40 في المائة خلال الفترة من 2016 إلى 2018. كما لفت تقرير منظّمة الصحة العالمية إلى المنهجية التي تسير عليها المملكة في تحسين السلامة المرورية، وذلك من خلال برنامج التحوّل الوطني و«رؤية 2030». 

بالتأكيد، يعود هذا الأمر إلى الوعي والاهتمام والصرامة في تطبيق قواعد المرور. وبموازاة ذلك، يبرز الوعي والحث على امتلاك وثائق تأمين ضد الحوادث بمختلف أنواعها.. وثائق تأمين تحميك، وتحمي غيرك، وتعيد تأهيل مركبتك، وتعفيك من دفع فواتير الخدمات الطبية المرتفعة في حال احتجت إليها...

امتلك وثيقة تأمين... وقد بأمان..


References:

https://www.spa.gov.sa/2031163

https://www.albayan.ae/editors-choice/varity/2019-10-09-1.3669782

https://www.okaz.com.sa/news/local/2009174

https://aawsat.com/home/article/2124861/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9-%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%AF%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%A9-52-%D9%88%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%86%D9%87%D8%A7




‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

سيرة فهد الأحمدي .. بقلم عبدالله المغلوث

 ارفع يدك إذا كنت تريد أن تصبح كاتبا ناجحا. لن أدعك ترفعها طويلا. فسيرة الزميل الكاتب المتألق فهد الأحمدي، ستقطفها وتجعلها تسبح على لوحة المفاتيح أو على أقرب ورقة أمامك.

ولد فهد عام 1969، في المدينة المنورة في حي العطن الشعبي المناهز للمنطقة المركزية المحيطة بالمسجد النبوي الشريف. نشأ في منزل جدته لأمه والتي تنتمي لأسرة الصقعبي التي تعود جذورها إلى منطقة القصيم (وسط السعودية)، مما دفع من حوله مبكرا إلى مناداته”فهد الصقعبي” إثر التصاقه بجدته وولعه بها.
عندما خرج إلى الشارع وجد نفسه بالقرب من موقف كبير للسيارات في الحي الذي يقطنه يدعى” موقف السبق”، والذي كان محطة للحجاج والمعتمرين من كافة أنحاء المعمورة لالتقاط سيارات الأجرة قبل انتشار الحافلات.
فاختلط بالعديد من الجنسيات في سن مبكرة فأصبح منفتحا مبكرا لا يستنكر، لا يشجب، بل يتأمل، ويصغي، ويكبر بسرعة.
احتكاكه بالعالم شجعه على العمل في محل لبيع الأدوات المنزلية يمتلكه عمه ووالده ،الذي يعمل ممرضا، أمام المسجد النبوي. خطف في المحل كلمات وجملاً عديدة من شفاه الأجانب الذين يتقاطرون بوفرة إلى المحل. تردد الحجاج والمعتمرين على المنزل الذي يقطنه طور لغاته الأجنبية، حيث كانت العديد من الأسر في المدينة ومكة تؤجر غرفا في منازلها للقادمين من أصقاع العالم إثر عدم توفر فنادق وشقق تستوعبهم.
درس الابتدائية في مدرسة الشهداء الزاخرة بالتاريخ. أحب الكتب. واقتنى في سن العاشرة كتاب أدب الرحلات في التاريخ، ومذكرات هتلر . انتقل إلى متوسطة ابن خلدون. وفيها تعلق بالكتب أكثر. فانصرف عن المناهج. يبرر:”لم نلتق”. كانت المرحلة الثانوية مأهولة بالحيرة. ازداد ارتباطه بالكتاب، وابتعاده عن المناهج والمدرسة، فقد كان يضع كتاب النحو وفي بطنه كتابا آخر احتيالا على أسرته. فطالما قال له أهله عندما يرونه وهو يقرأ:”ما شاء الله عليك. تذاكر طوال 24 ساعة”.
بعد المرحلة الثانوية دخل عدة جامعات داخلية وخارجية. درس في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة تخصصي الجيولوجيا، والحاسب الآلي دون أن يحصل على البكالوريوس. ثم حزم حقائبه وحلمه إلى جامعة هاملن في مانيسوتا الأمريكية. لم يكمل فيها أيضا. فقد كان يداوم في المكتبة.
قرر أن يغادر أمريكا ويعود إلى الوطن برفقة فكرة حالمة تهمس في أذنه قائلة:” ستجد وظائف عديدة دون شهادة. فأنت مثقف ومجتمعك بحاجة إليك”.
لم تكن أكثر من مجرد فكرة حالمة. فالوطن لم يقدر موهبته وهو لا يحمل شهادات ووثائق. أيضا، والده كان مأهولا بخيبة الأمل. فهو يعتقد أن عودة ابنه بددت حلمه، وماله الذي أنفقه عليه، كونه لم يكن مبتعثا على حساب أي جهة. جلس فهد عاطلا عن العمل والفرح عامين وهما90 و91.
وخلال إحدى رحلاته المكوكية لجدة بحثا عن عمل، وهربا من حزن أبيه، والناس في المدينة المنورة الذين نهبوه أسئلة عن مستقبله وحلمه حط ركابه وأناخ قلقه في كافتيريا شعبية. استوقفته فيها جملة موجزة خلال حديث بين مصريين. فقد كان أحدهما يقول للآخر:” اللي تغلب بو العب بو”. أي استثمر ما تفوز به. تلك العبارة دارت في رأسه طويلا حتى جعلته يتساءل قائلا:” ماذا لدي لأستثمره وأفوز من خلاله؟”. لم يجد فهد غير المعلومات والثقافة التي اكتسبها من قراءة مئات الكتب والمقالات. خرج من الكافتيريا محاصرا بالعبارة السابقة والرغبة في ترجمتها من خلال بضاعته(الثقافة)، لكنه سأل نفسه مجددا:”من يشتري الثقافة والمعلومة؟”.
لم يطل تفكيره. لاحت فكرة مراسلة الصحف في أفقه رغم أنه لم يفكر قبل ذلك بالكتابة. فلم تعبره هذه الفكرة أبدا قبل ذلك.
راسل الصحف السعودية لمدة عام ونصف دون أن يرد عليه أحد حتى أجاب عليه رئيس تحرير صحيفة المدينة وقتئذ، الأستاذ محمد حسني محجوب وطلب مقابلته على ضوء الخطاب الذي بعثه والمقالات التي أرفقها معه. ومن فرط سعادة الأحمدي بالاتصال ذهب إلى جدة، حيث المركز الرئيس للصحيفة، في نفس اليوم رغم أنه للتو قد عاد للمدينة المنورة. ويتذكر فهد أن الأستاذ محجوب لم يبد حماسة كبيرة لاستكتابه مباشرة. فقد كان يحاول بلباقة كبيرة الاعتذار عن ضمه لقائمة المتعاونين مع الصحيفة كونه جاء حديثا لصحيفة المدينة قادما من صحيفة عكاظ وبحاجة إلى مزيد من الوقت قبل اتخاذ قرار بشأنه إثر الملفات الغفيرة التي تحيط به آنذاك. وخلال الاجتماع دخل الزميل الأستاذ جمال خاشقجي، الذي كان يعمل في المدينة وقتئذ، واستمع إلى جزء من الحوار بينهما قبل أن يقول للأستاذ محجوب:”لمَ لا نجربه؟” وبالفعل اقتنع رئيس تحرير المدينة بالفكرة وباركها.
وحينها بدأ فهد بكتابة زاوية يومية في المدينة بعنوان”حول العالم”. يقول:” عملتُ مجانا لمدة ستة أشهر. لكن كنت سعيدا و مدينا للصحيفة التي فتحت صدرها لي”.
وكانت أول مكافأة يحصل عليها من المدينة ألفي ريال. وارتفعت المكافأة مع مرور الوقت إلى ستة آلاف ريال. وكتب في المدينة كمتعاون لمدة 10 سنوات. وكانت مقالته تتكون من نحو 500 كلمة.
في عام 2000 تلقى اتصالا هاتفيا من رئيس تحرير صحيفة الرياض، الأستاذ تركي السديري. وأبدى السديري خلال الاتصال رغبته في انتقاله إلى صحيفة الرياض وأشار إلى أن الصحيفة سوف تعطيه ضعف المكافأة التي يحصل عليها من المدينة رغم أنه لا يعرف حجمها، إيمانا بموهبته.
وقد نقل الزميل فهد العرض إلى الزملاء في المدينة، وانتظر إجابتهم لمدة 40 يوما من”باب الوفاء” على حد قوله قبل أن ينقل أمتعته ومقالاته إلى صحيفة الرياض التي أصبح حاليا أحد عناصرها المهمة.
الأحمدي لا يملك شهادة دكتوراه، لكن يملك موهبة حقيقية، وتجربة مطرزة بالكفاح والفشل والشغف جعلت مقالاته تستلقي على الصفحة الأخيرة لإحدى أهم الصحف المحلية في المملكة. فربما تحقق أنت وأنتِ ذات النجاح أو أكثر من خلال المزيد من الإصرار والطموح.

الأحد، 29 مارس 2020

كيف انتهت هذه الزاوية؟


طوال الــ28 عاما التي قضيتها في تحرير هذه الزاوية «من عام 1991 حتى 2019»، لم أعتقد يوما أنني على حـق.. كنت وما زلت على قناعة بأن الكاتب ليس معلما ولا حكيما، ولا يفترض به الحديث من برج عاجي، هـو فقط شخص يفكر بصوت مكتوب، ويعـبر عن رأيه علنا «مكره أخاك لا بطل».. تعبيره عن رأيه علنيا لـيس شجاعة، بـل طبيعة مهنة تجعله يعيش على كف عفريت، ويجذب إليه عداوات واتهامات يتقبلها كضريبة عمل.. الصحافيون والكتاب بالذات يدركون قبل غيرهم، أن الجماهير لا تتفق على رأي، وتميل إلى اتهام وتخوين من يختلف معهم في الرأي - ولا يتلقون آراء غيرهم بالنظرة والمستوى ذاتيهما.

أنا من جهتي؛ لا أستطيع الجزم بعدد العقول التي أثرت فيها، ولكن هناك إحصائية للدكتور أحمد الزمامي (نشرت بتاريخ 4 أكتوبر 2017 في صحيفة الرياض)، تشير إلى أن ما نشر في زاوية حول العالم يعادل 50 رسالة دكتوراه.. وحين انتقده البعض «كيف تقارن مقالات صحافية برسائل أكاديمية؟»، أشار إلى أن المقالات نشرت جميعها بنسبة 100 في المئة، وتأثر بمحتواها الناس، وتم تداولها في المواقع والمنتديات.. وفي المقابل، ظلت الثانية - في معظمها - حبيسة الأدراج، وغير مقروءة، ولا يتداولها الناس.. أنـا شخصيا؛ ابتعدت نهائيا عن هذا النقاش، ليس فقط لأن شهادتي فيه مجروحة، بل لأن ما يهمني أكثر هو شهادات القراء الذين يملؤون بريدي الإلكتروني أو يتعرفون علي في الشارع، ويتحدثون معي كصديق يعرفونه من سنين (بدليل تكرارهم جملة أصبحت تشعرني بالشيخوخة: كنت أقرأ لك من أيام الابتدائي)!!

غير أنني أخيرا قررت التوقف عن الكتابة اليومية، والتفرغ للتأليف، لأسباب يصعب قـولها حاليا..

وفي المقابل، أصبحت ثقتي كبيرة بمجال التأليف كوني نشرت حتى الآن تسعة كتب ناجحة (خلال ست سنوات فقط) رغم التزامي بكـتابة مقالين في اليوم.

وهذا يعني أنني لن أهجر الكتابة ذاتها، (فالكتابة عشق يرفض التقاعد)، ولكنني سأطل عليكم من خلال كتابين في الـعـام، وربما مقال أسبوعي أو شهري للتنفيس عن أفكار يصعب كبتها.. نعـم؛ ستغيب الزاوية بعد هذا المقال؛ ولكن الأفكار ذاتها ستستمر بصرف النظر عن وسيلة النشر. لدي قناعة بأن ما يستحق النشـر سيتولى الناس نشره بعفوية في الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، لن أغيب (حتى لو أردت الغياب)؛ لأن الإنترنت تحولت إلى أرشيف أزلي، والشيخ جوجل يسترجع خلال ثوان مقالات كـتبتها قبل ربع قرن.

وبما أن هذا المقال هو آخر مقال لي في صحيفة الرياض، أجدها فرصة لتقديم اعتذاري من كل قــارئ أغضبته، أو اختلفت معه، أو أسأت إليه من دون قصد.

أتقدم بالشكر والعرفان للقراء الذين تابعـوا الـزاوية، وكبروا معها، وبقوا أوفياء لها.

للأساتذة والمسؤولين الذين منحوني ثقتهم في صحيفة المدينة، ثم جريدة الرياض، وساعدوني على نشر 9520 مقالا، وممارسة (أجـمل مهنة في العالم).

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...