الأربعاء، 8 يناير 2020

بين لقاء الملك عبدالعزيز وزيارة الملك سلمان


في فبراير 1945 غادر الملك عبدالعزيز ميناء جدة للقاء طال انتظاره مع الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت.. ومن جهته حضر الرئيس روزفلت جوا بعد انتهائه من مؤتمر يالطا (الذي جمع بين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية) للاجتماع بالملك الذي سمع عنه كثيرا .. كان الرجلان يكنان لبعضهما تقديرا واحتراما عظيمين؛ فالرئيس روزفلت كان متشوقا لرؤية ملك وحد شعبا وصنع دولة وبلور أمة.. والملك عبدالعزيز من جهته كان يعرف أنه سيلتقي برجل قاد أمته في أحلك الظروف خلال الحرب العالمية الثانية (رغم أنه كان مقعدا) والوحيد الذي انتخبه الشعب الأميركي لثلاث مرات متتالية..

كان الرئيس روزفلت يحترم ذكاء الملك عبدالعزيز الذي لم يبد ميلا لأي من أطراف النزاع في الحرب العالمية الثانية حتى تأكد من انتصار الحلفاء.. كما ان الملك عبدالعزيز لم يلتق بالرئيس روزفلت قبل ذلك بخمسة أعوام (وفضل بعث ابنيه الأميرين فيصل وخالد للولايات المتحدة كأول وفد سعودي عال المستوى يلبي دعوة واشنطن عام 1940)..

وكان الملك عبدالعزيز قد بعث لروزفلت قبل ذلك (وتحديدا عام 1938) رسالة شرح فيها موقف العرب من القضية الفلسطينية وخطورة تدفق المهاجرين اليهود للمنطقة.. وحين التقى أخيرا بالرئيس روزفلت عام 1945 (على ظهر الطراد البحري كوينسي في البحيرات المرة في مصر) كانت شركة ستاندرد أويل قد اكتشفت النفط في السعودية وتحولت قبل عام فقط إلى اسم جديد يؤكد شراكة الحكومة السعودية فيها (شركة الزيت العربية - الأمريكية).. وهكذا كان كل طرف يدرك أهمية الطرف الآخر قبل اجتماعهما الفعلي ويتفقان على ضرورة بناء شراكة إستراتيجية طويلة ودائمة بين البلدين.

وفي حال رأيت صور اللقاء ستلاحظ (بين الزعيمين) وجود الكولونيل ويليام بيل إدي الذي كان يجيد العربية وعمل مترجما بينهما.. وبعد تقاعده نشر المحادثات التي دارت بينهما في كتاب يدعى "فرانكلين يقابل ابن سعود" يتضح من خلاله تقدير الرجلين لبعضهما البعض..

وفي هذا الكتاب يؤكد الكولونيل ويليام أن هناك قضيتين أساسيتين تمحورت حولهما رؤى الزعيمين.. الأولى حرص الرئيس روزفلت على ترسيخ علاقة بلاده بالسعودية واعتبارها حليفا استراتيجيا واقتصاديا في المنطقة (خصوصا بعد هزيمة ألمانيا وتراجع دور بريطانيا في المنطقة).. والثانية حرص الملك عبدالعزيز على مناقشة القضايا العربية وسرعة حل المسألة الفلسطينية.. وقد تمكن الملك عبدالعزيز بالفعل من أخذ وعد شفهي من روزفلت (عززه بخطاب رسمي قبل وفاته بأسبوع بتاريخ 5 ابريل 1945) جاء فيه بأنه يعد ابن سعود: بألا تقوم أميركا مطلقا بأي عمل عدواني ضد العرب، ولن تغير سياستها تجاه القضية الفلسطينية قبل إجراء مشاورات أولية مع العرب واليهود..

يقول المترجم الخاص بروزفلت: حين غادر الملك عبدالعزيز السفينة عائدا الى بلاده نظر إليه الرئيس روزفلت حتى غاب في الأفق قبل أن يتنبه لوقوفنا بجانبه..

وقبل يومين فقط لاحظ الجميع نظرة مماثلة على وجه أوباما حين ودع الملك سلمان قبل أن يتنبه لوجود كاميرات التلفزيون..

الملك سلمان في البيت الأبيض



الملك سلمان كان حاضراً عام 1974 حين استقبل الملك فيصل الرئيس الأميركي نيكسون، وكان حاضراً البارحة حين استقبله الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما في البيت الأبيض..

الملك سلمان يمثل تاريخاً طويلاً من ثوابت المملكة السياسية، والرئيس أوباما لا تخفى عليه خلفيات التاريخ وعمق العلاقات مع السعودية.. يلتقي الرجلان في زيارة تؤكد استمرارية هذه العلاقات ليس فقط لمصلحة البلدين بل ولمصلحة الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة والعالم أجمع..

وتأتي زيارة الملك سلمان تلبية لدعوة الرئيس أوباما التي نقلها وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر خلال زيارته السعودية في يوليو الماضي. وتعد تتويجاً لزيارات كثيرة متبادلة بدأتها السعودية عام1940 (حيث أناب الملك عبدالعزيز ابنيه الملك فيصل وخالد لزيارة واشنطن) وأمريكا عام1974 (حين التقى الملك فيصل بالرئيس ريتشارد نيكسون كأول رئيس أميركي يزور السعودية).. وبخصوص الملفات التي سيناقشها الزعيمان من المتوقع أن تتضمن الوضع السوري واليمني، والاتفاق النووي الإيراني، ناهيك عن توقيع اتفاقيات تجارية ودفاعية وأمنية مشتركة كما يتضح من طبيعة الوفد المرافق لخادم الحرمين الشريفين.

ومن الناحية السياسية تدرك السعودية أن علاقتها بأعظم قوة في عصرنا الحديث تصب ليس فقط في مصلحة شعبها واقتصادها بل وعالمها العربي والإسلامي.. فخلال تاريخها السياسي الطويل لعبت السعودية دوراً مهماً في المنطقة بدءاً بحروب 1948و1967و1973 ومرورا بغزو لبنان وحصار غزة، وانتهاء بتداعيات الربيع العربي وانفجار الوضع في كثير من دول المنطقة.. كما تعاونت مع أميركا لتحرير أفغانستان والكويت، وأقنعتها باتخاذ مواقف قوية حيال غزو لبنان وحصار غزة، واستقلال البوسنة، ومايجري في بورما وسورية واليمن.. الرئيس روزفلت نفسه قال بعد لقائه بالملك عبدالعزيز لأول مرة عام1945: لأول مرة ينجح رجل في لفت نظري إلى وجود وجه آخر للمأساة الفلسطينية (علماً أن الملك عبدالعزيز سبق وبعث عام 1938 رسالة للرئيس الأميركي محذراً فيها من خطورة تدفق المهاجرين اليهود إلى فلسطين قبل الإعلان رسمياً عن قيام الدولة الإسرائيلية).

وأميركا من جهتها (وبصفتها دولة عظمى) من الطبيعي أن يكون لها علاقات سياسية مع جميع الدول حتى تلك التي لا نقيم معها علاقات سياسية.. من الطبيعي أن تنظر لمصالحها الخاصة بمعزل عن العواطف والأيدلوجيات والحسابات التاريخية بل وبمعزل عن الأصوات التي تحاول داخلها فرض رؤيتها الخاصة حيال التعامل مع هذه الدولة أو تلك..

والجمع بين رؤى القادة في البلدين نجم عنه تلاحم تاريخي قوي وراسخ (شبهه كثير من رجال السياسة الأميركان بالزواج الكاثوليكي) أصبح أنموذجاً لما يجب أن تكون عليه علاقات الدول الكبرى حيث الاحترام المتبادل والمصالح الاقتصادية والسياسية يظل دائماً أكبر وأعمق من أي ميول عاطفية أو نعرات أيدلوجية أو حسابات تاريخية..

ولهذا السبب بالذات لم تنقطع العلاقات بين البلدين منذ بدأت عام 1933 بعكس ماحصل بين معظم الدول في العالم.. طبعاً لا ينكر أحد وجود خلافات في وجهات النظر حيال بعض القضايا مثل القضية الفلسطينية والنوايا الإيرانية والأزمة السورية (ناهيك عن الحملات الإعلامية التي طالت السعودية أعقاب صفقة الأواكس في الثمانينات والتفجيرات الإرهابية عام2001) ولكن تحكيم العقل والمنطق وقوة المصالح المشتركة هو ما كان يتغلب في النهاية ويظل دائماً أكبر من جميع الأصوات..

واليوم تأتي زيارة الملك سلمان لتضيف بُعداً جديداً لهذه العلاقة التي أثبتت متانتها وأهميتها للطرفين منذ 85 عاماً.. زيارة لا يمكن أن تصفها بالعادية كونها تأتي من ملك كريم (لا يقود فقط دولة تملك ثقلاً كبيراً) بل وكان حاضراً في مراكز القرار قبل حضور نيكسون عام 1974.

أعظم صادرات السعودية


يحكى أن سائحاً أميركياً دخل أحد الفنادق وطلب أفضل غرفة فيه.. أعطى موظف الاستقبال "مئة دولار" كعربون ريثما يصعد ويرى الغرفة بنفسه.. موظف الاستقبال دفع المئة دولار لبقال اشترى منه طعاماً بالدين.. البقال دفع المئة دولار لتاجر خضروات.. تاجر الخضروات دفعها للمزارع.. المزارع دفعها لشركة الأسمدة.. الشركة صرفتها كراتب لمدير فاسد.. المدير الفاسد دفعها لعاهرة أشد فساداً.. العاهرة أخذت المئة دولار وأعادتها للفندق نظير إقامتها في الليلة السابقة.. وحين خرجت من الفندق نزل السائح الأميركي وقال غاضباً: تعطل بي مصعدكم ولن أسكن أبداً في هذا الفندق.. استعاد المئة دولار وخرج بلا رجعه!!

... والآن؛ هل يمكنك إخباري أين ذهبت المئة دولار؟

هل لاحظت كيف تمكنت ورقة نقدية (واحدة) من تأدية خدمات ومنافع كثيرة؟

... سأترك لك مهمة الإجابة وأنتقل معك مباشرة إلى قصة مماثلة تتكرر كثيراً في السعودية:

في إحدى الاستراحات جلس خمسة تجار بشكل دائري.. أخرج الأول من جيبه مئة ريال واشترى شيئاً من الثاني.. الثاني اشترى لزوجته شيئاً من الثالث، والثالث اشترى شيئاً لعائلته من الرابع، والرابع اشترى من الخامس شيئاً لابنه البكر.. وحين وصلت إلى الخامس أعادها من جديد الى التاجر الأول ليشتري منه شيئاً يحتاجه..

بهذه الطريقة تصبح (المئة ريال) محصورة في دائرة مغلقة يستفيد منها الجميع وتلبي حاجة الجميع وتدور بين الجميع مرات عديدة.. ليس هذا فحسب بل لاحظ أن الأموال ستتراكم (حين يخرجون أوراقاً نقدية إضافية يتم تداولها فيما بينهم) وبالتالي يرتفع معدل الأموال المتداولة في أيديهم ويصبح الجميع أثرياء والمجتمع أغنى من النرويج ولوكسمبورج!

... ولكن ماذا لو كسر أحدهم دائرة التداول في المثالين السابقين؟

... ماذا لو سرق موظف الفندق المئة دولار وهرب؟

... ماذا لو خرج "المواطن الثالث" من المجلس وحول المئة ريال إلى دولة خارجية!!

في هذه الحالة ستضيع "المئة دولار" وينزف الوطن ويضطر المواطنون إلى إخراج "مئة ريال جديدة"!!

... غير أن المشكلة الأزلية تتكرر بلا وعي واهتمام من المواطن الثالث.. ففي حين نضطر نحن إلى إخراج مئة ريال جديدة يسارع هو إلى تهريبها مجدداً إلى "الخارج" ويحرم البقية من تداول ما أصبح مجموعه (مئتي ريال) ... تتحول بمرور السنين إلى بليونين وثلاثة وأربعة..!

... هذا في الحقيقة هو ما يحدث على مستوى السعودية بحيث أصبح المال (وليس النفط) هو أعظم صادراتنا.. ففي كل مجتمع يتداول الناس المنافع، وتتراكم في أيديهم الأموال عاماً بعد عام بفضل انغلاق الدائرة وتوالد ثروات إضافية.. ولكن إن كان هناك نزيف مالي واقتصادي (وأشخاص يساهمون في تحويل الأموال إلى باكستان والهند وبنغلاديش) ستنقطع الدائرة مراراً وتكراراً حتى يعجز معظم الأفراد عن إخراج (مئة جديدة) فتضعف القدرة الشرائية وتكسد حركة التجارة!

وقد تنبهت دول كثيرة خصوصاً الأنظمة الاشتراكية في الماضي إلى خطورة النزيف المالي فوضعت قيوداً على التحويلات المالية أو نقلها بصفة شخصية.. وفي المقابل تعد السعودية من أكثر الدول انفتاحاً وتحويلاً للأموال (بل وأول دولة خليجية وعربية اعتمدت نظام حرية التحويل منذ عام1961).. وفي كل عام يعلن فيها البنك الدولي عن أكثر الدول تحويلاً للأموال تأتي السعودية في المركز الثاني (بعد أميركا) من حيث تصدير الأموال.. ولكن لو قارنت سكان أميركا (واقتصادها الذي يفوقنا بأضعاف أضعاف) لاكتشفت أنها أخف نزيفاً وتضررا وبأضعاف أضعاف..

ما أطالب به ليس فرض قيود على حرية التحويل وحركة الأموال (خصوصاً بعد دخولنا عصر العولمة والتجارة الحرة) بل ضرورة وضع تنظيمات تحد من تصدير الأموال، وترفع كلفة توظيف "الأجنبي" وتجعل توظيف "المواطن" خياراً اقتصادياً مربحاً..

هل تعلم وزارة العمل مثلاً أن مجرد السماح للأجنبي باستقدام زوجته وأطفاله يجبره على صرف 90% من دخله في السعودية؟!

موجز تاريخ العلاقات السعودية الأميركية


.. العلاقات السعودية الأميركية بدأت قبل التقاء الملك عبدالعزيز بروزفلت في البحيرات المرة عام 1945. ففي عام 1930 اعترفت أميركا بما كان يعرف حينها بسلطة نجد ومملكة الحجاز.. وفي عام 1940 أعلنت واشنطن اعتماد ممثلها في القاهرة ممثلاً لها في المملكة العربية السعودية. وفي عام 1944 م تم افتتاح أول مكتب دبلوماسي في واشنطن كمفوضيه سعودية جرى ترفيعها فيما بعد إلى سفارة...

وبطبيعة الحال لا يمكنك الحديث عن تاريخ العلاقات المشتركة بين الطرفين دون المرور على حقول النفط في المنطقة الشرقية. ففي مطلع القرن العشرين أصبحت شركات النفط العالمية على قناعة بوجود مكامن نفطية مهمة في منطقة الخليج العربي.. وحين اكتشفت النفط في البحرين عام 1932 أصبح الملك عبدالعزيز على قناعة بوجود النفط في المنطقة الشرقية فمنح شركة (ستاندرد أويل) عام 1933 امتياز التنقيب على مساحة 900,495 ميلاً مربعاً..

وحين التقى الملك عبدالعزيز بروزفلت كانت شركة ستاندرد أويل قد نجحت بالفعل في استخراج النفط من المنطقة الشرقية وتحولت قبل عام فقط إلى اسم جديد يؤكد شراكة الحكومة السعودية فيها (شركة الزيت العربية الأميركية).. ومنذ ذلك الحين أدركت أميركا (التي كانت بحاجة متنامية للنفط) أهمية علاقتها مع السعودية وضرورة بناء شراكة إستراتيجية طويلة ودائمة معها.

ويخطئ من يظن أن العلاقة بين البلدين تصب لصالح أميركا وحدها.. فمن الناحية الاقتصادية تعد السعودية ثامن أكبر مصدر لأميركا وتتمتع بفائض تجاري يميل دائماً لصالحها.. ومن الناحية السياسية ترتبط معها باتفاقيات ومعاهدات دفاعية يجعل من الصعب على أي دولة (ثالثة) تجاهلها.. أما من الناحية المعرفية فلا ينكر أحد أن أميركا كانت المَصدر الأول للتقنيات والعلوم والمهارات الصناعية التي تستقطبها المملكة (بدليل مهندسي أرامكو ووجود 120 ألف مبتعث سعودي في الجامعات الأميركية).

وبالإضافة لدور الخبرات الأميركية في اكتشاف البترول، شكل إنشاء اللجنة السعودية الأميركية للتعاون الاقتصادي عام 1974 نقلة نوعية في علاقات البلدين.. وفي 2003 أكد الطرفان تجاوزهما أزمة سبتمبر من خلال توقيع اتفاقية جديدة لتطوير العلاقات التجارية والاستثمارية.. وفي سبتمبر 2005 وقعا أيضاً اتفاقية خاصة بالنفاذ للأسواق في قطاعي تجارة السلع والخدمات..

وبالإضافة للمساهمة في الصناعات النفطية يوجد اليوم في السعودية حوالي 400 مشروع مشترك باستثمارات تتجاوز التسعين مليار ريال .. وهذا الرقم يجعل الولايات المتحدة أكبر مستثمر وشريك تجاري للمملكة.. وفي عام 2008 وصل حجم التجارة بين البلدين إلى 193,3 مليار ريال، بفائض 101,5 مليار لصالح الرياض.. وفي عام 2012 ظلت أميركا أكبر شريك تجاري للسعودية بحجم تبادل بلغ 287,1 مليار ريال (مشكلا 14,1 في المئة من مجمل تبادل السعودية مع كافة دول العالم)..

وبالإجمال؛ بلغ التبادل التجاري بين السعودية والولايات المتحدة 1,7 تريليون ريال (بين عامي 2004 و2013) بصادرات سعودية إلى أميركا بلغت 1,3 تريليون ريال وواردات قيمتها 447,2 مليار ريال (ووفقاً لهذه الأرقام؛ حققت السعودية فائضاً في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة قيمته 807,2 مليارات ريال أو 215,2 مليار دولار)...

وإذا أضفنا للمصالح الاقتصادية والنفطية ما تمثله المملكة العربية السعودية من ثقل عربي وإسلامي (ناهيك عن دورها القيادي وموقعها الجغرافي واستقرارها الأمني) ندرك لماذا تحرص أميركا على الاحتفاظ بعلاقة ناجحة ومستمرة معها.. واليوم يجزم معظم المحللين الاستراتيجيين على أن السعودية تأتي بعد بريطانيا من حيث استثنائية وتفرد علاقة أميركا بها (لدرجة يدعي الناقد الساخر جون ستيوارت وجود نص خفي في الدستور يؤكد على الرؤساء الجدد وجوب معاملة السعودية بشكل خاص).. ولكن الحقيقة هي أن العلاقات الدولية لا تحكمها العواطف ولا الأيدلوجيات بل المصالح الاقتصادية المشتركة بين طرفين متساويين في السيادة والأهلية..

ولن تجد أكثر منها بين أميركا والسعودية.

سبعة أسباب لنشر الثقافة الجنسية في المدارس


القضية محرجة بلا شك حتى لأكثر الآباء انفتاحاً.. ولكن هذا لا يعني تجاهلها أو الصمت حيالها كونها حقيقة وواقعاً وطريقة استمرارنا في الدنيا.. فالأسوأ من الصمت حيالها هو ترك هذه المهمة لأشخاص غرباء - لا تضمن سلامة نيتهم - يتحدثون مع أطفالك نيابة عنك (وفهمك كفاية)!

وأنا شخصياً أملك أسباباً كثيرة للمطالبة بوجود منهج مدرسي (أو على الأقل حصص استثنائية) للثقافة الجنسية يتولاها معلمون أفاضل يتحملون هذا العبء عن الوالدين..
ومن أهم الأسباب التي تدعوني لتقديم هذا الاقتراح الأسباب التالية:

1- ان مخاطر الجنس (من أمراض وحمل واستغلال) تأتي بسبب الجهل وعدم الفهم وليس بسبب المعرفة والاطلاع والتحذير المسبق.. هناك إحصائية عالمية تشير إلى أن الدول الاسكندنافية التي تُدرس هذا الموضوع في مدارسها تقل لديها نسبة الإجهاض والأمراض وحمل المراهقات واستغلال الأطفال مقارنة ببقية الدول..

2- ان الجنس غريزة قوية وطاغية لن تخفى على ابنك وابنتك لأنك (فقط) قررت تجاهل الحديث عنها.. ولأنها غريزة قوية وملحة لن يتوقف أبناؤك عن التساؤل حولها والاطلاع عليها بأي وسيلة كانت.. ولأنهم يعيشون هذه الأيام تحت قصف إعلامي مفتوح (سواء من النت أو المحطات الفضائية أو البرامج الإلكترونية) يفترض أن تكون السبّاق في الحديث عنها.. قبل أن يسبقك شخص غريب..

3- وأرى شخصياً أن الحديث بهذا الشأن يجب أن يتم في سن مبكرة مع الطفل لسببين رئيسيين: الأول أنه أسهل للوالدين وأقل إحراجاً للإبن.. والثاني لأن الأطفال (وليس المراهقين أو الشباب) هم غالباً من يتم استغلالهم جنسياً بسبب جهلهم وبراءتهم - وأسأل من حولك عن أقدم ذكرياتهم بهذا الخصوص..

4- وفي حين يعتقد بعض الآباء أن تزويد الأبناء بمعلومات كثيرة عن الجنس يشجعهم على السعي إليه اتضح لمنظمة الصحة العالمية (من خلال متابعة 35 برنامجاً لتدريس هذه المادة في دول العالم) أنها على العكس تماماً جعلتهم أكثر حرصاً وحذراً من تداعياته السيئة - بل وأكثر استعداداً لإخبار والديهم بمشاكلهم الخاصة!!

5- وتدريس الجنس بطريقة تربوية أمينة لا ينعكس فقط على مستقبل الأبناء والأسرة، بل وينعكس بطريقة حميدة على المجتمع ككل.. فمن خلال دراسة منظمة الصحة السابقة (ومن خلال تجارب الدول الاسكندنافية) اتضح فعلاً أن أفضل وسيلة لمكافحة الدعارة، والاستغلال، الأمراض الجنسية، ووجود اللقطاء في المجتمع؛ هي التوعية بالأسباب التي ساهمت في ظهورها أصلاً!

6- وحتى لو افترضنا أن ابنك كبر وأصبح - لا قدر الله - عاصياً ومتجاوزاً فإنه على الأقل يصبح بمأمن من الأمراض الجنسية، والعلاقات غير السوية، والذرية غير الشرعية، وبالتالي لا ينقصه غير التوبة والاستغفار.. وفي المقابل كم تائب تحمل (حتى بعد توبته وهدايته) تداعيات الماضي بسبب الجهل وقلة المعرفة وصمت الوالدين في طفولته!

7- وأخيراً؛ لاحظ أنني أتحدث (منذ البداية) عن إسناد هذه المهمة إلى معلمين مؤتمنين، ومعلمات فاضلات.. إلى تعليم طلابنا من خلال منهج يُجمع عليه خبراء الشرع والنفس - وبطريقة تزيح هذا العبء عن الوالدين وتسمح للطلاب بالحديث عنه بحرية ضمن حلقات نقاش جادة!

.. أيها السادة من لا يعرف الباطل يوشك أن يقع فيه، ومن يتجاهل المشكلة يتحمل تداعياتها لاحقاً.. وطالما اعترفنا بأن الجنس حقيقة واقعة، وغريزة غالبة، وسنة الله في خلقه؛ لا أتردد في تذكيركم بأن أطفالنا (إن لم يتعلموا عنه في المدارس) سيتعلمون عنه من خلال النت وأصدقاء السوء واستغلال غير الأسوياء لهم.

الأحد، 5 يناير 2020

مشكلتنا مع هذه «الكلمة»


أذكر أيام دراستي في المرحلة الثانوية أن مديرية الأمن العام أقامت معرضاً للمخدرات دار على معظم المدن السعودية.. كان يتضمن شرحا لأنواع المخدرات وأضرارها وطرق صنعها والأساليب المبتكرة لتهريبها.. وأذكر جيدا أن المعلمين حينها انقسموا ما بين معارض لزيارة الطلاب للمعرض (بحجة أنه يفتح أذهانهم على أنواع المخدرات)، وبين مؤيد لزيارته والاطلاع على محتوياته (بحجة أنك لن تعرف الحق قبل أن تعرف الباطل)!

وهذه بالضبط أيها السادة مشكلتنا في الحديث عن الجنس مع أطفالنا.. هل نخفي عنهم كل شيء، أم نستبق كل شيء ونحدثهم بكل شيء؟

مجرد المطالبة بتدريسهم الثقافة الجنسية يسبب انقساما بين محافظ يخشى تفتح الطلاب، ومؤيد يرى أن تثقيفهم حماية لهم من الخطأ والزلل وحدوث مالا تحمد عقباه..

وبدون شك لم تكن هذه المشكلة لتظهر لو اتفقنا أولا على التفريق بين الجدية والإسفاف عند الحديث معهم في هذا الموضوع.. لم تكن لتظهر لو لم نكن شعبا متحفظا يرفض حتى الحديث سرا مع أبنائه بخصوص "الجنس"..

الغريب فعلا أن تحفظنا الحالي لا يتفق مع تاريخنا العربي، ولا أصلنا البدوي، ولا حتى مع ديننا الاسلامي (وسأخبرك لماذا)..

فالعرب كانوا من أكثر الشعوب سماحة فيما يتعلق بالحديث عن الجنس بدليل وجود أكثر من 72 كلمة تصف الفعل ذاته (ووجود أسماء دقيقة للأعضاء التناسلية تفوق أسماء القبائل والخيول والسيوف مجتمعين).. وبعد دخولهم الإسلام صحيح أن الوضع انضبط من الناحية الشرعية ولكن حالة الانفتاح نفسها استمرت بنفس المستوى بدليل تعدد الزوجات (حيث تزوج المغيرة بن شعبة وطلق أكثر من سبعين امرأة)، وانتشار الجواري وما ملكت الأيمان (حيث امتلك بعض الصحابة أكثر من 300 جارية) وشيوع السبي من النساء بعد كل فتح (لدرجة فاضت بهن أسواق المدينة)..

وحتى وقت قريب كان جدي وجدك بل وأبناء القرى هذه الأيام أكثر انفتاحا وفهما لهذا الموضوع بحكم تواجدهم الدائم مع الماشية والمخلوقات الأليفة ومشاهدة لحظات الغزل بينها (وهو مالا يتوفر لأبناء المدن هذه الأيام الذين أصبحوا لأول مرة في التاريخ يملكون أفكارا خاطئة عن كيفية تشكل الأطفال وخروجهم للدنيا)!

أما القرآن الكريم والسنة النبوية فلم يتحرجا من الحديث عن الفعل ذاته ولكن في إطار من الأدب والتعميم والبعد عن التفاصيل مثل قوله تعالى (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا)، و(نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)، وقول الرسول الكريم (في بضع أحدكم صدقة)، أو (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)!

.. كل هذا يثبت أننا نعيش هذه الأيام حالة استثنائية من التحفظ، وعباءة مصطنعة من التملق، وعقبات تعيق التقاء الجنسين بالحلال.. والأسوأ وجود اتفاق جماعي على الصمت والإنكار رغم أنه أصل الانسان ومن أقوى الغرائز لديه..

.. على أي حال؛

كلّ ما سبق كان مجرد مقدمة طالت حتى تحولت لمقال مستقل (لدرجة غيرت العنوان الأصلي واستبدلته بالعنوان أعلاه)..

فالعنوان الأصلي لهذا المقال كان "سبعة أسباب لتدريس الجنس في المدارس" وضرورة تكليف معلمين أفاضل بهذه المهمة.. تدريسه في إطار من الأدب والتعميم حماية لأطفالنا من الزلل، والمجتمع من الخلل، واستباقنا لحتمية تعلمه من أصدقاء السوء ومواقع النت..

ووافوني في المقال القادم لأخبركم عن سبعة أسباب تؤيد اقتراحي هذا!‏

قائد أم مدير؟


في مطلع هذا العام الدراسي ذهبت إلى ابني وسألت الحارس عن المدير.. فأعاد علي السؤال وقال: هل تقصد القائد التربوي؟.. قلت: نعم القائد التربوي.. دلني على مكتبه وفور دخولي أدركت أين أخطأت..

فقد كان يضع على مكتبه لوحة صغيرة كتب عليها "القائد التربوي فلان الفلاني".. ابتسمت وأبديت استحساني لاستبداله كلمة المدير بالقائد التربوي لما في ذلك من إيحاءات لا تخفى على خبراء الإدارة!

.. وبعد خروجي قررت كتابة مقال يوضح الفرق بين القائد والمدير (لأن مجرد معرفة الفرق بين الاثنين سيحدث انقلابا في رؤيتك للأهداف، وطرق التنفيذ، وأساليب الإدارة)..

فالمدير كما يشير اسمه يدير العمل وأعضاء الفريق، بينما يبتكر القائد العمل ذاته ويلهم أعضاء الفريق..

المدير يعمل حسب التشريعات والأنظمة.. في حين يركز القائد على الأهداف النهائية وكيفية الوصول إليها بطرق مبتكرة وبعيدة عن البيروقراطية..

المدير (أيضا كما يشير اسمه) يدير أشخاصا مهيئين مسبقا لإنجاز أعمالهم ومتقبلين لفكرة إدارتهم وتوجيههم من قبل شخص أعلى منهم ..

أما القائد فيتجاوز ذلك ويخلق فريق عمل يؤمن بأهدافه.. يوحد جهودهم المشتتة لتنفيذ مهمة عظيمة واحدة ومشتركة (وخذ كمثال جنكيز خان الذي وحد قبائل المغول الهمجية في قوة منظمة اكتسحت العالم القديم)..

المدير يتحدث ولا يستمع، يأمر ولا يناقش، همه الأول تنفيذ الأوامر وعدم مخالفة التعليمات.. أما القائد فيُلهم موظفيه ويستمع إليهم ويناقشهم ويحثهم على الابتكار وتقديم أفضل ما لديهم (دون أن يخالف بالضرورة الأنظمة والتعليمات).

المدير صارم وصلب ينشر الإحباط بين موظفيه ولا يشجعهم على المبادرة والانجاز (ويخشون هم فعل ذلك خشية ارتكاب الأخطاء وتجاوز التعليمات) .. في حين ينشر القائد بينهم روح التحفيز والتشجيع والمرونة ويعتمد نظام المكافأة لا العقاب..

وهذا لا يعني أن المدير الصارم سيئ بالضرورة.. بل قد يكون المفضل لدى رؤسائه كونه يفعل الأشياء بشكل صحيح.. أما القائد فيهتم (ليس بفعل الأشياء بشكل صحيح) بل بفعل (الأشياء الصحيحة بطرق مختلفة) قد تثير حفيظة رؤسائه وتجلب عليه عداوات أقرانه..

والمدير قد يستسلم ويقف حائرا حين يواجه مشكلة جديدة أو عقبة غير مسبوقة (لم تذكر في كتيب التوجيهات) في حين يعتبرها القائد تحديا جديدا يسعى لتجاوزها بطرق مبتكرة (لاتوجد في كتيب التعليمات)!

باختصار:

المدير يطبق والقائد يبدع.. المدير يتحكم والقائد يلهم.. المدير ينظر للقريب والقائد ينظر للبعيد.. المدير يفكر بالاستقرار والقائد يفكر بالتجديد والابتكار.. المدير يسأل لماذا ومن فعل ذلك؟ والقائد يسأل كيف ولماذا لا نفعل ذلك؟

المدير يحاول تهدئة الخلافات والقائد يحاول التوفيق بين مختلف التوجهات.. المدير يؤثر في الموجودين تحت سلطته بقوة الأنظمة والقائد يؤثر في الموجودين خارج سلطته بقوة الأفكار..

من هذا كله ندرك أن القائد هو أيضا مدير في حين أن المدير ليس بالضرورة "قائدا".. ندرك أن نابليون وجنكيز خان والملك عبدالعزيز كانوا قادة عظماء (كونهم ألهموا شعوبا ووحدوا جهودا وحققوا نتائج عظيمة بطرق غير مسبوقة) وفي نفس الوقت هناك مديرون ناجحون أثبتوا (في أوقات السلم) مهارة عالية في بناء الدولة وإدارة المواهب وبناء المؤسسات..

.. والآن؛ أخبرني أنت أين ترى نفسك؟

هل أنت مدير صارم يهمه تطبيق التعليمات بصرف النظر عن الهدف والنتيجة، أم قائد ملهم تبتكر الأنظمة والقوانين لتحقيق أفضل هدف ونتيجة؟

مدير هدفه الأول الانضباط وسير العمل كساعة سويسرية دقيقة، أم قائد ينظر بعيدا ويجعل العمل بأكمله يتأقلم خلف رؤيته الجديدة؟

.. أياً كان جوابك، علق هذا المقال أمامك، وحاول الجمع بين الموهبتين..

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...