الخميس، 17 ديسمبر 2020

«تعميل المال»

جميعنا يعرف أن المال (وسيلة لتداول المنافع) ولكنه أيضا يمكن أن يستخدم كـمنتج، وبضاعة، وخدمة مدرة للمال.. فـالمال مثلا هو منتج البنوك، وبضاعة المرابين، والخدمة التي يقدمها لك تجار التقسيط.. يتحـول إلى أصل مــدر للمال حين تتوقف عن استهلاكه وتبذيره، وتبدأ باستثماره أو استخدامه لشراء أصول تقـدم عوائد دورية مستقرة..
الحقيقة التي أكره قـولها هي أن البشر ينقسمون إلى فريقين، فريق يعمل لأجل المال، وآخر يعمل المال لأجلهم.
حين تصبح سيدا للمال سيعمل بالنيابة عنك، وبطريقة أفضل منك، ويكفيك عـناء التعـب وتحصيل الـرزق وضيق الوقــت..
أما حين تكون عـبـدا للـمال، ستظل في حالة مطاردة له، وانتظارا لحضوره، وتعيش حياة شحيحة بسبب طبيعته الغالية والعـزيزة..
حين تعمل من أجل المال (ومـن لا يفعل ذلك؟!) تصبح مغلوبا على أمرك وتستقطع من صحتك وأوقات فراغك مالا يمكنك تعويضه ــ وكلاهما نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس كما جاء في الحديث الشريف.. ولكن حين تسخر المال ليعمل من أجلك، وبدلا منك، تحقق عوائد مالية أكبر ــ وفي الوقت نفسه تملك وقتا أطوال للاستمتاع بحياتك والاهتمام بعائلتك.. وتتقاعد في سن الشباب!!
"تـعميل المال" مصطلح لا تجده في القاموس ويأتي على وزن (تـفـعـيل) وجعل الشيء يعمل لمصلحتنا ــ كـتفعيل النظام الجديد في هاتفك القديم.. والطريقة الوحيدة لــ"تعميل المال" هي استثماره وتنميته وادخاره بنية شراء الأصول المدرة لــه.. أكبر أكذوبة نعلمها لأطفالنا هي أن الثراء وكسب المال يتطلب قدرا كبيرا من العمل والتعب والعمل المرهق. لـو كانت هذه النصيحة (صحيحة) لكان عامل البناء أغنى من جيف بيزوس، وعامل النظافة أغنى من بيل جيتس، وعمال المناجم أكثر ثراء من الموجودين كافة في قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم..
الحقيقة التي لا يعرفها معظم الناس، أن ما يصنع الثروة ويزيد الدخـل (ليس العمل المرهق) بــل الصفقات الذكية، والاستثمار المنتظم، وتسخير المال لجلب المال.. ما يجب أن تفهمه جيدا أن الأثرياء لا يعملون بأنفسهم (مثل بقية الخلق) لأنهم اكتشفوا (دون بقية الخلق) كيفية تعميل المال وجعله يعـمل بالنيابة عنهم...
وهذا بالضبط ما عـناه وارن بافيت حين قال: إن "لم تجد وسيلة لجعل المال يعمل عـنك وأنت نائم، ستضطر للعمل طـوال حياتك".


https://www.aleqt.com/2020/12/17/article_1993391.html

الخميس، 10 ديسمبر 2020

سجلك الائتماني .. أبيض أم أسود

 حين كنت في سن المراهقة، كانت بطاقة الفيزا والماستركارد بمنزلة حلم كبير.. كانت حينها شيئا عزيزا وامتيازا لا يناله غير الأثرياء، ولكنني لاحظت أنني كلما تقدمت في العمر انهالت علي عروض البطاقات المجانية - ناهيك عن القروض البنكية - دون أن أطلبها.

وفي المقابل، أعرف قريبا في السن نفسها، لم يقـبل أي بنك منحه أي بطاقة أو قرض منذ 30 عاما بسبب (سواد) سجله الائتماني.. لم يعـد التعامل معه مضمونا أو مأمونا، في حين تحولت أنـا إلى بقرة حلوب يتسابق نحوها الجميع.
ما لا يعرفه معظمنا أننا نملك سجلا ائتمانيا يمكن للبنوك والمؤسسات والجهات الرسمية الاطلاع عليه، فالقرض الذي تهربت منه، والأقساط التي لم تسددها، والإيجار الذي لم تـدفعه، ومستحقات البطاقة الائتمانية، جميعها "نقاط سوداء" تتراكم في سجلك الائتماني، وتحذر (الآخرين) من التعامل معك.
إن كانت هذه المعلومة جديدة عليك، ما عليك سوى إدخال رقــم هويتك في موقع "سـمة" www.simah.com، لتشاهد كامل سجلك الائتماني (وسمة، هو الاسم المختصر للشركة السعودیة للمعلومات الائتمانیة). في حال كان أسـود، سيدمر هذا سمعتك المالية وفرصك الاستثمارية في سـن مبكرة.. وسيمنع عنك أي تسهيلات وتعاملات وعروض مستقبلية، لأن كل من تلجأ إليه سيطلع دون أن تدري على تقريرك الائتماني. وهذه العلاقة تبدو أكثر وضوحا في الدول، التي سبقتنا في الاحتكام إلى هذا السجل، ففي أمريكا مثلا، السبب الأول للتشرد والبطالة، هـو إساءة الإنسان لسجله الائتماني.. قد يبدأ الأمر بخطأ بسيط، مثل: التهرب من دفع إيجار الشقة لشهرين أو ثلاثة، فـيوضع اسمه في قائمة سوداء خاصة بملاك العقارات. ومن هنا، تبدأ عملية رفضه في كل مرة يحاول فيها السكن في منزل جديد.. ليس هذا فحسب، بـل ويصبح من الصعب توظيفه أو إقراضه، لأن البنوك والشركات تتخوف بدورها من مسألة تهربه من التسديد، فكيف بحالات الاختلاس والرشوة.
وعقبة بعد أخرى، تغلق في وجهه جميع الأبواب، الأمر الذي يفسر ارتفاع نسبة الانتحار وإدمان المخدرات بين المسجلين في "القوائم الائتمانية السوداء".
وفي المقابل، "السجل الأبيض" يؤكد ليس فقط نزاهة صاحبه، بـل قـدرته على تسديد الالتزامات والمستحقات المطلوبة منه، وهذا بالضبط ما تريد البنوك التأكد منه.
ولهذا السبب، أنصح الجميع بالاهتمام ببياض سجلهم الائتماني في وقــت مبكر من حياتهم.. فالسمعة المالية توثق بدقة هذه الأيام، وتتحول بسرعة إما إلى "عقبة" تغلق أمامك الأبواب، أو "ميزة" تفتح أمامك الأبواب كافة، بما في ذلك تمويل مشروعك الخاص.
فــقـط، لا تنس إدخال رقم بطاقتك في موقع "سـمة".. وأكاد أجزم أن أغلبكم سيفاجأ بالنتيجة.


الخميس، 3 ديسمبر 2020

الجشع الحميد

 يوجد في العالم مال يكفي جميع الناس؛ لأن الناس ببساطة هـم من يوفرون المال.

فـالمال ترجمة لجهود البشر واحتياجاتهم، ويتكاثر بالتوازي مع تكاثرهم في أي مجتمع.
تـبـدأ عملية إيجاده حين نبذل (طاقـة) للعمل وتقديم خدمات يحتاج إليها المجتمع، خـذ كمثال العامل الذي يبني لك المنزل أو المزارع الذي يبيع محصوله في السوق، العامل يوفر المال من العدم لأن (جهده العضلي) يتحول إلى أجر مالي يتسلمه منك ـ ثم يدفعه لاحقا لصاحب البقالة أو المطعم، الذي ينفقها بدوره لشراء الملابس أو الأدوية.
أيضا؛ المزارع يوفر المال كونه يبيع منتجاته مقابل أوراق نقدية (أو أي مظهر آخر للمال) يستعملها لاحقا لتسديد شركة الكهرباء أو الماء ـ التي تدفع بدورها رواتب الموظفين وضرائب الدولة.
وكي تستمر حركة التداول بيسر وسهولة تراقب الدولة احتياج المجتمع للأوراق النقدية، فتطبع منها كميات إضافية تناسب نمو الأعمال الجديدة ـ وفي الأغلب ضمن ما يعرف بـعملية التيسير الكمي Quantitative Easing
وكل هـذا يعني أنه؛ كلما ارتفع عدد الناس ظهرت أموال جديدة تكفي جميع الناس ـ وبالتالي لا تصدق من يخبرك بأن ارتفاع عدد السكان يتسبب في فقر المجتمعات. لو كانت الأموال شحيحة بطبيعتها، لكانت الدول التي تضم ملايين البشر تعاني الفقر ونقص المال المستمر. ولكن الواقع يثبت أن المجتمعات الصناعية والمزدهرة، هي الأكثر ثراء بصرف النظر عن عدد سكانها، لاحظ مثلا كيف يتجاوز دخل المواطن الأمريكي 66000 دولار رغم أن عدد سكان أمريكا يتجاوز 331 مليون نسمة. وفي المقابل لا يتجاوز سكان جنوب السودان 13 مليون نسمة، ولكن دخل المواطن ينحدر إلى 244 دولارا ـ رغم تمتع البلد ذاته بثروات طبيعية هائلة،
ما يتسبب في فقر الناس هو الجهل أولا، وعـدم المساواة ثانيا، فالجهل بطرق استقطاب المال من أهم أسباب فقر الإنسان حتى في الدول الثرية ـ بدليل كثرة المشردين في شوارع أمريكا، أما عدم المساواة فـيتسبب في استقطاب (القلة العارفة) لأغلب الأموال التي يوفرها بقية الناس من العـدم.
يزداد الفقراء فقرا، ويزداد الأثرياء ثراء؛ لأن أغلب الناس يستعملون المال للاستهلاك في حين يستعمله الأثرياء للاستثمار وزيادة تدفقاتهم النقدية. يعرف الأثرياء أن هناك أموالا جديدة تتولد باستمرار فيصبح هاجسهم الأول: كيف أستحوذ عليهـا قبل غيري؟، ومجرد محاولتهم فعل ذلك تفتح عليهم أبواب الثراء ومضاعفة الدخل ـ في حين يتخلى عن نصيبه في "الكعكة" من يجهل وجودها أصلا.
لا يمكنك لوم الأثرياء على ثرائهم (إلا إن كنت شيوعيا تؤمن بالماركسية) ولكن يمكننا لومك على جهلك بطرق جمع المال (إلا إن كنت زاهدا تعيش في مغارة صحراوية)، ليس للمجتمع دخل في مستواك الاقتصادي، وتصبح الملوم وحدك على قلة دخلك في حال كنت جاهلا أو فاشلا أو لا تـتمتع بقدر مرتفع من الجشع الحميد.
وبالمناسبة (الجشع الحميد) مصطلح ابتكرته للتـو، ويعني حقك في جمع أكبر قـدر من المال، دون أن تخالف القانون، أو تهضم حقوق الآخرين، أو تـغبن الناس في أرزاقهم.


الخميس، 26 نوفمبر 2020

استعد لفرصتك القادمة

 جميع البشر مقدر لهم فرصة أو فرصتان للثراء وزيادة الدخل، ولكن حين تعترض الفرصة طريقهم يتفاجأون بحضورها فيصطنعون الأعذار لرفضها.

ما يجب أن تفعله أنت هو العكس تماما.. حين تطرق الفرصة بابـك، أدخـلها وأغلق الباب خلفها.. واعرض عليها الزواج.
أحــد أقربائي الطاعنين في السن كان في شبابه يملك محلا لبيع الدراجات الهوائية، وحين كنت طفلا صغيرا اشترى منه صاحب مخبز ثلاث دراجات بقرض مؤجل (بغرض توزيع الخبز). وحين حل موعد سداد القرض ذهبت معه لمطالبته بقيمة الدراجات.. صاحب المخبز أخبره أنه يعاني ضائقة مالية، وعرض عليه مقابلها أرضا صغـيرة بلا صك. ولكن الأرض كانت حينها بعيدة (عن الحـرم) فـرفـض أخذها، ولكنه وافق على تمديد مهلة القرض.. المشكلة، أنه حين وصل إلى سن الـ60 وصل سعر الأرض إلى ستة ملايين!.
وفي المقابل هناك مهندس النفط روبرت تشيزبرو، الذي شاهد مادة دهنية شفافة تتكون على حواف الآبار النفطية فـتعاقد مع شركات النفط على شرائها وإعادة توضيبها، فحقق ثروة كبيرة بفضل ما نعرفه اليوم باسم "فازلين"، من هرب من الفرصة هـم آلاف العمال، الذين شاهدوها قبله (بل وسمع منهم تشيزبرو أنها مفيدة للبشرة)، ولكنهم لم يشاهدوا مثله النتائج المالية الكامنة خلفها.
وفي عقد التسعينيات لم يكن معظم الناس يعرفون ما الإنترنت، ولكن كان هناك قـلة سارعت لشراء النطاقات الأساسية Domain name قبل الجميع. وحين اتضحت أهميتها لاحقا عادوا وباعوهـا بمبالغ كبيرة على من يعملون في المجالات المتعلقة بها.. خذ كمثال كرايس كلارك، الذي اشترى نطاق Pizza.com بـ20 دولارا عام 1994 وباعه لاحقا على شركة بيتزا متخصصة بــ2.6 مليون دولار، في حين أعيد بيع النطاقات التالية بمبالغ تجاوز مليوني دولار بأسعار ذلك الوقت: Ticket.com / Auction.com / Dating.com / Fly.com / Computer.com.
والآن اسأل نفسك:
لماذا فقد صاحبنا فرصة امتلاك الأرض؟
ولماذا خسر آلاف العمال فرصة استثمار الفازلين؟
ولماذا احتكر قلة من الأشخاص النطاقات الأساسية على الإنترنت؟
الجــواب:
لأن الفرص الرائعة تأتي فقط للعقول المؤهلة.
لأن الفرص الرائعة تقـتنصها فقط العقول الجريئة.
لأن الفرص الرائعة يلتـقطها أولا الخبراء والمتخصصون والمهيأون لاستغلالها.
الهدف من هذا المقال (والعبرة من هذه القصص) هـي أن تستعـد لفرصتك القادمة، ونصيبك من الحظ السعيد.. حين تطرق بابـك، لا تغلق فقط الباب خلفها، بــل هـيئ لها متكأ واعرض عليها الزواج.

الخميس، 19 نوفمبر 2020

مفتاح المال وخزنة الأسرار

 قـصص النجاح الملهمة، والتجارب المالية الرائعة، يمكن توثيقها في الكـتب مثل أي معارف بشرية. ولهذا السبب لا أبالغ حين أقول إن القراءة هي بوابة الثراء، ومفتاح المال، وخزنة الأسرار، كلما قرأت أكثر ارتفع لديك معـدل الإلهام، وفـتحت أمامك أبوابا جديدة، وعرفت أسرارا لا يعرفها معظم الناس. حين تقرأ وتتعلم، تصبح غالي الثمن في سوق العمل وتستحق دخـلا أكبر، وحين تجهل وتكسل تصبح ضعيف المهارة وقليل الفائدة ولا تملك ما يستحق منحك المال من أجله.

دراسات كثيرة تؤكد أن "الـقراءة" من أسباب الثراء وأبرز عادة تميز الأغنياء. وأول من لاحظ هذه الحقيقة هو نوبيل هيل الذي درس سير الأغنياء في أمريكا على مدى 26 عاما ونشرها في موسوعة بعنوان "أسرار الناجحين".
وبحسب دراسة أجراها الباحث الاقتصادي توماس كرولي في عام 2009 اتضح أن 85 في المائة من المليونيرات العصاميين يقرأون أكثر من كتابين في الشهر.
ويؤكد هذه الحقيقة اتحاد الناشرين في أمريكا الذي يشير إلى أن الأثرياء العصاميين هم أكثر الناس قراءة وشراء للكتب. وبحسب تقريره لعام 2017 يقرأ الملياردير مارك كوبان 200 كتاب في العام، ووارن بافيت 80 كتابا في العام، وبيل جيتس 50 كتابا في العام.
وحـين تقـرأ في مجال المال والأعمال بالذات، ستكتشف أن القراءة لا ترفع فقط حصيلتك المعـرفية، بــل تـلهمك أفكارا جديدة، وتـنبهـك إلى فرص لا يراها عشاق الموبايـل ومسلسلات "نتفليكس". بيل جيتس مثلا وضع أول برنامج للحواسيب الشخصية بعد أن قرأ في مجلة Computer Magazine "عدد يناير 1975" عن ظهور كمبيوتر جديد يدعى Altair 8800 يحتاج إلى برنامج تشغيل. أما وارن بافيت فأصبح ثالث أغنى رجل في العالم بفضل كتاب Security Analysis الذي نبهه مبكرا إلى أهمية التشبث بأسهم شركات مـعـيـنة "من بينها كوكاكولا الذي يملك حاليا 9 في المائة من أسهمها". أما جيف بـيزوس "أغنى رجل في العالم" فأسـس شركة أمازون بعد أن قـرأ في صحيفة W.S.J أن مستقبل مبيعات التجزئة سيكون عـبر الإنترنت - الأمر الذي يفسر ارتفاع ثروته المفاجئ خلال جائحة كورونا دون بقية الأثرياء.
والآن، ماذا عـنك أنــت؟ هــل ألهمك هذا المقال شيئا؟.
تخيل فـقـط مـاذا ستعـرف حين تقرأ عـشرة أو 20 كتابا في العـام.


الخميس، 12 نوفمبر 2020

المهنة التي لا يتحدث عنها أحد

 دعـني أطرح عليك أربعة أسئلة بسيطة جـدا:

- ماذا يعمل الطبيب؟
- وماذا يعمل المحامي؟
- وماذا يعـمل المعـلم؟
- وماذا يعمل التاجر ورجل الأعمال؟
لماذا خطر في بالك "المال" حين أجبت عن السؤال الأخير؟
السؤال الأخير ليس بسيطا، لأن جمع المال هـو فعلا وظيفة التاجر ومهنة المستثمر!
فحين يكون المال مهنتك وتخصصك وأول اهتماماتك، تصبح فرصتك في الثراء كبيرة وشبة مؤكدة. أمـا حين يتراجع إلى "ثاني، وثالث، ورابع" اهتماماتك، ستتراجع فرصتك في الثراء خلف ثاني وثالث ورابع أولوية لا تدر عـليك دخلا كبيرا.
تأمل حال الطلاب في الجامعات، لماذا الأول يريد أن يصبح طبيبا، والثاني مهندسا، والثالث قاضيا، والرابع معلما.. مجرد انتسابهم إلى هذه التخصصات يعني أن هدفهم الأول ليس جمع المال ومنافسة رجال الأعمال، بـل الحصول على تخصص يعشقونه ويضعونه في مقدمة أولوياتهم.. وبالطبع، نيـل وظيفة مجزية من خلاله!
الحقيقة التي نتجاهلها هي أن هناك وظيفة حقيقية تدعى "صانع ثروات" و"جامع أموال" - ننطقها تأدبا "مستثمرين" و"رجـال أعمال".
الأثرياء ورجال الأعمال هـم القلة التي "لم ترفض فقط مبدأ العمل لدى الغـير"، بــل أسهمت في إيجاد الوظائف للغير، من خلال تأسيس مشاريعها الخاصة. وفي المقابل، لا يصبح عــامة الناس أثرياء، لأن بناء الثروة لم يتحول لديهم إلى مهنة يومية كأي مستثمر ورجل أعمال.. صحيح أن عمل الإنسان "لنفـسه" لا يضمن الثروة، لكنه دون شـك المدخل لبناء الثروة والاستقلال المادي.. هو الوضع الذي كان سائدا في جيل الأجداد الذين لم يعرفوا معنى البطالة، كونهم تربوا على مفهوم العمل بأنفسهم ـ- وليس البحث عمن يقدم لهم راتب ووظيفة. وهـذا يؤكد أن للبطالة جانبا تربويا، كون أطفال اليوم ينشؤون على فكرة التفوق في الدراسة للحصول على راتـب ووظيفة. وهذه وصفة للفقر "كما أشار روبرت كيوساكي في كتاب الأب الغني"، كونها تجعل تفكيرهم منصبا على البحث عمن يـوظفهم - وتجعل المتفوقين أكاديميا يتوظفون في النهاية لدى الأطفال الأقـل تفوقا ممن دخلوا سوق العمل مبكرا.
على أي حال، لا تشغل نفسك بمسألة تحول الجميع إلى "مستثمرين" و"رجـال أعمال".. فـاحتدام المنافسة لا يضمن نجاح الجميع، وتركيبة المجتمع تتطلب دائما وجود طبيب في المستشفى، ومعلم في المدرسة، وقاض في المحكمة.
وفي النهاية، هـذه سنة الله في خلقه "وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا".

الخميس، 5 نوفمبر 2020

عباقرة التوحد

 رأيت قبل فترة برنامجا عن الأطفال المتوحدين تضمن طفلا يملك موهبة فنية خارقة لا يجاريها أي رسام معروف، والعجيب أكثر، أنه يملك ذاكرة خارقة تتيح له رسم أي تفاصيل معقدة "كالبرلمان البريطاني" من أول نظرة فقط. حين شاهدته تذكرت رساما عجيبا قابلته في جزيرة بـالي اتفقت معه على رسم ثلاث لوحات شخصية "بورتريه". اللوحة الأولى للملك سلمان، والثانية لأم كلثوم، والثالثة لشخصي المتواضع.

فتحـت جوالي ليشاهد الصور فــألقى عليها نظرة خاطفة اتفقنا بعدها على السعر وتسليم اللوحات بعد أسبوع.
سألته: هل لديك إيميل كي أبعث لك الصور من جوالي؟ تأخـر في الـرد ثم قال بكسل قـاتل، لا داعي لذلك.
لم أفهم، لأنـه يحتاج إلى الصور الفوتوغرافية كي يرسم اللوحات، لم أتصور قدرته على حفظ تفاصيل الوجوه من أول نظرة، فـقلت بتهديد مبطن، إن لم تتطابق اللوحات مع الصور الموجودة في الجوال لن آخـذها. هــز رأسه ولم يجب، فمضيت في طريقي وأنا متوجس من هـدوئه الغريب.
وحين عدت بعد أسبوع، وقبل دخولي مرسمه، وجدت اللوحات معروضه خارج الاستديو. أصبت بدهشة مضاعفة بسبب قوة ذاكرته وكمية التفاصيل الدقيقة في اللوحات ذاتها "وسأضعها اليوم في حسابي على تويتر ليراها الجميع".
ورغم غرابة هذه الحالة، إلا أنها معروفة لدى معظم المتوحدين ممن يتفوقون ويبرزون في مجال معين دون غـيره، فقد يعاني الطفل مثلا تأخرا ذهنيا "أو هكذا نعتقد" ولكنه يبرز في مجال الرسم أو الموسيقى أو الرياضيات أو الحسابات الخارقة. وفي حين يحتاج الإنسان العادي إلى أعوام من التمرين والممارسة لإتقان مهارة معقدة كـالعزف والرسم يتصرف هؤلاء الأطفال وكأنهم ولـدوا بهذه الموهبة وينفذوها بدقة مدهشة - في حين لا يأخذ منهم حـل المعادلات الرياضية أكثر من جزء من الثانية.
وهذه المواهب قد لا تكون مفهومة بشكل كامل للعلماء، ولكنها دليل على امتلاك أدمغتنا قدرات خفية وكامنة لا نعلم عنها شيئا ـ ولا نعلم لماذا لا يتمتع جميع الناس بها.
الجديد في الموضوع، اكتشاف أن كثيرا من المتوحدين لا يبدون من الخارج كـمتوحدين. اتضح أن كثيرا من العباقرة كانوا يعانون التوحد بنسبة خفيفة "وغير ملاحظة بالضرورة" بدليل عزلتهم، وهدوئهم، وانطوائهم على أنفسهم، وعزوفهم عن المناسبات العامة.
ولا أخفيكم، حـين أخــذت لوحاتي أدركت أنني قابلت للتــو واحدا منهم.



ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...