السبت، 31 أغسطس 2019

سبعون عيناً


استعملت العرب كلمة "عين" لوصف أشياء كثيرة غير تلك "التي في طرفها حَور"..

فهناك أكثر من 70 وصفاً واستعارة مثل عين الماء، وعين الحقيقة، وعين الصواب، وفرض عين، ورجل عائن، وأصابته العين (وياعيني عليه).. كما تأتي العين بمعنى جاسوس، وعين بمعنى مهم (وجمعها أعيان) ناهيك عن حرف "العين" في الأبجدية، وعضو الإبصار المعروف في مقدمة الوجة.

ولكن ؛ رغم تعدد معاني العين سأعود الى المعنى الأصيل الذي نتوقعه حين ننطق بهذه الكلمة.. فقد اشتريت مؤخرا كتاباً مصوراً عن الحيوانات ودهشت فعلاً من تعدد أنواع المخالب والأنياب والمناقير والأقدام - ولكن لم يثر دهشتي مثل التنوع الهائل في أعين المخلوقات!!

.. ودعونا نتحدث أولا عن أعين البشر ونعرف الفرق بين "النظر" و"الإبصار"..

فالنظر هو دخول المنظر إلى العين ولكن دون اهتمام أو رصد من العقل - كما يحدث حين يسرح أحدهم بخياله فتمر أمامه الأشياء وهو غافل عنها.. أما الإبصار فعملية تجري في مؤخرة الدماغ حيث يتم هناك تفسير وتحليل المشهد الذي تلتقطه العين - والفرق بين الاثنين يتضح من خلال قوله تعالى {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون.. لهذا السبب قد ينظر إليك أحدهم دون أن يبصرك فعلاً، وقد يصبح أعمى (رغم سلامة عينه وقدرتها على النظر) بسبب وجود عطب في مركز الإبصار

بدماغه!!

أيضا هناك ظاهرة تلون العينين بلونين مختلفين.. فمن المعروف أن لون العين تحدده كثافة مادة الميلانين في القزحية (وهي المادة المسؤولة أيضاً عن اختلاف ألوان البشر). فالعيون السوداء تملك تركيزاً أكبر من صبغة الميلانين في حين تملك العيون الخضراء والزرقاء نسبة أقل من هذه المادة.. غير أن هناك حالات وراثية نادرة تظهر فيها كل عين بلون مختلف (أسود مع أخضر، أو بني مع أزرق، أو عسلي مع رمادي) وأكثر ندرة تظهر فيها عدة ألوان في القزحية الواحدة!

.. على أي حال؛ ماتزال أعين البشر أكثر بساطة وأقل تعقيداً من أعين معظم المخلوقات.. فمعظم الطيور مثلاً يمكنها الرؤيا في اتجاهين مختلفين وإدراك كل منظر على حده. بل إن كثيراً من الديدان والحشرات تملك محجراً ضخماً يضم بداخله مئات العيون التي ترى كل منها بزاوية مختلفة!!

أما الطيور الجارحة فيمكنها الرؤية من مسافات هائلة بفضل ضخامة مقلتيها وسعة الشبكية لديها ؛ فالصقر يمكنه وهو في الجو رؤية أرنب صغيرعلى بعد ثلاثة كيلومترات. أما النسر فيفضل الوقوف على صخرة مرتفعة ورصد أي مخلوق يتسكع في دائرة يبلغ قطرها 2500 متر!!

.. أيضا هناك طيور وأسماك وحشرات يمكنها الرؤية في الظلام بفضل حساسيتها المرهفة للضوء.. فالبومة مثلاً ترى خلال الليل أفضل بمئة مرة وأبعد بخمسين مرة من البشر.. أما النحلة فترى من خلال الأشعة فوق البنفسجية وبالتالي (ما يفرق معها) وجود الشمس من عدمه!

أما الضفادع فمثال لمخلوقات لا ترى شيئاً أمامها (وتبدو الدنيا لها سوداء حالكة) حتى يتحرك أحد أمامها فتشاهده وتبدأ بمتابعته!!

.. هذه العيون الخارقة تجعل من عيني الإنسان أداة بدائية وسريعة العطب - بل وأكثر تخلفاً من حاسة الشم لديه.

وحسب علمي؛ فإن معظم الحواس البشرية تقل عن حواس المخلوقات الأخرى باستثناء قدرتنا على التفكير والابتكار.. فبفضل هذه الميزة وحدها عوضنا نقصنا واستطعنا اختراع أعين ترصد المجرات وترى الميكروبات، وسماع دبيب النملة وما تحت الموجات الصوتية، والطيران أعلى من النسور ورؤية ما تحت الأرض وخلف الصخور!!

.. (مع ملاحظة أنني استعملت صيغة الجمع هنا من باب المجاملة فقط).

إخوان في الهلوسة


قرأتُ ذات يوم تقريرا يفيد بأن الزوجين - بعد طول عشرة - يميلان الى التشابه مع بعضهما بنسبة كبيرة.. والتشابه الذي نعنيه هنا لا يقتصر فقط على طريقة التفكير وتبنيهما لذات المبادئ والأفكار، بل ويمتد الى التشابه في الملامح وطريقة الكلام والابتسامة والتمتع بصفات جسدية مشتركة.. فكلما امتد الزمن بالزواج الناجح اكتسب الزوجان صفة جديدة من بعضهما البعض - أو تبنى الناس حيالهما صفة جسدية أو نفسية مشتركة!!!

أما الأغرب من التشابه في الملامح وطريقة التفكير، فهو التشابه في الهلوسة والجنون والحالة النفسية المضطربة (على طريقة ريا وسكينة أشهر سفاحتين في تاريخ مصر)..

وأذكر أنني تعرضت لقصة زوجين تعرضا لعزلة من مجتمعيْ البيض والسود على حد سواء (حيث فضلت الشقراء بيتي الزواج من الزنجي بارني).. وفي أحد الأيام قرر الزوجان عرض نفسيهما على طبيب نفسي لشعورهما بفقد عدة ساعات من يومهما على أحد الطرق الزراعية في المسيسبي. وبعد أن اجتازا العديد من الاختبارات النفسية أُخضعا لاستجوابين منفصلين تحت تأثير التنويم المغناطيسي. وكانت النتيجة (التي فاجأت الأخصائي نفسه) اقتناعهما بأنهما اختطفا من قبل مخلوقات فضائية أثناء توقف سيارتهما في طريق زراعي قبل أن يتم اقتيادهما إلى مركبة غريبة حيث تم فحصهما وإجراء اختبارات طبية عليهما..

.. وكان من الواضح أنهما يشتركان في حالة هلوسة عميقة ترسخت في أذهانهما كخبرة حقيقية مشتركة (وظهرت على هذا النحو حتى أثناء التنويم المغناطيسي).. ويبدو أن عناصر الحادثة تبلورت بسبب العنصرية والعزلة التي تعرض لها الزوجان من مجتمعيْ البيض والسود - وظهرت على هذا النحو حين تهيأت لها الظروف المناسبة!!

أما أفضل حالة تم توثيقها (بالفيديو) فحدثت بين زوجين من شيكاغو يمران بحالات هلوسة يشاهدان خلالها أشخاصا يحاولون الاعتداء عليهما أو سرقة منزلهما.. وفي إحدى المرات أفادت الزوجة مارجريت باجيو أنهم (أي الأعداء الخياليين) وضعوا عنكبوتا ساما في جوربها فأيدها مشيل فورا وقال فعلوا معي نفس الشيء أيضا.. وحين ادعى الزوج مشيل أن أحدهم يملك ملامح عيسى المسيح أيدته زوجته مارجريت وأضافت أنه كان يحمل رشاشا ويلبس بطريقة ألفس بروسلي (وبدا زوجها في المقطع التلفزيوني يهز رأسه مؤيدا)..

وكان أطباء الجيش الأمريكي - أثناء الحرب الكورية - قد لاحظوا وجود حالات جنون مشترك بين جنود متقاربين في السن أو المنشأ أو خاضوا معا مهام صعبة. ثم تكررت ملاحظة هذه الحالات في المجتمع المدني حيث يمكن أن يشترك شخصان (وربما مجموعة دينية أو عسكرية كاملة) في حالات هلوسة أو جنون أو اضطرابات نفسية تم خلالها "استنساخ" العناصر السلبية بذات الكم والنوعية (بدليل حالات الانتحارات الجماعية التي مر بها كثير من المجمعات الدينية في أمريكا وأوروبا واليابان)..
السؤال الكبير هو:

.. إن ثبت فعلا إمكانية اشتراك شخصين (أو مجموعة كاملة) بأعراض الجنون والهلوسة، فكيف نضمن عدم اشتراك أمم بأكملها بذات المشكلة؟

.. سأترك الإجابة مفتوحة لسيادتكم..

هل كنا سنعرفهم لولا أم كلثوم؟!


كوكب الشرق أم كلثوم مجموعة من المواهب التي لا نعرف منها غير الغناء والأداء الجميل.. كانت أديبة ومثقفة ومتذوقة للشعر الجميل - ناهيك عن حفظها للقرآن الكريم والتواشيح الدينية منذ أصبحت أول فتاة تحضر حلقات الذكر التي يقيمها والدها ابراهيم البلتاجي إمام المسجد في قرية طماي الزهايرة..

كانت ثقافتها الأدبية وذائقتها الشعرية سبباً في تعريفنا بقصائد وشعراء لم نكن نعرف عنهم شيئا.. من كان مثلا يعرف "رباعيات الخيام" للشاعر الفارسي عمر الخيام لو لم تطلب من أحمد رامي ترجمتها للعربية؟ ومن كان سيسمع ب"حديث الروح" للشاعر الباكستاني محمد إقبال لو لم تطلب من رياض السنباطي تلحينها "مهما كان الثمن"، ومن كان سيسمع بشعراء عرب - من خارج مصر - لو لم تكن تتابعهم وتقرأ لهم مثل جورج جرداق من لبنان، والهادي آدم من السودان، وعبدالله الفيصل من السعودية، ونزار قباني من سورية، وعلي أحمد باكثير (حضرمي الأصل أندونيسي المولد)؟!

لولا أم كلثوم هل كان أحد سيسمع بشعراء عاميين مثل أحمد شفيق في "أنت عمري" أو مرسي جميل في "سيرة الحب" أو عبدالمنعم السباعي في "أروح لمين" أو أحمد رامي (الذي تعرفت عليه أول مرة بفضل قصيده نشرها في الأهرام) أو حتى طبيب القلب إبراهيم ناجي صاحب الأطلال (التي قضى السنباطي سنتين في تلحينها وتطعيمها بقصائد أخرى لنفس الشاعر)؟

هل كان أحمد شوقي، وحافظ ابراهيم، وأبو فراس الحمداني، والشريف الرضي، وسبعة من فحول الشعر العربي سيكونون أكثر شهرة لو لم تتغنّ بقصائدهم - خصوصا أيام ارتباطها بمدرسة الشيخ أبو العلا؟

هل يمكن لأحد غيرها التجرؤ على تغيير - أو طلب تغيير - قصائد الشعراء الكبار لولا تقديرهم لها وثقتهم بإحساسها الأدبي (حيث غيرت مطلع هذه ليلتي لجورج جرداق، والأطلال لابراهيم ناجي، والثلاثيات المقدسة لصالح جودت، وشاركت في صياغة القصائد التي ترجمها أحمد رامي الى العربية)..

هل كان العرب سيعرفون رائعة أمير الشعراء "سلوا قلبي" لو لم تُنشدها بإحساس صادق:

أبا الزهراء قد جاوزت قدري .. بمدحك بيد أن لي انتسابا

مَدَحتُ المالِكينَ فزدتُ قَدرًا .. وَحينَ مدحتُك اقتدتُ السَحابا

وما استَعصى عَلى قَومٍ منالٌ .. إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا

وَعَلَّمَنا بناءَ المَجد حَتّى .. أَخَذنا إِمرةَ الأَرضِ اغتصابا

وَما نَيلُ المَطالِب بِالتَمَنّي .. وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا

هل كنا سنسمع أيضا بالثلاثيات المقدسة لو لم تصر على إنشادها (رغم نصيحة من حولها بأنها ستفشل بسبب إغراقها بالجانب الديني):

رحاب الهدى يا منار الضياء .. سمعتك في ساعة من صفاء

تقول أنا البيت ظل الإله .. وركن الخليل أبي الأنبياء

أنا البيت قبلتكم للصلاة .. أنا البيت كعبتكم للرجاء

فضموا الصفوف وولوا الوجوه .. إلى مشرق النور عند الدعاء..

هل كانت ستنجح قصيدة "حديث الروح" لمحمد إقبال لو أنشدها شخص آخر لا يملك ذات الاحساس الروحي والسمو المرهف:

تحاورت النجوم وقلن صوت .. بقرب العرش موصول الدعاء

وجاوبت المجرة علّ طيفاً .. سرى بين الكواكب في خفاء

وقال البدر هذا قلب شاك .. يواصل شدوه عند المساء

هل كان أحمد شوقي سيبدع أجمل من قصيدة "سلوا كؤوس الطلا" لو أنها شربت من الكأس التي قدمها إليها (ولكنها رفعته فقط لشفتيها كي لا تحرجه) فأعجب بلباقتها وكتب قصيدة مطلعها:

سلوا كؤوسَ الطلا هل لامسَتْ فاها .. واستخبروا الراحَ هل مسَّتْ ثناياها

ما ضرَّ لو جعلت كأسي مراشفها .. ولو سقتني بصافٍ من حميّاها

حديثها السحر إلا أنه نغمٌ .. جرتْ على فم داودٍ فغنّاها

إن أردت معرفة مدى انحدار فنوننا العربية وذائقتنا الأدبية، فما عليك سوى قياس المسافة التي أصبحت تفصلنا اليوم عن أم كلثوم، وشعراء أم كلثوم، وعمالقة الزمن الجميل.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

أطفال اليوم أقرب إلى سن المئة


لم يتضاعف عدد البشر فقط في القرون الأخيرة بل وطالت أعمارهم الى حدود غير مسبوقة.

ففي القرن الخامس عشر مثلا كان متوسط عمر المواطن الأوربي34 عاما.. وفي القرن السادس عشر ارتفع الى 48 عاما.. وفي السابع عشر ارتفع الى 50 عاما.. واليوم تجاوز ال80 عاما في ايطاليا وسويسرا وفرنسا وايسلندا مما يعني إمكانية تجاوز عدد أكبر من المواطنين سن المئة بسهولة.

ولسبب غير مؤكد يبدو أن الآسيويين يعمرون أكثر من بقية الأعراق البشرية حيث يتقدم اليابانيون وسكان هونج كونج كافة البشر فيما يتعلق بمتوسط العمر حيث يبلغ في اليابان 83 عاما (وللنساء 86) وفي هونج كونج 82 عاما (وللنساء 84)!!

... حتى في جزيرة العرب يتجاوز متوسط العمر هذه الأيام 73 عاما (استنتجتها من الأرقام المتوفرة عن السعودية وعمان والامارات) في حين لم يكن متوسط الأعمار زمن الصحابة والتابعين يتجاوز 35 عاما (استنتجتها بمقارنة التواريخ مع عدد البشر وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين)!!

وفي حال مزجنا متوسط الأعمار في (جميع) الدول سنخرج بمتوسط عام ل(جميع) البشر هذه الأيام يتراوح بين63 و67 عاما..

وفي المقابل وحسب ماجاء في الموسوعة البريطانية لم يكن متوسط العمر في العصر البرونزي يتجاوز26 عاما، وفي العصر الإغريقي والروماني 28 عاما، وفي مطلع القرن العشرين 31 عاما فقط!!

... ولا أحتاج طبعا لتذكيركم بأننا نتحدث هنا عن (متوسط العمر) وليس الحد الأقصى الذي يتوفى عنده البشر.. فحين نقول مثلا أن متوسط العمر في أحد المجتمعات الفقيرة لا يتجاوز ال40 عاما فهذا لا يعني أن أعمار الناس فيه تنتهي عند هذا الرقم؛ بل يعني أن معظم الناس يموتون في هامش يتراوح بين سن الثلاثين والخمسين عاما في حين يتسع الهامش للقلة المتبقية أما للعيش لسنوات أكثر، أو الوفاة في سن أبكر!

... وهكذا؛ قد لا يعني (متوسط العمر) شيئا لكل فرد على حدة، ولكني يعني الكثير بالنسبة للمجتمعات البشرية ومؤشرات الرعاية الصحية. فمتوسط العمر مثلا في سويزلاند الأفريقية لا يتجاوز49 عاما في حين يتجاوز في سويسرا الأوروبية 82 عاما (مما ينبئ عن الفرق الشاسع بين الرعاية الصحية في كلا البلدين)..

وهناك دراسة نظمها عالم الرياضيات رونالد ليي من جامعة كاليفورنيا تثبت أن احتمالات وفاتنا هذه الأيام في سن 72 عاما (سواء بالأمراض أو التعرض للمخاطر) تساوي احتمالات وفاة أجدادنا في الماضي في سن ال30 عاما.. والمدهش أن هذه القفزة حدثت بفضل تحسينات بسيطة في نوعية الحياة مثل الحصول على المياه النظيفة، والطعام الكافي، والرعاية الصحية الأولية.. ونتيجة كهذه تترك الباب مفتوحا لإطالة عمر الانسان سنينا أكثر (ليس من خلال اكتشاف أكسير الحياة) بل من خلال إضافة المزيد من الإجراءات الحميدة والمؤثرة على حياته مثل التشخيص المبكر، ورفع مستوى الوعي الصحي، ومكافحة أبرز الأمراض المسببة للوفاة!!

... وبفضل التصاعد المستمر في متوسط أعمار البشر يمكن القول أن من يولدون هذا العام (2013) يملكون حظوظا بتجاوز سن المئة أكثر ممن يقرأون الآن هذه الجريدة، وأكثر ممن ولد زمن الصحابة والتابعين بتسعة مرات على الأقل!!

... أتساءل إن كان هناك سقف سنتوقف عنده!؟

الموقع الذي زاحم أقدم قانونين في التاريخ


منذ بدء الخليقة وهناك قانونان أساسيان يتحكمان بأسعار السلع.. العرض، والطلب..

فحين يكثر الطلب ويشح المعروض ترتفع قيمة السلعة (وهذا سر الأثمان المرتفعة لأي سلعة شحيحة يرغب الجميع في شرائها)..

وفي المقابل، حين يقل الطلب ويكثر العرض تنخفض قيمة السلعة وتصبح برخص التراب (كون الناس أصبحوا فيها من الزاهدين)..

ولكنني شخصيا أستشف إرهاصات قانون ثالث بدأ يزاحم أقدم قانونين في التاريخ..

فظهور مواقع البيع والمزادات الإلكترونية وسعت دائرة السوق، ورفعت حجم المعروضات، ووفرت طفرة في حجم السلع النادرة حتى كادت تلغي ميزة الندرة، وشح المعروضات، وقلة المشترين (كون لا نادر، ولا شحيح، ولا قليل؛ مقارنة بحجم المتسوقين على الانترنت)..

ورغم كثرة مواقع المزادات على الانترنت، إلا أن موقع ebay يعد أقدمها وأكثرها شهرة.. فقد تأسس عام 1995 على يد شاب أمريكي يدعى بيري أوميداير بهدف البيع مباشرة (من الزبون للزبون). ويحصل الموقع على أرباحه من خلال استقطاع نسبة بسيطة من كل سلعة مباعة دون التدخل في سعرها الأعلى أو طبيعتها الغريبة..

وأول مزاد أقيم على الموقع كان بعد افتتاحه بنصف ساعة فقط حين عرض أحد الأشخاص قلم ليزر مكسورا (لايساوي دولارين) فاشتراه زبون ب 15 دولارا.. هذا التصرف الغريب دعا بيري للاتصال شخصيا بالمشتري ليخبره بأن القلم مكسور وأن سعره الجديد أقل من ذلك بكثير.. ولكن المشتري رد بهدوء: ولكنني أهوى جمع أقلام الليزر المكسورة من هذا الموديل بالذات!!

حينها أدرك أوميدار أن رضا الناس غاية لا تدرك، وأن موقعه يتيح له الوصول الى نوعيات غريبة وغير متوقعة من البائعين والمشترين (وإلا؛ من يبيع أو يشتري قلما مكسور!؟).

واليوم لم يعد أحد يستغرب بيع أو شراء أي سلعة على موقع ebay. ورغم عمره القصير إلا أن قائمة السلع والمعروضات فيه لم يتخيل أحد وجودها حتى ثماني سنوات مضت:

فهناك مثلا السلع الدينية حيث عرضت قطعة توست محروقة تبدو عليها صورة مريم العذراء، ومسمار قيل إنه استخرج من صليب المسيح، وزجاجة محكمة تتضمن "هواء" من كنيسة المهد، وجرة حُبس بداخلها ملاك (كما ادعى صاحبها)!!

أيضا هناك بقايا لمشاهير وفنانين يشتريها المعجبون مثل قطعة لبان بصقتها ويتني سبير، وبقايا كولا شرب منها ألفس بروسلي، وملابس داخلية نسيتها مادونا في أحد الفنادق، وفردة شراب لمايكل جاكسون، وفرشة أسنان للرئيس جون كيندي!!

وهناك بالطبع أفكار لم تخطر على بال أحد.. فأندرو فيشر مثلا أعلن عن استعداده لتأجير جبهته العريضة لأي شركة ترغب في الترويج لاسمها وأصبح اليوم مشغولا بتنفيذ طلبات الشركات منذ تسع سنوات (ولك أن تتخيل رجلا يمشي في الشارع وقد كتب على جبهته كلمة تويوتا أو سامسونج)!!

وفي عام 2010 عرضت طفلة بريطانية جدتها المزعجة للبيع. وفي عام 2006 عرض رجل استرالي مُطلق نفسه للبيع. وفي2011 عرض رجل زوجته للبيع برفقة الكلب وخزانة الملابس.. وحين عرضت فتاة عذريتها للبيع (لإكمال دراستها) رسا المزاد على رجل ثري منحها أقساط الجامعة متنازلا عن الخدمة..

وأخيرا، كثيرا ما يعرض الناس أعضاءهم للبيع كالكلية والقرنية والنخاع وجزء من الكبد.. وفي عام 2000 عرض رجل من فلوريدا كبده للبيع فتهافت عليه مدمنو الكحول ووصل العرض الى 5,6 ملايين دولار قبل أن توقف ebay المزاد وتتبنى مبدأ "منع بيع الأعضاء البشرية"!!

.. هذه المعروضات الغريبة تثبت كيف أثرت الانترنت حتى على طريقتنا في البيع والشراء وزاحمت قانونيْ العرض والطلب (لأول مرة في التاريخ)!

لا تسأل مؤلفاً سعودياً كم كتاباً وزعت


الكتاب مشروع فاشل في السعودية وكافة الدول العربية..

لن أشرح أسباب ذلك لأنها(يا أمة إقرأ) تجربة موجعة وحديث يطول شرحه..

ولكن يمكن القول إن احترام حقوق الملكية الفكرية، والإقبال على القراءة في الدول الأجنبية، هو مايجعل من كل كتاب هناك مشروعاً ناجحاً، ومن كل مؤلف مليونيراً جديداً(حتى في الحدود الدنيا للتوزيع)..

ففي أمريكا مثلاً توجد سوق مضمونة قوامها 119 مليون قارئ.. وفي حال نجح المؤلف في استقطاب مليون منهم فقط يكون قد وزع مليون نسخة من كتابه الجديد.. وفي حال كان نصيبه دولاراً واحداً من كل نسخة(وهذا رقم متحفظ جداً) يكون قد نال مليون دولار من أول طبعة فقط.

.. وهذا بالمناسبة المؤلف الفاشل!!

أما المؤلف الناجح فيمكنه دخول نادي البليونيرات (وهي فصيلة أعلى من المليونيرات) مثل ربة البيت البريطانية جوان كاثلين التي كتبت رواية "هاري بوتر" وباعت منها 740 مليون نسخة.

وإذا ضربنا هذا الرقم ب3 جنيهات نصيبها من كل نسخة يصبح دخلها من الرواية 2,222,000,000 جنيه إسترليني (والإسترليني رزقك الله يساوي ستة ريالات)!!

هذا الدخل الكبير(ومن رواية واحدة فقط) يجعلنا نتحسر على حال المؤلفين العرب في جميع العصور حيث ألف جلال الدين السيوطى 561 كتاباً وأبو يوسف الكندي 270 كتاباً وأبو بكر الرازي 200 كتاب، في حين لم يُصدر كاتب هذا المقال سوى 3 كتب فقط (من 80 كتاباً ماتزال حبيسة قرصه الصلب) وكل هؤلاء لا يصلون في مجموعهم لعُشر ما كسبته جوان كاثلين من بيع هاري بوتر.. الجزء الأول منه فقط!!

أما النقطة الثانية (في أسباب ثراء المؤلفين في الغرب وفقرهم في الشرق) فهو احترام الملكية الفكرية.. ففي الدول (الكُفرية) يستحيل على دور النشر إعادة طبع الكتاب أو توزيعه أو ترجمة شيء منه دون إذن المؤلف.. فكل ما يوجد داخل الكتاب من عناوين، وأسماء، وشخصيات، ومواقع خيالية، يصبح تلقائياً حقاً للمؤلف لا يجوز استعماله أو استغلاله دون موافقته أو الاتفاق معه مادياً..

فاليوم مثلاً لا يمكن لأحد أن يؤلف قصة تتضمن اسم هاري بوتر كونه أصبح مُلكاً خاصاً لجوان كاثلين، ولا شخصية لجيمس بوند (كونه مُلكاً للمؤلف أيان فلمنج) ولا المحقق شرلوك هولمز (كونه مُلكاً لآرثر ديويل) ولا حتى "سوبرمان" و "سبايدرمان" و "باثمان" (كونها شخصيات مملوكة لشركة DC Comics).. الحل الوحيد هو شراء حق الرواية - أو شخصيات الرواية - من المؤلف أو الشركة الراعية لإنتاج أجزاء أخرى (أما في حال وفاة المؤلف فيتم الدفع لورثته كما يحصل اليوم مع أيان فيلمنج الذي لم يكتب جميع أفلام جيمس بوند، أو مارغريت ميتشل التي استلم ورثتها 44 مليون دولار للموافقة فقط على تأليف جزء ثان من رواية ذهب مع الريح)!!

.. هذا الاحترام الكبير لحقوق الملكية، وهذا الإقبال الكبير على القراءة؛ لم يجعلا المؤلفين هناك فقط من أغنى الناس، بل وشجعاهم على الاستمرار في التأليف، ودور النشر على الاستمرار في إصدار كتب سنوية تفوق ما كتبه العرب طوال الألفي عام الماضية، (وخذ كمثال عام 2011 حين صدر أكثر من 328000 كتاب في أمريكا، و149000 كتاب في بريطانيا، بمجموع 477000 كتاب باللغة الإنجليزية)!!
بصراحة؛

"أهل الكتاب" أصبحوا اليوم أهل كتب أمّا "أمة إقرأ" فأصبحت تفضل المطاعم السريعة على شراء الكتب المفيدة، واقتناء الألعاب الإلكترونية بأضعاف سعر الكتب الورقية..

وخذها نصيحة: لا تسأل مؤلفاً سعودياً كم وزعت من كتابك الأخير!!

التباهي لا يأتي دون ثمن


الأموال طاقة مجمدة قد تتعب فيها ليصرفها غيرك.. فقد تعمل وتتعب وتجمع ليتبلور كل ذلك بشكل أوراق نقدية أو حسابات بنكية يستفيد منها ورثتك.. وكلما كنت فقيرا في بداية حياتك زاد احتمال حرصك وبخلك في نهاية حياتك - وقد تموت في النهاية وقد جمدت من "الطاقة" أكثر مما صرفت.. وحينها يأتي أبناؤك وأحفادك فيبدأون في "تسييلها" والاستمتاع بصرفها - كما نستمتع نحن بمنافع النفط الذي تشكّل بعد ملايين السنين من الضغط والحرارة وتسييل المكونات العضوية لمخلوقات طمرها الزمن!!

... ولأن ورثة المال هم الأكثر حبا للتباهي - والأقل حكمة في صرف المال - تستمر الصناعات الفاخرة في العمل والازدهار.. وأذكر شخصيا (قبل خمسة وثلاثين عاما حين كانت الونيتات تغلب على طرقاتنا) أن مرت أمامنا سيارة ضخمة وبشعة لم أعرف موديلها فسألت زوج خالتي عنها فقال: هذه تدعى روزرايز (ويقصد رولس رويس) فقلت ببراءة الأطفال: "ليست جميلة ولن أشتري مثلها حين أكبر".. ضحك رحمه الله وقال: ومن قال إنك ستشتري مثلها حين تكبر فهذه التي لم تعجبك يتجاوز سعرها نصف مليون ريال..

لم يرعبني المبلغ فقلت ساخرا: ومن يشتري سيارة بنصف مليون ريال (بأسعار ذلك الوقت).. فقال حكمة مازالت عالقة في رأسي إلى الآن - وأظنها أحد أسباب كتابتي لهذا المقال:

"يشتريها من لا يتعب في تحصيل المال، ويبيعها من يريد سرقته منهم"!!

... القسم الأول من الجملة مفهوم ولا يحتاج لشرح، أما القسم الثاني فهو موضوع مقالنا اليوم..

فكثير من الأثرياء يشترون سلعا مبالغا في قيمتها لمجرد التباهي والتفشخر.. ولتلبية هذه الرغبة ظهرت صناعات ضخمة للسلع الفاخرة - التي تبيع الاسم قبل المنتج - لمجرد تحقيق رغبتهم في الاستعراض على بقية الخلق (فالواقع يقول إن سيارة بمائة ألف ريال توصلك لذات المكان الذي توصلك إليه السيارة بمليون ريال، وساعة بخمسين ألف ريال يصنعها الصينيون بأقل من خمسين ريالا)!!

على أي حال؛ لا بأس في فعل ذلك لمن ورث "طاقة والده" أو "خزينة جده" أو جمع أموالا لا يخشى نضوبها؛ أما بالنسبة لمتوسطي الحال (والموظفين في الأرض) فتعد تلبية رغباتنا في التباهي والاستعراض نوعا من الحمق والتهور - وأسرع طريقة لخسارة أموال تعبنا في جمعها فعلا!!

.. ولأن أشخاصا من مستويات مختلفة يقرأون هذا المقال لا أستطيع تقديم نصيحة عامة أو دقيقة بخصوص الموازنة بين الدخل والحاجة والرغبة في التباهي؛ غير أنه يمكنني تذكيركم بثلاث مسائل مهمة بخصوص المال تناسب جميع الفئات.. فسواء كنت ثريا أو فقيرا أو ميسور الحال تذكر دائما:

أن المال طاقة مجمدة يجب تخزينها بذكاء وصرفها بإحكام.. وربما قبل فوات الأوان..

والثانية أن الماركات المبالغ فيها يشتريها من لا يتعب بجمع المال، ويبيعها من يرغب بسرقتها منهم.

والثالثة أن البخيل أسوأ من المسرف لأن الأخير - على الأقل - استمتع بحياته قبل وفاته!

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...