الثلاثاء، 26 يناير 2021

العيش بأجمل طريقة ممكنة

 هناك قصة مشهورة في التاريخ الأميركي بسبب غرابتها وصعوبة تكررها.. فأثناء الثورة الأميركية ضد البريطانيين، حلم القائد الأميركي «روبرت موريس» بأنه سيقتل أثناء زيارته لإحدى سفن البحرية في اليوم التالي. وقد أقلقه ذلك الحلم إلى درجة التفكير بإلغاء الزيارة، ولكنه قرر مصارحة مرافقيه وقـرروا سوياً اتخاذ «الاحتياطات» اللازمة كافة.. وهكذا تم إصدار الأوامر إلى كابتن السفينة بألا تطلق مدافع التحية أبداً حتى يعود إلى الشاطئ، كما تم اختيار الجنود بدقة شديدة ومنعهم من حمل أسلحتهم النارية المعتادة.. بــل تم تفتيش السفينة بالكامل وإزالة قذائف وبراميل البارود من على ظهرها.

وفعلاً انتهت الزيارة بسلام واستقل موريس وأعوانه أحد القوارب نحو الشاطئ.. وفي تلك الأثناء وبينما كان كابتن السفينة يراقب وصول القارب وقفت ذبابة على أنفه وحين رفع يده ليبعدها ظن أحد الجنود أنها إشارة البدء المعتادة لإطلاق مدافع التحية.. وهكذا امتدت يده تلقائياً وأطلق مدفعاً يملك داخله قذيفة منسية دمرت القارب الذي كان يستقله موريس وتسببت في تمزيقه لأشلاء أثناء نزوله للشاطئ!!

وكان الإمبراطور مينيليلك الثاني «مؤسس الدولة الإثيوبية الحديثة» يأكل صفحات من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم كلما شعر باعتلال في صحته.. كان رجلاً متديناً لدرجة القناعة بأنه بهذه الطريقة سيحصل على الشفاء «من أي كتاب مقدس» يرتضيه الله لـعباده.. وفي ديسمبر العام 1913 أصيب بـنوبة قلبية خفيفة قرر بعدها الوصول لمرحلة «الشفاء النهائي» فقرر ابتلاع فصول كاملة، فبدأ بالتوراة -كونها الأقدم نزولاً - وابتلع فصلاً كاملاً يدعى «سفر الملوك» فمات متسمماً بزئبق الحبر وفطريات الورق!!

هـاتان القصتان تؤكدان حتمية الموت من حيث لا نعلم - وحتمية الموت حتى لو كنا داخل بروج مشيدة.. وكلا القصتين تذكرنا برواية شعبية مشهورة عن رجل يدعى خيطان، كان يخاف الموت لدرجة شغله عن الحياة.. قرر اتخاذ الاحتياطات اللازمة كافة للهرب من ملك الموت، فكان لا يرى ميتاً محمولاً على نعش إلا ويذهب ويسأل عن سبب وفاته.. وهكذا تجنب إشعال النار، والاقتراب من الآبـار، والصعود إلى سطح الدار.. تجنب أكل السمك، والسفر في الصحراء، والخروج في الليل، والذهاب لمسجد الحي؛ لأنه سمع أن الأول مات اختناقاً، والثاني غرقاً في بئر، والثالث سقط من سطح داره، والرابع غص بشوكة، والخامس مات عطشاً، والسادس أكلته الذئاب، والسابع مات بسبب مريض سعل في المسجد.

وذات يوم مرت من أمامه جنازة فـسأل عن سبب وفاته فـقـالوا لـم يكن به شيء كان معافى صحيحاً ولكنه نام ولم يستيقظ، فــتأوه وقال هذا «وجع خيطان» فـغـدت مثلاً بين أهـل نجــد «وأفترض في النهاية أنه مات في فراشه كما يموت البعير».

وبما أنك تذكرت الآن خالد بن الوليد، تذكر دائماً أن هناك حالة معاكسة تماماً لما حدث للسـيد خيـطـان.. حالة أشخاص لا يخافون الموت ولا يهابون الهلاك، ومع هذا ينجون من الموت مرات ومرات ويموتون في النهاية على فراشهم بكل رضـا وسكينة وراحة بـال.. أبرز النماذج المعروفة في تراثنا العربي سيف الله المسلول الذي قال على فراش الموت: (ما من موضع شبر في جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء)..

.. ماذا نستفيد من هذه القصص الثلاث؟

  • أولاً: إن الموت محتم فلا تشغل بالك به..

  • وثانياً: إن الحياة قصيرة فلا تشغل بالك بها أيضاً..

  • وثالثاً: إنك لا تملك غير اللحظة التي تعيشها.. فـحاول عـيشـها بأجمل طريقة ممكنة..

الخميس، 21 يناير 2021

جائزة الجودة الوطنية

 مـا لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه .. وما لا يمكن الحكم عليه، لا يمكن تطويره مستقبلا.. 

ولهذا السبب تحتاج الدول إلى معايير جـودة "وطنية" تشعل روح المنافسة وترفـع مستوى منشآتها بشكل دوري.. بدون ذلك يخـتفي الحافر، ويخـف الدافع، وتثبت الإنجازات على مستواها السابق.. والثبات في هذه الحالة يعـني التراجع والبقاء في ترتيب متأخر بسبب اختفاء معايير الجودة ذاتها...

معظمنا يخلط بين تفوق الدولة (العسكري والاقتصادي) وتفوقها النوعي (على مستوى الشعب والأداء المؤسسي).. 

لـو طلبت من الناس حولك وضع ترتيبا بـأعظم الدول في العالم سيختار معظمهم : أمريكا وروسيا والصين ــ وربما فرنسا أو بريطانيا.. ولـكـن لو سألتني شخصيا سأختار: سويسرا والسويد وهولندا ــ وربما ألمانيا أو اليابان ..

سـيختار معظمنا الدول الأولى لأنها جمعت بين التفوق الصناعي والعسكري، مع عدد سكان كبير وناتج قومي ضخم.. 

ولكن إذا نظرنا للموضوع بميزان التفوق النوعي (للفرد ومؤسسات المجتمع) نكتشف تفوقا واضحا لسويسرا والسويد وهولندا .. فهذه الأخيرة تـملك عدد سكان أقل بكثير؛ ومع هذا تتفوق من الناحية التعليمية، والصحية، والناتج الاقتصادي للفرد. أطلق عليها شخصيا (الدول النوعية) كونها تتفوق على الدول الأكبر منها حجما من حيث جودة خدماتها والناتج الإبداعي لسكانها (بدليل نيل سويسرا 27 جائزة، والسويد 30 جائزة، وهولندا 21 جائزة من جوائز نوبل، لعدد سكان لا يزيد عن مدينة نيويورك)!!

ولهـذا السبب كنت من أكثر المتفائلين بالنتائج المستقبلية لجائزة الملك عبد العزيز للجودة منذ إنشائها (والتي رعـى خادم الحرمين الشريفين يــوم الإثنين الماضي حفل توزيع جوائزها في دورتها الخامسة).. 

فـبصرف النظر عن الجهات الفـائـزة (التي شهدت تتويج 27 منشأة) ما يهمني كمواطن هـو أنها ارتقـت فعـلا بمعايير الخدمة التي تقدمها للفرد، والمجتمع، والوطن كـكل. أثبتـت التزامها بمعايير الجـودة التي يفرضها برنامج التحول الوطني 2030 ، ونـالت بذلك اعـترافا رسميا من خلال فوزها بـجائزة تحمل اسم المؤسس.. 

أمــا الأجمل من الجـائزة نفسها ، فهو انتقال قطاعاتـنا الوطنية من مرحلة التصريحات والبيانات التنظيرية، إلى مرحلة الاحتكام لمعـايير جـودة مسـبقة ترفـع أدائها .. وترفعنا معها لمستوى "الدول النوعية" في العـالم ...

الخميس، 14 يناير 2021

فرصتك الثالثـة

 باستثناء وفـاة والدك المليونير بطريقة مفاجئة، لا يوجد شيء يدعى ثروة مفاجئة.. حتى تذاكر اليانصيب المخادعة، يـقـل احتمال فوزك بها عـن إصابتك بصاعقة رعـدية.. مرتين في اليوم.

البناء التقليدي للثروة يـبدأ بـالادخار، ثم الاستثمار، ثم استثمار الأرباح بطريقة مركبة فوق رأس المال - طبعا مع شيء من الحظ والتواجد في الظروف المناسبة.
وهذا يعني أن بناء الثروة "حتى مع الحظ والظروف المناسبة" يستغرق وقــتا طويلا.. يتراكم طبقة فوقف أخرى بحيث "في حال بدأت في سن الشباب" لـن تصبح ثريا قـبل سـن الـ40. لهذا السبب، أنصح "الموظفين في الأرض" بالتفكير في مصيرهم، ليس في سن الشباب، بــل في سن التقاعد وصعوبة عيشهم بالمستوى نفسه - خصوصا بعد 40 عاما من التضخم وتآكل المدخرات.
في الدول المتقدمة توجد "صناديق تقاعد مستقلة" هدفها صنع ثروة مناسبة لمن يصلون لسن التقاعد.. أما في مجتمعنا المحلي، فالشائع هـو التفكير في الثروة دون عمل شيء أصلا.. والأسوأ من هذا، أنك حين تحدث أحدهم عن أهمية الاستثمار "لـ20 أو 30 عاما" يستكثر المشوار - ويخبرك صراحة بأنه طريق طويل لن يسير فيه من الآن!
لا أعلم كم وصل عمرك اليوم، لكن أن تبدأ متأخرا خيرا من أن لا تبدأ أبدا.. هذه هي "فرصتك الثانية" قــبل أن تصل إلى ســن يصعب فيه الرجوع إلى الخلف.. لا يوجد أبدا سـن متأخرة للاستثمار "حتى لو بـ500 ريـال شهريا تشتري بها بضعة أسهم"، لأن الانتظار لعام إضافي يخفض من أرباحك المركبة بعـد سن التقاعد. أما في حال اقتربت أصلا من سن التقاعد، فــلا يجب أن تنسى أعضاء أسرتك ومن سيعيشون من بعدك.
هــذه هي "فرصتك الثالثة" حتى لو اشتعل الرأس شيبا وبدأت ترى ملامح والدك في المرآة.. لا يجب أن تنسى الاستثمار لمصلحة أطفالك، لأن العمر لا يزال أمامهم طويلا - ولا تريد أن يتكرر الخطأ نفسه معهم.
لا تعتذر بقلة الراتب في أي مرحلة من حـياتك، فجميعنا يـعرف أنه يتبخر قبل منتصف الشهر.. ولكن، قبل أن يحدث هذا، خصص فـور تسلمه جـزءا منه لشراء أسهم قيادية أو وحدات استثمارية ناجحة.. لا تحتاج إلى مبلغ كبير لـتطبيق الفكرة، كونك لا تعـلم كم ستعيش - وكون ابنك الصغير يملك أعواما طويلة قبل أن يحتاج إلى المال.
"فرصتك الثالثة" هي الفترة التي يكبر فيها أبناؤك، ولا توجد فرصة رابعـة بعـدها.. إن فـاتت عليك هذه المرة أيضا سـتصل إلى سن التقاعد، ليس فقط براتب يقـل عن راتبك السابق، بــل وبـأبـناء تعجز عن مساعدتهم في سن الشباب.

https://www.aleqt.com/2021/01/14/article_2012031.html

الخميس، 7 يناير 2021

طبقتك المالية

 هـناك ثلاث كلمات يمكنها تحديـد مستقبلك المالي هي: "الأصول" و"الخصوم" و"الممتلكات"...

- الأصــول: هي أملاك ومقـتنيات تـدر عليك المال (كـعقار تجاري أو أسهم ذات عـوائد).
- والخـصوم: وهي الاحتياجات والرغبات التي تـأخذ منك المال (كشراء سيارة إضافية أو القيام برحلة إلى جزر المالديف)...
- أما الأمــلاك: فليست أصولا مدرة للمال ولكنك تحتاج إلى اقتنائها لتعيش (كالمنزل الذي تسكنه والسيارة التي تحتاجها فعلا).
.. إن أردت أن تكون غنيا ركز على امتلاك الأصول، وقـلل من الخصوم، واختصر من الأملاك.. فـالأولى تضع المال في جيبك، والثانية تخرج المال من جيبك، والثالثة ترهقك ماديا.. إن كان أسلوب حياتك يتمحور حول المشتريات والاستهلاك فقط، ستظل طوال عمرك ضمن الطبقة الفقيرة والمتوسطة ــ وهاتان الطبقتان بالذات تشكلان معظم المجتمع، لأن صرف النقود، أسهل دائما من تحصيل المال.
الاستثمار في الأصول هو السر، الذي تتناقله العائلات الثرية، والجهل بأهميته هـو مشكلة العائلات الفقيرة، والحقيقة الغائبة عن العائلات المتوسطة.. في كتاب (الأب الغني والأب الفقير) يقســم روبرت كواساكي عائلات المجتمع إلى ثلاث فئات:
- العائلات الفقيرة: قد تحصل على راتب أو دخل شهري تشتري به احتياجاتها الضرورية، ولكنها لا تشتري أصولا تدر المال ولا تدخر أو تتخلص من الديون ثم تنتظر الدخل نفسه لاستهلاكه دون ادخار أو استثمار..
- العائلات المتوسطة: تستلم الراتب أو الدخل الشهري تشتري به احتياجاتها الضرورية، ولا تشتري أصولا تدر المال، ولكنها تدخـر وتسدد ديونها بانتظام ثم تعود لانتظار الدخل نفسه لاستهلاكه دون ضغوط مالية كبيرة.
- العائلات الثـرية: تحصل على المال من عدة مصادر، وتشتري احتياجاتها مثل الجميع، وتشتري أيضا أصولا إضافية تدر مزيدا من المال، وبالتالي لا تحتاج إلى الادخار أو الاستدانة كونها تستثمر بانتظام، وهكذا ترتفع مداخيلها باستمرار بفضل الأصول الجديدة والأموال، التي تعمل بالنيابة عنها.
وقد يقول البعض، ولكن كيف يمكن للعائلات الفقيرة أن تستثمر أو تشتري أصولا مدرة للمال كالعائلات الثرية؟
سـأقـدم لك جـوابيـن:
الأول: أن الأصول لا تعني بالضرورة شراء أملاك مكلفة تعجز عنها المدخرات البسيطة (فالذهب الذي كانت تشتريه أمهاتنا، والأسهم يمكنك شراؤها بأقل من 50 ريالا بمنزلة أصول ترتفع عاما بعد عام).
والثاني: أن الاستثمار، بعكس التجارة، لا يتطلب خبرة طويلة أو مزاولة مباشرة، ويمكن أن يحدث في أي ســن (فالمستثمر المعروف وارن بافيت الذي اشترى أول سهم في حياته من مصروفه المدرسي).
صحيح أن العائلات الثرية يمكنها شراء أصول أكبر وأغـلى، ولكن لكل شيء بدايــة، وأمام كل صغير عمر طويل للنمو .. وفي جميع الأحوال يا صديقي، أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبــدا..

https://www.aleqt.com/2021/01/07/article_2007491.html

الخميس، 31 ديسمبر 2020

من يكسب أثناء الخسارة؟

 ليس سـرا أن انهيار سوق الأسهم لا يعني خسارة الجميع ــ ولا يعني عدم تحقيق البعض أرباحا مجزية.. فحين انهار مثلا مؤشر السوق السعودية 2006 إلى أقـل من النصف (وهو أعظم أكبر انهيار في أسواقنا المالية) اتضح بسرعة أن هناك من حقق أرباحا ضخمة بفضل بيع استثماراتهم في المستويات العليا. أصحاب الأموال الضخمة، ومن يوجهون السوق (ومن نصفهم اختصارا بالهوامير) هـم أعظم فـئة تحقق أرباحا طائلة بعد كل فقاعة، لأنهم ببساطة من يتسبب فيها، أو على الأقـل أدرى الناس بموعد وقوعها ــ كما أثبتت فقاعة الإنترنت والرهن العقاري في أمريكا.

وبـعـد هــؤلاء، هـناك فئة أقـل تأثرا وتأثيــرا يمكنها تحقيق مكاسب متوسطة بعد كل انهيارــ أو على الأقل البقاء دون خسارة كبيرة.. هؤلاء هم المستثمرون الصغار (مثلي ومثلك) الذين يمكنهم تجاوز موجات الانهيار بفضل نفسهم الطويل وعــدم خروجهم من السوق مع أفواج الخارجين. من يستثمرون على مدى طويل قــد تنخفض أسهمهم (مؤقتا) من حيث قيمتها، ولكن ليس من حيث عددها.. يمكن تشبيههم بسيدة اشترت عشر أساور ذهبية بسعر معقول.. في حـال باعتها وقت انهيار الأسعار (ستخسر بكل تأكـيد) ولكن، في حال احتفظت بها سيظل عددها دون تغيير (عـشر أساور) تظل في حوزتها حتى ترتفع مستقبلا.. أو تعود على الأقل إلى سعرها السابق.
لا يتسع المجال لإخباركم بتجاربي الشخصية، ولكن دعوني أضرب لكم مثلا بأسهم بـنك الراجحي التي طرحت لأول مرة 1989 بسعر 100 ريـال للسهم.. من اشترى (وقت الاكتتاب) ألـف سهم بـ 100 ألف ريـال وصلت قـيمة أسهمه في 2007 (أي بعد عــــام من انهيار السوق) إلى 13 مليون ريــال.
أيضا من استثمر في البنك السعودي للاستثمار في العام نفسه (1989) وبالمبلغ نفسه وصلت قيمة أسهمه في 2007 (أي بعد عـــــام من سنة الانهيار) إلى 17.2 مليون ريــال.
وهذا يعـني أن من استثمر لأطفاله بمبلغ 100 ألف ريـال حـقق لهم خلال 18 عاما فقط (وعلى الرغم من انهيار سوق الأسهم 2006 إلى النصف) ثــروة تقدر بالملايين. وهذه الأرقام تثبت نجاعـة وصلاحية فكرة الاستثمار على مدى طويل ــ وفشل فكرة المضاربة السريعة والهرب بعـد كل انهيار صغير. الاستثمار على مدى طويل هو ما أنصح به (المستثمر المواطن)، كونه يرتفع فوق الفقاعات والانهيارات كافة، وأي خسائر محتملة على المدى القصـير.
وبناء عليه، فكر يا صديقي على مدى طويـل.. إن لم يكن من أجل تقاعدك، فمن أجل أطفالك حين يصبحون في ســن الشباب.

https://www.aleqt.com/2020/12/31/article_2002776.html

الخميس، 24 ديسمبر 2020

السبب الأول لفشل المشاريع

 السبب الأول لفشل المشاريع الناشئة

   قبل عامين كنت في رحلة من المدينة إلى الرياض. وقبل أن تقلع الطائرة حملت المضيفة "صينية" تضم كافة الصحف السعودية. عرضتها علي أولا فاعتذرت لانشغالي بتصفح تويتر. ثم عرضتها على الموجودين خلفي ولكن جميعهم اعتذروا مثلي.. تنبهت فجأة لما يحدث؛ فتركت الهاتف، والتفت أراقب المضيفة حتى مرت على كافة الركاب فـلم أر أحــدا يأخذ أي صحيفة.. بما فيهم أنا الذي يكتب فيها مقالا يوميا!!    

تأكدت حينها من حتمية اختفاء الصحف الورقية بسبب عزوف المشترين (وهجرهم) للسلعة.. لم يأخـذ أحــد أي صحيفة رغم أنهـا كانت

توزع مجانا (وهذا أولا) وأتـت بنفسها للمستهلك (وهذا ثانيا) خلال وقـت فــراغ طويـل (وهذا ثالثا) ومن مضيفة حسناء تملك ابتسامة جميلة (وإن ناسبك؛ اعتبر هذا رابعا)... 

أنا شخصيا كنت أعـتقد (قبل ذلك) أن توزيع الصحف مجانا هـو الحل الوحيد لإنقاذها.. كنت اعتقد أن الناس لاترفض أخذ شيء بالمجان الأمر الذي سيرفع معدلات توزيعها وبالتالي عـوائد الإعلانات فيها. غير أن عزوف الركاب عن أخذها (حتى بالمجـان) الغى الفكرة من رأسي، وأكد لي بأن صحفنا الورقية ستنهار لامحالة، وأنني سأستقيل قريبا من عملي فيها (وهذا ماحدث فعلا عام ٢٠١٩ حين استقلت من صحيفة الرياض)...

أدركت حينها فقط أن السبب الأول لإنهيار الأعمال التجارية هــو: عـدم حـاجة أو رغبة المستهلكين في السلعة...

في الكتاب الذي أعمل عليه حاليا أحصيت 19 سببا لإنهيار المشاريع الناشئة؛ من بينها عدم كفاية رأس المال(29%) وعدم اختيار فريق العمل المناسب(23%) وعــدم القدرة على المنافسة(19%) وارتفاع كلفة المنتج(18%)...غير أن السبب الأول يظل: عزوف الناس عن السلعة وعـدم حاجتهم إليها...

وضعته كأول سبب؛ لأنك حين تنتج سلعة لايريدها المستهلك، لن تنجح في بيعها مهما فعلت.. لن تنجح حتى لو وزعتها مجانا، أو أوصلتها لـباب الدار، أو صنعتها بإتقان.. أنــت شخصيا لن تشرب قهوة لاتحبها أو لاتريدها لمجرد أنها مجانية أو حضرت بطريقة احترافية أو قدمت بواسطة نادلة حسناء.. ستفشل حتى لـو أعلنت عنها، أو تفوقت في صنعها منافسيك، أو قدمتها في غلاف جذاب.. 

الخطأ الذي يقع فيه أصحاب المشاريع الجـديدة أنهم يقدمون منتجا (قــد يحبونه ويجيدون تحضيره) ولكن الناس؛ لا يريدونه، أو لم يحبوه بكل بساطة..

والخطأ الذي يقع فيه أصحاب المشاريع القـديمة أنهم (يستمرون) في تقديم منتج سـئم منه الناس، أو لم يعودوا يحتاجونه، أو ظهر ماهـو أفضل منه.. وهذا حال صحفنا الورقية...

القضية المهـمة؛ ليس أن تكون ماهرا في صنع المنتج بــل: هـل يرغب فيه المستهلك؟ أو يضيف إليه قـيمة جديدة؟ أو يفضله على المنتجات الشبيهة؟

تذكر دائما بأن القهوة التي لايحبها المستهلك (تظل في ابريق صاحبها) مهما اجـتهد في تحضيرها أو حاول تسويقها.. أو حتى وزعها مجانا..

الخميس، 17 ديسمبر 2020

«تعميل المال»

جميعنا يعرف أن المال (وسيلة لتداول المنافع) ولكنه أيضا يمكن أن يستخدم كـمنتج، وبضاعة، وخدمة مدرة للمال.. فـالمال مثلا هو منتج البنوك، وبضاعة المرابين، والخدمة التي يقدمها لك تجار التقسيط.. يتحـول إلى أصل مــدر للمال حين تتوقف عن استهلاكه وتبذيره، وتبدأ باستثماره أو استخدامه لشراء أصول تقـدم عوائد دورية مستقرة..
الحقيقة التي أكره قـولها هي أن البشر ينقسمون إلى فريقين، فريق يعمل لأجل المال، وآخر يعمل المال لأجلهم.
حين تصبح سيدا للمال سيعمل بالنيابة عنك، وبطريقة أفضل منك، ويكفيك عـناء التعـب وتحصيل الـرزق وضيق الوقــت..
أما حين تكون عـبـدا للـمال، ستظل في حالة مطاردة له، وانتظارا لحضوره، وتعيش حياة شحيحة بسبب طبيعته الغالية والعـزيزة..
حين تعمل من أجل المال (ومـن لا يفعل ذلك؟!) تصبح مغلوبا على أمرك وتستقطع من صحتك وأوقات فراغك مالا يمكنك تعويضه ــ وكلاهما نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس كما جاء في الحديث الشريف.. ولكن حين تسخر المال ليعمل من أجلك، وبدلا منك، تحقق عوائد مالية أكبر ــ وفي الوقت نفسه تملك وقتا أطوال للاستمتاع بحياتك والاهتمام بعائلتك.. وتتقاعد في سن الشباب!!
"تـعميل المال" مصطلح لا تجده في القاموس ويأتي على وزن (تـفـعـيل) وجعل الشيء يعمل لمصلحتنا ــ كـتفعيل النظام الجديد في هاتفك القديم.. والطريقة الوحيدة لــ"تعميل المال" هي استثماره وتنميته وادخاره بنية شراء الأصول المدرة لــه.. أكبر أكذوبة نعلمها لأطفالنا هي أن الثراء وكسب المال يتطلب قدرا كبيرا من العمل والتعب والعمل المرهق. لـو كانت هذه النصيحة (صحيحة) لكان عامل البناء أغنى من جيف بيزوس، وعامل النظافة أغنى من بيل جيتس، وعمال المناجم أكثر ثراء من الموجودين كافة في قائمة فوربس لأغنى أغنياء العالم..
الحقيقة التي لا يعرفها معظم الناس، أن ما يصنع الثروة ويزيد الدخـل (ليس العمل المرهق) بــل الصفقات الذكية، والاستثمار المنتظم، وتسخير المال لجلب المال.. ما يجب أن تفهمه جيدا أن الأثرياء لا يعملون بأنفسهم (مثل بقية الخلق) لأنهم اكتشفوا (دون بقية الخلق) كيفية تعميل المال وجعله يعـمل بالنيابة عنهم...
وهذا بالضبط ما عـناه وارن بافيت حين قال: إن "لم تجد وسيلة لجعل المال يعمل عـنك وأنت نائم، ستضطر للعمل طـوال حياتك".


https://www.aleqt.com/2020/12/17/article_1993391.html

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...