الأربعاء، 11 مارس 2020

التحقيق بالعقاقير


كما أن هناك عقاقير وأدوية وفيتامينات (مادية) تؤثر في أجهزة وأعضاء الجسم، فهناك أيضا عقاقير (نفسية) تؤثر في ملكاته الذهنية ودفاعاته الشخصية..

خذ كمثال ما يسمى بمصل الحقيقة الذي استعمل على نطاق واسع في التحقيقات الجنائية الكبيرة.. ففي عشرينيات القرن الماضي اكتشف عالم التخدير الأميركي تس هاوس ما أسماه "مصل الحقيقة" المصنوع من مادة السكوبولامين. وبإطلاقه هذه التسمية داعب حلما قديما طالما تمنى المحققون وجوده. وقد ادعى هاوس أن العقار قادر على إجبار الناس على قول الحقيقة رغم أنوفهم والاعتراف حتى على أنفسهم. وما زاد من شهرة "مصل الحقيقة" أنه استعمل في بداية اكتشافه لمحاكمة عصابة ارتكبت ما يعرف بمجزرة الاباما... ولكن مادة السكوبولامين ومعظم الأمصال المشابهة لم تعد اليوم مقبولة لإدانة المتهمين لأنها تسبب خلطاً بين (الحقيقة ورغبة المتهم) ما يؤثر في مصداقية الاعترافات. فهذه الأمصال تجعل الإنسان في حالة لا واعية لا يميز خلالها بين ما وقع فعلا، وبين ما يرغب بوقوعه.

أضف لذلك أن من يعانون من المازوشستية (أو حب تعذيب النفس) قد يعترفون بجرائم لم يرتكبوها أبدا..

ولكن من جهة أخرى هذه الثغرات لا تنفي حقيقة ان هذه الأمصال (مثل السكوبولامين، وأميتال الصوديوم، وبنتوثال الصوديوم) تعمل على تحويل الإنسان لثرثار كبير وتحد من قدرته على تقييم المخاطر وحفظ الأسرار وحياكة الأكاذيب.. وهذه الميزات قد تعين المحققين في مهمتهم ولكن المحاكم لا تقبل بنتائجها!

وقبل فترة بسيطة قالت الواشنطن بوست إن السلطات الفيدرالية تسعى سرا لشراء عقار جديد اكتشف في جامعة كانبيرا الاسترالية يجبر المتهم على الاعتراف بالحقيقة (رغم أنفه).. وهذا الخبر ذكرني بالمأزق الأخلاقي الذي وقعت فيه العدالة الأميركية بعد تفجيرات سبتمبر 2001 وجعلها تفكر جديا باللجوء إلا "أمصال الحقيقة" لانتزاع الاعترافات من المتهمين.

فرغم براعة أجهزة العالم الثالث في استخلاص أي اعتراف يناسبها تحت التعذيب إلا أن الدستور الأميركي لا يجيز هذه الطريقة. وهكذا عانت الأجهزة الأميركية من صمت المعتقلين الأجانب وتمسكهم بحقوقهم التي كفلها الدستور. فبعد حادث التفجير الشهير قبضت السلطات الفيدرالية على أربعة مشتبهين رئيسيين يعتقد انهم أعضاء في منظمة القاعدة (هم أيوب خان، ومحمد جويد، ونبيل رابح، وزكريا موسى) ولكنهم اضربوا عن الكلام ولم تفلح أي وسيلة حضارية في حملهم على الاعتراف. ولأن الدستور الأميركي يمنع تعذيب المشتبه بهم او استنطاقهم بطرق قاسية (داخل اميركا طبعا) أصبحت وزارة العدل في مأزق لاتحسد عليه!

غير ان صحيفة الواشنطن بوست قالت ان المحققين فكروا حينها بأربعة خيارات رئيسية لحمل المتهمين على الاعتراف:
الأول اللجوء الى العقاقير الطبية، والثاني تنويمهم مغناطيسيا، والثالث التحقيق معهم خارج الأراضي الأميركية، والرابع ترحيلهم إلى إسرائيل أو دول صديقة (في الشرق الأوسط) لا تملك في دساتيرها مايمنع التعذيب والتنكيل بالمعتقلين!

لنتحدث بصراحة عن الطب البديل


(الطب البديل) هو كل ممارسة طبية شعبية أو تكميلية أو روحية أو خارقة لا تدخل ضمن الطب التقليدي ولا تُدرس غالبا في الكليات الطبية.. فالعلاج بواسطة الوخز بالإبر والأعشاب والريفلوكسولوجي والممارسات الروحانية وأنواع المساج والتنويم المغناطيسي جميعها تدخل تحت خانة الطب البديل أو التكميلي أو الشامل أو الرديف إلى آخر هذه المسميات اللطيفة والمخادعة في نفس الوقت..

.. وأقول مخادعة لأنها توحي بوجود حلول بديلة أو تكميلية عجز عن اكتشافها الطب التجريبي الحديث.. ولكن الحقيقة هي أن الطب الحديث (علم تجريبي) يعتمد على البحث والدراسة وما تثبته التجارب على عينات كبيرة تمتد لسنوات كثيرة.. وفي المقابل يعتمد الطب البديل على حسن الظن، وبيع الوهم، والإيمان المسبق، وتأثير المحيطين بالمريض.. لا يملك تجارب موثقة ولا اختبارات مجربة ولا شهادات موثقة مثل الطب الرسمي ويمكن تصنيفه بكل سهولة تحت خانة "العلوم الوهمية" التي شرحتها في مقال خاص..

لا يوجد شيء في نظري يدعى علاجا "بديلا" أو "تكميليا"، بل علاجا ناجحا أو فاشلا أياً كان مصدره ومسماه.. الوسط الطبي الرسمي لا يمانع تجربة أي ادعاءات أو علاجات جديدة (حتى وإن كانت من شيخ يدعي اكتشاف دواء للكورونا ومن قبله الإيدز) ولكنه لا يسمح بتداوله رسميا إلا بعد اختباره وتوثيقه ودراسة آثاره ومضاعفاته.. حتى شركات الأدوية لا تمانع اختبار الادعاءات الجديدة (بل تطوف العالم بحثا عن منتجات شعبية تصبح أساسا لعقاقير جديدة) ولكنها في النهاية لا تبيع الأوهام للناس ولا تسوق منتجاتها قبل تجارب ودراسات تكلفها ملايين الدولارات..

وفي المقابل لاحظ مايحدث في دكاكين العطارين وما يسمى بالطب الشعبي أو البديل حيث لا تجارب ولا موثوقية ولا جهات رسمية تضمن أي منتج يباع للمريض.. تشتري خلطة مجهولة التركيب لا تعلم محتواها ولا كيفية تحضيرها ولا تعرف من ركبها أو باعها لك.. خلطة أو تركيبة أو سمها ما شئت لم تحضر في ظروف معقمة وآمنة وخاضعة للتجربة ولا يعرف أحد تأثيراتها الجانبية أو بعيدة المدى..

الشائع هو أنك ستتعرض لغش يتضمن المبالغة في السعر، أو سماع فوائد خارقة، أو العودة للمنزل بأدوية صيدلانية حقيقية (كالفياجرا أو البروفين أو المضادات الحيوية) تم خلطها مع أعشاب وتراكيب تقليدية (كغذاء ملكة النحل وزيت الحبة السوداء ومسحوق الطحالب البحرية) بحيث تشعر بتأثير حقيقي فتعمل كبوق دعاية جديد للاكتشاف الجديد..

أنا أول من يعترف بأن الطب البديل أو الشعبي يمكن أن يحقق بعض النجاحات ولكن ذلك يحدث لظروف توافقية ونفسية مسبقة.. يحدث بفضل نسب رياضية تشبه ساعة الحائط التي (لا تعمل) ومع هذا تصيب مرتين في اليوم.. ويعتمد بنسبة كبيرة على تأثير البلاسيبو أو الوهم الحميد الذي بحسب اعتراف الأطباء وشركات الأدوية مسؤول عن 30% من حالات الشفاء المعتادة.. حسنته الوحيدة والمؤكدة تتعلق برفع الروح المعنوية للمريض (وربما خداع جهازه المناعي) ولكن دون تأثير خارجي على المرض ذاته بدليل قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: إذا دَخَلْتُمْ على المَرِيضِ فنفِّسُوا لَهُ في الأَجَلِ فإِنَّ ذلكَ لا يَرُدُّ شَيْئاً وهُوَ يُطَيِّبُ نَفْسَه..

وبيني وبينك حتى مقولة "آخر الطب الكي" (التي شوهت نصف السعوديين) ليست حديثاً نبوياً، بل مجرد مقولة كان يروج لها أطباء العصر الجاهلي.

كيف تصبح طبيباً في خمسة أيام؟!


من المفارقات العجيبة أن المشعوذين والدجالين يتفوقون على الأطباء والاستشاريين في الثراء والشهرة.. وهذا الوضع حيرني طويلا حتى تأكد لي أن الاطباء الحقيقيين يفتقدون مزايا يعتمد عليها المشعوذون ومن يدعون اكتشاف علاجات خارقة (عجز عنها الشرق والغرب)!

فالطبيب الحقيقي مثلا يفتقد الهالة الإعلامية والسمعة المدوية لأي طبيب شعبي أو مدع شرعي.. وهذه الهالة مهمة جدا لغسل مخ المريض مسبقا والاستفادة من التأثير الوهمي (او البلاسيبو) في علاجه. فحين تدوّي شهرة احد الأطباء الشعبيين (ويروج عنه الإعلام حكايات خارقة) يتضخم التأثير الوهمي في رأس المريض ويصبح مهيأ للشفاء حتى قبل الجلوس في حضرته!

.. أيضا من المزايا التي يتفوق فيها الدجال على الطبيب استغلال العامل النفسي لأقصى حد (ومعروف دور هذا العامل في تدعيم الجهاز المناعي).. فهو يبالغ و"يضرب في العالي" لإقناع المريض بأنه المخرج الوحيد لمشكلته.. فكل مريض يطرق بابه مصاب بأمراض خطيرة لافكاك منها كالسرطان والكبد والجرب وتسوس العظام ووو.. وحتى إذا ما بلغ الخوف مبلغه وظن المريض انه هالك لامحاله أخرج له "صُرة" فيها دواء خارق يشفي من كل الأمراض المستوطنة والمهاجرة وما عجزت عن اكتشافه أوروبا وأميركا!!

أما الطبيب المحترم (فمحترم فعلا) ولا يستطيع إخبار المريض بغير الواقع ولا يصف له غير ما يوجد في صيدلية الوزارة .. ولاحظ رحمك الله .. صيدلية الوزارة فقط!

ولأن طبيباً بهذه الأخلاق لن يحقق من النجاح ما يحققه عطية الفلاح، أرى ان يخلط بين الحالين ويصبح طبيبا "نصف دجال" لمصلحة الجميع!

ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة سأدلي بدلوي وانصح كل طبيب محترم يطمع بالكسب السريع بتبني الإجراءات التالية:
استأصل أولاً هذا الورم الحميد المسمى (ضمير)!

وتعلم إطلاق الوعود البراقة، وعِد مريضك بنتائج خارقة خلال يومين!

أخبره أن مرضه بالغ الخطورة ولكنك بحمد الله توصلت للتركيبة المناسبة.


ادعّ ان زملاءك الأطباء يحقدون عليك، وان المستشفى سيفصلك قريبا بسبب مكائدهم ضدك!


علق خلف كرسيك شتى أنواع الشهادات وخطابات الشكر.. ومن المهم ان تكون "بالانجليزي"! وإن حالفك الحظ وحضرت مؤتمرا عالميا او قابلت شخصيات مشهورة فالتقط صورا معهم وضعها على مكتبك (من الجانب الذي يجلس فيه المرضى).

ويا ليت تخبر مريضك أنك كثيرا ما تحلم بأناس صالحين يرشدونك الى كذا وكذا، ويعلمونك هذه الخلطة وتلك اللبخة وكي يساهم في الترويج لك اهمس في أذنه: ليكن هذا سراً بيني وبينك!

وحين يسألك المريض عن دواء سمع به او اكتشاف قرأ عنه تصنّع معرفتك به ثم قل ساخرا "يا أخي هذا شيء قديم عندي ما هو أفضل"!

ولأن بعض الأطباء كالحلاقين (كلما ذهبت لأحدهم يعيب بمن سبقه) بالغ في هذا الأسلوب لأنه كلما سخرت من بقية الأطباء أوحيت بأنك أفضل منهم!


أوحِ للمريض أنك طبيب وطني مخلص وقل شيئا مثل: رغم أن الأوضاع "زفت" إلا انني رفضت عرضا للعمل في اميركا أو بيع اكتشافي لفرنسا!


تعرّف على الصحفيين المرتزقة واجعل احدهم يفبرك لقاء معك عن آخر إنجازاتك (فما زاد الدجالين شهرة غير كتاباتنا عنهم)!

وأخيرا؛ لا تتردد ولا تفقد ثقتك بنفسك كي لاتبدو مهزوزا فتثير شكوك المريض.. ولا تكن كأطباء هذه الأيام فتخبرهم بعدم وجود علاج لهم، أو قرب انتقالهم للآخرة.. انظر للجانب المشرق وأسمع الناس ما يودون سماعه.. والشافي هو الله..

هل مازلت تتساءل؛ لماذا كتبت هذا المقال؟!

.. كي تتعرف أنت على خصائص الدجالين وأدعياء الطب.. وأيضا على معدومي الضمير من الأطباء والاستشاريين الرسميين.

أخرجوا المواشي من جزيرة العرب


هل حان الوقت لإخراج المواشي من جزيرة العرب بسبب الجفاف والأوبئة وضعف الغطاء النباتي؟.

هل حان الوقت لمنع تربيتها منعا لظهور الأوبئة بدءا بالوادي المتصدع وجنون البقر وانتهاء بانفلونزا الطيور وكورونا الإبل؟

هل نملك أصلا حرية طرح مثل هذه التساؤلات كون ظروف الجفاف والقحط وتكاليف التربية التي جعلتها أصلا في حكم المنقرضة من جزيرة العرب؟

.. عزاؤنا الوحيد أن شعوبا كثيرة (تتمتع بالماء والخضرة والخروف الحسن) ومع هذا تتخلى تدريجيا عن تناول اللحوم.. تفعل ذلك لأسباب صحية وطبية واقتصادية وبيئية ومائية - بل وحتى أخلاقية وعاطفية.. فنحن في السعودية - مثلا - أصبحنا نأكل لحوما حمراء أقل من أجدادنا لسبب بيئي (الجفاف وقلة المياه) واقتصادي (بعد ان تجاوز النعيمي والحري ربع ميزانية الأسرة في عيد الحج الأخير).. وفي الدول الفقيرة بالمياه أدرك الناس قبل الحكومات أن تناول المحاصيل النباتية أوفر لهم من تربية الثروة الحيوانية.. وفي الهند والمجتمعات البوذية في آسيا لا يحبذ الناس أصلا فكرة قتل الحيوانات لتناول أجسادها لأسباب عقائدية ضاربة في القدم.. أما في أوروبا فبدأ الناس بهجر اللحوم لأسباب صحية وموجات وبائية ذات علاقة واضحة بالمواشي..

ومن المعروف أن تناول اللحم كان ومايزال احد معايير الثراء بين الأفراد والأمم؛ فكلما زاد ثراء الفرد والمجتمع زادت نسبة استهلاك اللحوم. غير ان هناك ظاهرة برزت منذ الستينيات جعلت التخلي عن اللحم خيارا طوعيا لادخل له بالغنى والفقر.

ففي دول الغرب المترفة اختار البعض التحول للغذاء النباتي لأسباب لم تكن معروفة حتى مئة عام مضت.. فالبعض امتنع عن تناول اللحوم خوفا من الأمراض.. والبعض الآخر اعتراضا على المعاملة اللانسانية التى تتعرض لها المواشي.. وقسم ثالث تأثرا بالمعتقدات الشرقية التي تعارض قتل ذوات الأرواح أو تعتقد ان الحيوانات تجسيد لأشخاص عاشوا في الماضي.. اما القسم الأخير فيشمئز ببساطة من فكرة قتل أي مخلوق بغرض تناول جسده الميت!

واليوم يعد الشعب البريطاني من أسرع شعوب العالم هجرا للحوم ويقدر ان ألف شخص يتوقفون عن تناولها كل أسبوع.. وبحسب صحيفة الاندبندنت تحول 35% منهم بشكل نهائي إلى النظام النباتي (مقارنة ب65% في الهند) بسبب سلسلة من الأوبئة التي بدأت بجنون البقر واستمرت بالحمى القلاعية!

.. ويلاحظ بوجه عام ان هذه الظاهرة بدأت تنتشر فى كامل أوروبا.. ففي ألمانيا والنمسا والسويد والنرويج تنخفض مبيعات اللحوم بنسبة 5% سنويا.. وفي فرنسا أكد المعهد الوطني للإحصائيات ان 66% من الفرنسيين أصبحوا يفضلون الأكل النباتي على الحيواني. وبدأت هذه الموجة قبل 25 عاما حين اختفى لحم الحصان الذي يعشقه الفرنسيون بالتدريج من مجازر باريس وخف استهلاك الدواجن بنسبة كبيرة!

ومن جانب آخر لا ننسى وجود سبب اقتصادي وبيئي قد يجبر قريبا كافة الأمم على التخلي عن تربية المواشي.. فالبقرة والخروف والخنزير وجميع المواشي تستهلك كميات (كبيرة) من المحاصيل لتمنحنا كميات (قليلة) من اللحوم.. وهي لا تشرب فقط كميات كبيرة من المياه، بل وتستهلك حبوبا ومحاصيل تتطلب زراعتها كميات مهولة من مياه الشرب العذبة..

ولهذا السبب سيجبر العالم قريبا على التخفيف من تربية المواشي (وربما التخلي عنها نهائيا كما أجبرنا على ذلك في السعودية).. سيكتشف قريبا عقلانية توفير هذه الكميات الهائلة من المياه والمحاصيل (كما اكتشفنا نحن بعد استنزاف مخزوننا الجوفي) واستغلال المتبقي لتوفير احتياجات الناس مباشرة!

وحتى يصلنا الدور (ونمتنع نهائيا عن أكل اللحوم لأي سبب) أقترح إخراج المواشي من جزيرة العرب وتخفيفنا طواعية من تناول اللحوم الحمراء توفيرا لميزانية العائلة وتخلصا من الكوليسترول الذي يخنق عروقنا.

هل يمر جميعنا بدورات شهرية خفية؟


هل يمكن تخمين حالتنا الجسدية والنفسية اعتمادا على دورات داخلية لاحظتها بعض الشعوب قبل قرون؟

هل ادعاءات الأبراج (التي لا أصدق بها شخصيا) لا تعتمد في ذاتها على النجوم بل على تتبع التواريخ والفصول والظروف التي ولدنا فيها؟

هل صحيح مثلا أن الأدباء والعباقرة والفنانين يولدون في فصول معينة من العام (كما فصلت ذلك في مقال سابق) وأن أمزجتنا بوجه عام تتفق مع تواريخ ولادتنا؟!

هذا الكلام مجرد مقدمة لظاهرة تنبه لها لأول مرة طبيب الماني عاش قبل 114 عاما؛ فقد خرج ويلهيم فلييز بنظرية تفيد بوجود دورات حياتية (عديدة ومختلفة) يمر بها كل إنسان .. فمن المعروف أن هناك دورة رحمية تمر بها المرأة كل "28" يوما؛ لكن الدكتور فلييز اكتشف أن هناك دورة فيزيولوجية يمر بها كلا الجنسين تتكرر كل "23" يوما، ودورة عقلية تتكرر كل " 33 " يوما ، ودورة انفعالية تتكرر كل "28" يوما، ودورة شعورية كل " 26" يوما..

وإذا تصورنا هذه الدورات كرسوم بيانية سنجدها ترتفع عاليا في ايام معينة ثم تنخفض الى الحضيض في أيام أخرى. فحين تبلغ الدورة الانفعالية (مثلا) قمتها تغلب علينا "النرفزة" وسرعة الغضب، وحين تنخفض يغلب علينا التسامح "وطولة البال" ..

ورغم أن هذه الدورات تمر وتتقاطع بمواعيد مختلفة يكفي لتتبعها معرفة تاريخ الميلاد فقط حسب المؤمنين بها. وحاليا يمكن اظهار إيقاعات وتقاطعات هذه الدورات بواسطة آلة إلكترونية صغيرة (تشبه الآلة الحاسبة) تسمى "كوزمس"..

واليوم تطورت نظرية فلييز لدرجة الادعاء بأن حالة الانسان لا تتأثر فقط بارتفاع او انخفاض كل دورة؛ بل وأيضا بتوافق او تعارض هذه الدورات مجتمعة؛ فمشاعر الكآبة والخمول والإحباط تبلغ ذروتها حين تنخفض "الخطوط البيانية" للدورات النفسية في حين نشعر بالتفاؤل والنشاط والغبطة حين ترتفع لدينا دورتين او أكثر..

وللتأكد من هذه العلاقة راجع البروفيسور هارولد ويلس من جامعة داكوتا ملفات المتوفين من مرضى القلب فلاحظ أن أكثر من نصفهم توفي في التقاطعات الحرجة لدوراتهم البيولوجية . ثم راجع سجلات المنتحرين فلاحظ أن معظمهم توفي أثناء انخفاض دوراتهم النفسية.

وبناء على ملاحظات البروفيسور ويلس استعانت شركات التأمين ببرامج وآلات حاسبة صحية للتأمين لتخمين حالة العميل ووضعه الصحي كما عمدت شركات أخرى إلى قصر الإجازات على "الأيام الحرجة" التي يمر بها كل موظف!!

ورغم اعترافي بأن مشكلات الحياة، وظروف العمل تلعبان في حياتنا دورا كبيرا وواضحا؛ إلا ان الدورات الداخلية (في حال ثبت وجودها فعلا) هي من يحدد مواقفنا وطريقة تعاملنا مع المؤثرات الخارجية..

وما يهمني اليوم فعلا هو التنبه إلى احتمال وجودها داخلنا وتأثيرها علينا فعلا.. فهذا بحد ذاته سيفسر لنا الكثير، ويوفر علينا الكثير، ويمنحنا فرصة الاستعداد مسبقا للتعامل مع أي دورات نفسية وجسدية من هذا النوع .. وأكاد اجزم أنك شخصيا جربت اوقاتا تكون فيها في قمة نشاطك وتألقك الذهني وأياما تكون فيها محبطا متخاذلا .. بلا سبب واضح !

مشكلات خاصة بالأثرياء فقط


الأميركان يدعون من باب المبالغة أن الأغنياء يعيشون في كوكب آخر.. فهم يفكرون بطريقة مختلفة، ويتصرفون بطريقة مختلفة، ولا يفهمهم معظم الناس.. لهم مشكلاتهم الخاصة، وأمراضهم الخاصة، ودوافعهم الخاصة، بحيث يصعب على الطرفين الاتفاق على أشياء كثيرة في مقدمتها المال وسبب وجوده في الحياة!

فحين يكون لديك مثلا خمسون مليونا ثم تتحسر على عدم امتلاكك مئة مليون فهذه مشكلة خاصة بالأثرياء فقط!

وحين تملك مئة مليون ثم تتملكك الغيرة لماذا يملك شاب مثل زوكربيرج (مؤسس الفيس بوك) عشرين مليارا فهذه مشكلة خاصة بالأثرياء فقط!

وحين تملك مالاً يكفي قرية صغيرة ثم تتحسر كيف تركت أبناءك بلا رصيد كاف (مثل عائلة فلان وفلان) فهذه بدون شك مشكلة خاصة بالأثرياء فقط!!

.. وفي الحقيقة، يمكنني الاستمرار في هذه القائمة الى الأبد؛ ولكنك في النهاية ستكتشف أن الأثرياء يملكون هموماً ومخاوف أكثر من البسطاء (فالبسطاء لا يملكون ما يخافون عليه أصلا)!

.. دعونا إذاً ننتقل الى جانب آخر من الموضوع وهو مالا نعرفه عن الأثرياء فعلا:


هل تعرف مثلا أن هناك نوعين مختلفين منهم.. الأول أفضل مني ومنك كونه عصاميا مجتهدا صعد من الصفر دون أن ينسى جذوره القديمة.. أما الثاني فجيل تال ورث المال ولم يعرف طعم الحاجة ولا يفهم لماذا يفعل الفقراء هكذا بأنفسهم (تماما مثل ماري انطوانيت التي قالت لفقراء باريس: إن لم تجدوا الخبز تناولوا الكعك)!


وأغلب الأثرياء يهتمون بمقدار المال الذي يملكه منافسوهم أكثر من المال الذي في حوزتهم.. لديهم رغبة شديدة في معرفة ثروة فلان وفلان دون الإفصاح عن ثرواتهم الشخصية (لدرجة أن أندرو كارنيجي في أميركا كلف عالم نفس يدعى نابليون هيل بالبحث عن أسرار منافسين مثل فورد ومورجان وبيل وروكفلر بدعوى تأليف كتاب عن قوانين النجاح/ وابحث في النت عن مقال سابق بنفس العنوان)!


أيضا الأثرياء يفقدون بمرور الزمن الشعور بقيمة النقود نفسها.. فعامل النظافة مثلا يُقيم (الخمسمئة ريال) كجهد وطاقة بذلهما خلال شهر كامل.. وفي المقابل لا ينظر الثري لذات "الخمسمئة" بنفس الطريقة ويتعامل معها كرقم تافه ناله دون جهد أو طلب وبالتالي يصرفها على أمور أبسط بكثير.. ونفس الأمر ينطبق على الموظف البسيط الذي يشعر بقيمة راتبه فيصرف كل ريال في موضعه، في حين يفتقد الثري هذه الميزة فيرى رصيده مجرد أرقام بنكية وعقد الصفقات مجرد.. ألعاب أرستقراطية!


وكما ذكرت في مقدمة المقال؛ يملك الأثرياء أيضا مشكلاتهم الخاصة، وأمراضهم الخاصة، ودوافعهم الخاصة.. فهم مثلا يتزوجون ويطلقون ويخطئون بنسبة أكبر.. وفي مجتمعنا بالذات يملكون أكثر من زوجة وبيت وذرية، الأمر الذي يرفع نسبة المشكلات الأسرية والصراعات المالية.. كما أن لديهم نسبة أكبر من أمراض الضغط والسكر والسمنة والوفاة بالقلب وتليف الكبد ناهيك عن ارتفاع نسبة الإحباط والقلق والاكتئاب والشك بنوايا الآخرين..!

... ولكن.. في النهاية؛ لا يجب أن نخدع أنفسنا ونتجاهل الجانب الايجابي والجميل في حياة الثراء.. فالأثرياء أقدر على الاستمتاع بمباهج الحياة، والتأثير على محيطهم، ونيل مساعدة المسؤولين، وتوفير تعليم راق لأبنائهم ورعاية صحية لأنفسهم وبالتالي يعيشون لعمر أطول، ويرون أبناءهم في مناصب أفضل، وتتحقق مصالحهم بطرق أسرع وأسهل..

.. وبدون شك.. من يسلم من السلبيات السابقة يعش حياة نعيم وسعادة ويتحقق فيه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم "نعم المال الصالح للرجل الصالح".

وماذا عن ابن بطوطة!؟


في فبراير الماضي2015 كتبت مقالاً بعنوان موسوعة المليون كذبة قلت فيه:

.... وبعد عودتي من الصين تأكد لي أن ماركو بولو لم يصل إليها كونه لم يتحدث عن شيئين لا يمكن لعين المسافر تجاهلهما في الصين: سورها العظيم.. والشاي الأخضر.. واليوم تذكرت ذلك المقال بعد قراءتي شيئاً من رحلات ابن بطوطة..

تذكرت اشتراكه مع ماركو بولو في سرد مبالغات وربما أكاذيب وترك حرية الصياغة والإملاء لأشخاص أقل منهم مستوى..

ولكن؛ قبل أن ننتقل إلى ابن بطوطة دعونا نتفق أولاً على حقيقة مهمة وهي أن تدوين الرحلات (بعد انتهائها) لا يخلو من السهو والتداخل وخلط الوقائع بالأساطير التي يسمعها الرحالة (واسألني أنا).. وما يفاقم هذه المشكلة أن ابن بطوطة (مثل كثير من الرحالة القدماء) لم يكتبوا رحلاتهم بأنفسهم؛ بل أملوها على أشخاص أضافوا إليها حبكة درامية وزيادات غير واقعية بدافع التجميل أو الاستعراض أو التباهي...

وابن بطوطة في الأصل قاض وأديب اسمه الحقيقي محمد بن عبدالله بن محمد اللواتي.. ولد بطنجة عام 703 للهجرة وخرج منها عام 725ه في رحلة شملت الجزائر وتونس ومصر والسودان والشام والحجاز والعراق وفارس واليمن وعمان والبحرين وتركستان والهند والصين وبلاد التتار وأواسط أفريقيا..

وبعد ثلاثين عاماً من الترحال عاد إلى المغرب وأملى تفاصيل رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756ه ودعاها تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (في حين أن من كتب مذكرات ماركو بولو روائي مغمور يدعى رستيشيللو سبق أن اختلق قصصاً خيالية عن شخصيات مشهورة كيوليوس قيصر والملك آرثر)!!

... وابن بطوطة بلا شك شخصية حقيقية (مثل ماركو بولو) وقام برحلات تستحق التدوين (بمعايير عصرها) ولكنّ كثيراً من تفاصيل رحلته لم يعد اليوم يتفق مع الوقائع والمعارف الجغرافية الحديثة..

... انظر مثلاً إلى هذه الواقعة العجيبة التي شاهدها في حضرة أحد أمراء الهند.. فقد حضر أحد المشعوذين ومعه صبي صغير فرمى حبلاً في الهواء فاستقام حتى السحاب ثم أمر الصبي بتسلقه.. وبدون تردد نفذ الصبي أوامر المشعوذ وتسلق الحبل حتى غاب عن الأبصار. وحين تأخر في النزول دعاه المشعوذ ثلاث مرات فلم يجبه فأخذ سكيناً ضخمة وصعد خلفه حتى غاب هو أيضاً. وبينما الناس ينتظرون سقطت بينهم يد الصبي ثم قدمه ثم رأسه ثم قدمه الأخرى حتى إذا اكتملت بقية الأعضاء نزل المشعوذ وسكينه تقطر دماً!!.

أيضاً تضمنت رحلة ابن بطوطة أموراً يكذبها المنطق والواقع مثل زيارته لجزر وبلدان تملك فيها النساء ثدياً واحداً، وسحرة يجلسون على الهواء، وجزيرة تستقر على ظهر حوت...

كما يتفق علماء السلف على تكذيب قصته المشهورة عن ابن تيمية.. فقد ذكر أنه حضر يوم الجمعة وابن تيمية يعظ في قلعة دمشق ونزل من درج المنبر وهو يقول إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا.. وأغلب الظن أن هذه القصة مختلقة لأن ابن بطوطة وصل إلى دمشق بتاريخ (التاسع من رمضان عام 726 للهجرة) في حين تم سجن ابن تيمية في قلعة دمشق في مطلع شعبان من ذلك العام وظل فيها حتى وفاته!!

.. وما حدث في تصوري هو أحد أمرين:

إما أن ابن بطوطة كان يخلط الوقائع بالأساطير، أو أن ابن جزي كان يختلقها على لسانه...

على أي حال؛ ابن بطوطة لم يكن فقيهاً أو صاحب مذهب وبالتالي يمكن مناقشة سيرته، وتفنيد رواياته، ونقد آرائه؛ دون خوف من تكفير أو خروج من ملة... وكُل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...