الخميس، 12 ديسمبر 2019

العالم يهدر طعامه


رغم أن عدد البشر ارتفع من 300 مليون نسمة (زمن المسيح عليه السلام) إلى سبعة بلايين إنسان هذه الأيام، نتمتع اليوم برفاهية عيش وتخمة إنتاج لم يشهدها أي إنسان في التاريخ.. أصبح من الصعب (هذه الأيام) تصور حدوث مجاعات تبيد القرى والبلدات كما كان يحدث في العصور القديمة، وأصبحت التخمة والبدانة (لا الفقر والمجاعة) هي المشكلة الغالبة هذه الأيام في معظم الدول.

صحيح أن عالم اليوم مايزال يتضمن جياعاً وفقراء لا يجدون قوت يومهم؛ ولكن نسبتهم القليلة يمكن حلها في حال تخلص بقية البشر من هوايتهم الجديدة (رمي ثلث أطعمتهم في الزبالة).

فحسب وزراء الزراعة في مجموعة العشرين (التي عقدت اجتماعها في اسطنبول في مايو المنصرم) هناك 800 مليون جائع حول العالم مقابل 30% نسبة الطعام المهدر في الدول الثرية.. وهذا يعني أن الطعام المهدر عالمياً يكفي جياع العالم أكثر من مرتين ونصف بدون حتى الاستقطاع من محاصيل المواشي.

ويحصل الهدر غالباً إما لسوء التخزين والنقل (في الدول الفقيرة) أو بسبب الرفاهية ورغد العيش (في الدول الغنية) أو بسبب الإسراف وسوء التقدير (في الدول العربية غالباً).. وفي الإجمال يشكل الطعام المهدر قدراً كبيراً من النفايات الصلبة في جميع المجتمعات (وإن تفاوتت النسب) الأمر الذي يؤكد نوعاً من عدم الوعي وسوء التوزيع.

ورغم أن أميركا وأوروبا تنتجان ثلاثة أضعاف حاجتهما من الطعام إلا أن ثلثه يهدر خلال عمليات التحضير بين المزرعة والطبق، والثلث الباقي يحول لإطعام المواشي المنتجة للحوم.. ويقدر أن مابين 20% إلى40% من الفواكه في أوروبا وأميركا تُرفض حتى قبل دخولها المتاجر كونها لا تتطابق من حيث الحجم واللون والمظهر مع شروطها الخاصة بإغراء الزبائن (فالطماطم مثلاً يجب أن تتمتع بلون أحمر داكن وأن لا تقل عن حجم معين وأن تملك ورقتين خضراوين في رأسها).. أما في البحر فيتم التخلص من40 إلى 60% من الأسماك التي يتم اصطيادها إما لأنها غير مناسبة في نوعها أو حجمها أو حاجة السوق لها الأمر الذي تسبب جدياً في إفراغ بعض البحار من كائناتها.

والمحزن أكثر أن الطعام المهدر يتسبب في هدر موارد مهمة أخرى.. فالطعام المهدر مثلاً يتسبب في هدر كميات كبيرة من المياه (المستعملة في زراعته) ويمكنها تلبية احتياجات 9 بلايين إنسان.. وما يتم إطعامه لكل بقرة في العام يمكنه إطعام 300 إنسان. وكل سعر حراري يتم إهداره (من الطعام) يكون هناك سبع سعرات حرارية استهلكت لإنتاجه.. كما يمثل الطعام المهدر هدراً في إنتاج الطاقة والجهد والمال واستغلال موارد الأرض (فربع الرغيف الذي ترميه بلا تردد يتطلب سقيا القمح بالماء، وجهد المزارعين في الحقل، ودفع أجور عمال النقل والتخزين والطحن والخبز حتى يصل لمائدتك).

واليوم ظهر في الدول المتقدمة نوع من الوعي بهذه المشكلة فسنت قوانين تمنع المطاعم من رمي أكثر من نسبة معينة من الأكل، وفرضت غرامات على المنازل التي يزيد فائض نفاياتها عن حد معين، وأقرت ضرائب على اللحوم والأطعمة المنتقاة بعناية، وتحاول تشجيع الناس على شراء الأنواع الأقل جودة ومظهراً من بقية الخضروات والفواكه.

ومن خلال تتبع أرقام النمو الاقتصادي (لدى جميع الشعوب) يتضح أن الإسراف يترافق دائماً مع رفاهية العيش وارتفاع الدخل (الذي يترافق بدوره مع استهلاك اللحوم التي تستهلك قدراً أكبر من الماء والمحاصيل).. وعلى الطرف الآخر تعاني المجتمعات الفقيرة من ذات المشكلة ولكن بسبب عدم الكفاءة في استخلاص ونقل وتبريد وتخزين الطعام ذاته.

وفي ظل نمونا المتزايد، وإسرافنا الدائم، بدأت أتساءل عن تاريخ وصول الأرض لسن التقاعد.

هل للزومبي ودراكولا أصل طبي؟


شخصية (دراكولا) استعيرت حتى الملل في روايات الرعب وأفلام السينما، ولكنها في الأصل اقتبست من شخصية حقيقية لقائد روماني يدعى (فلادير دراكيول) دحر العثمانيين عام 1456 واشتهر بشرب دماء الأسرى في حفلات ماجنة.. واليوم اتضح أنها حالة قد تحدث فعلا حين يجتمع الاضطراب النفسي مع نقص حاد في كريات الدم الحمراء الأمر الذي يجعله ميالا لشرب الدماء وتهربه من ضوء الشمس (كما يفعل دراكولا) بسبب لونه الشاحب!

وحالة دراكولا مجرد مثال ونموذج لتصرفات غريبة أو شاذة تعود في أصلها الى أمراض حقيقية لم يسمع فيها معظمنا..

خذ كمثال حالة نفسجسدية تدعى بايكا تدفع المرء لتناول أشياء غريبة وغير معتادة تتراوح بين العقارب والصراصير والعناكب وآخرين يأكلون الزجاج والخشب والمعادن و"الزلط".. ومعظم المصابين بهذا الدافع يدركون تميزهم ويستغلون موهبتهم لتقديم عروض جماهيرية مربحة لا تتضمن خدعا من أي نوع.. والغريب أنهم لا يصابون بأذى جراء تناولهم المخلوقات السامة - أو الأجسام الحادة التي يعودون لإخراجها بالطريقة المعتادة..

أيضا هناك سندروم نادر يصيب الجهاز العصبي فيؤثر في حركات وتصرفات الانسان ويجعله يسير بطريقة آلية غريبة.. فبسبب تآكل بعض نهايات الأعصاب لاتصل أوامر الدماغ بالشكل المطلوب فيسير المرء ويتصرف كالرجل الآلي أو الزومبي (الجثث المتحركة) التي نراها في أفلام الرعب.. وقد يصل الضرر الى عضلات اللسان وحبال الحنجرة فتتغير نبرة أو لهجة الانسان ويظنه البعض يتحدث بلغة جديدة أو أن جنيا عاطلا عن العمل دخل فيه!

... ومن جهة أخرى سمع معظمنا أو قرأ عن انجازات شخصية غريبة دخلت كتاب جينيس للأرقام القياسية؛ فهذا يأكل ثلاثين دجاجة في جلسة واحدة، وذاك يشرب 10 جالونات ماء في اليوم، وتلك تأكل قطعا بلاستيكية وكاسات زجاجية.. ولكن ما لا يعرفه معظمنا أن أغلب هذه الانجازات مبنية على ميول فسيولوجية أو أمراض نادرة لم يسمع بها اكثر الأطباء فضلا عن عامة الناس!

فالسهاف مثلا مرض يسبب العطش الشديد بحيث يضطر المريض لشرب الماء بشكل دائم ومستمر؛ ويعتبر الشاب "فاني مير" من جوهانسبيرج أوضح مثال لهذا المرض. فخلال النهار فقط يشرب عشرين غالونا من الماء لإطفاء عطشه الدائم. اما السويدية "هلغا اندرسون" فشربت ما مجموعه (87600) غالون من المياه بين عامي 1922 1971 (بمعدل خمسة غالونات فى اليوم) !

وفي المقابل هناك مرض "الصنور" او الشره الكبير للطعام.. وهذا المرض ليس ناجما عن شهوة ورغبة في الأكل بقدر ما هو عجز الجهاز الهضمي عن تمثيل الغذاء بشكل كامل؛ فالمصاب بهذا المرض يضطر لأكل "الكثير الكثير" كي يستخلص "القليل القليل" الأمر الذي يجعل معظم المصابين فى حالة نحف دائم.

وأول حالة معروفة كانت للطفل ماتيو داكنج الذي عاش عام 1743 وفاقت كمية طعامه اليومي (24) كلغم ولم يتجاوز التاسعة من عمره . اما أشهر حالة معاصرة فهو الاميركى "ادوارد ابراهام" الذي عرف بمشاركاته في مسابقات التخمة والأكل المفرط - ودخل كتاب جينيس من هذا الباب..

الحقيقة هي أن هناك أمراضا ليست فقط استثنائية ونادرة (لدرجة قد يتخرج الطبيب ويتقاعد دون أن يراها أو يسمع بها) بل وقد تفسر تصرفات غريبة وشخصيات شاذة كنا نعدها خيالية أو لا توجد إلا في عالم السينما.. وخذ دراكولا والزومبي كمثال.

لن ينضب النفط قبل مناجم النحاس


لو عرضتَ هذا المقال على خبير في أرامكو لابتسم وقال لك الجملة الشهيرة: "من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب"..

غير أنني كتبت هذا المقال بعد اطلاعي على تصريح رئيس أبحاث الأوبك عمر عبدالحميد (لمجلة سيمنز الألمانية في الاسبوع الماضي) والذي أكد فيه أن انتهاء النفط ليس وشيكا وسيستمر في التدفق لفترة طويلة.. فالعالم استهلك في عام 2014 أكثر من 91 مليون برميل يوميا، وسيستمر الطلب عليه حتى يصل الى 111 مليون برميل يوميا في عام 2040 (وهذا يعني أن العالم سيستهلك في المتوسط 100 مليون برميل يوميا طوال الخمسة والعشرين عاما القادمة)..

وإذا أضفنا لهذه الأرقام استهلاك العالم من النفط في المئتي عام الماضية..

وإذا علمنا أن مخزونات النفط لم تتراجع منذ ذلك الحين (بل ارتفعت بفضل اكتشاف حقول جديدة) يحق لنا طرح السؤال الكبير:
من أين إذاً تأتي كل هذه الكميات المهولة من النفط الخام؟

خبير النفط سيقول بلا تردد: من بقايا المخلوقات العضوية القديمة..

أما المشككون مثلي فيقولون: كم قطيعاً من الديناصورات نحتاج لتكوين حقل نفطي هائل؟

فالتفسير المعتمد حاليا هو ان النفط تكون من البقايا العضوية للكائنات الحية. فحين تموت الحيوانات تهبط بقاياها الى أعماق البحر (أو المستنقعات الضحلة) فتغطيها طبقات جيولوجية أخرى.

وكلما ترسبت اكثر زاد فوقها الضغط وتعرضت لحرارة اكبر. وبعد ملايين السنين تتحول البقايا العضوية الى مادة شمعية تتحول بفعل الحرارة والضغط الى غاز ونفط!!

.. أما كيف عرف العلماء ان النفط يعود في أصوله الى بقايا عضوية؟ فهذا بسبب احتوائه على سلاسل كربونية لاتوجد في غير الكائنات الحية (وأعترف مقدما أنه دليل يصعب نقضه)!

ولكن؛ في المقابل هناك ثغرات عديدة في هذه الفرضية لايمكن تجاهلها.. فعلى سبيل المثال:

معظم الحقول النفطية تفتقر الى أحافير تثبت ظهور الحياة فيها في الأزمنة القديمة..

حقول النفط في كل منطقة تتميز عن غيرها في المناطق الأخرى (بحيث يمكن تمييز نفط السعودية عن فنزويلا، ونفط الصين عن بحر الشمال)..

وما الذي يجعل الحياة القديمة تتركز في بؤر نفطية معينة وقليلة دون غيرها (بحيث توجد في الربع الخالي وصحراء ليبيا ولا توجد في أفريقيا أو الأمازون مثلا)!

وهناك بالفعل نوع من النفط النادر (يستخرج غالبا من أعماق بعيدة جدا) لا يضم أي اثر كربوني عضوي ما يثير التساؤل عن أصله الحقيقي..

أضف لذلك تتشكل مكامن النفط غالبا على شكل خطوط او اقواس أو تعرجات ما يدعونا للتساؤل: هل تترسب الحيوانات عمدا بهذا الشكل الغريب!؟

أما خامسا فهو ان الخامات النفطية اكتشفت فى النيازك وكواكب المجموعة الشمسية (حيث لم تظهر الحياة أصلا) ناهيك عن إمكانية استخراجه هذه الأيام من صخور شبه صماء (النفط الصخري)!

.. والحقيقة هي أنه قبل اعتماد الفرضية الحديثة (القائلة بالأصل العضوي للنفط) كانت هناك فرضية قديمة تقول ان النفط الخام هو من المكونات الأساسية للكوكب.. بمعنى ان النفط مثل الزئبق والنحاس والذهب مادة تشكلت مع تشكل الأرض ثم صعدت من أعماقها السحيقة بفضل هيئتها السائلة. ولكن هذه الفرضية تم تجاهلها لاحقا بعد اكتشاف المركبات الكربونية في النفط واقتناع معظم العلماء بأصله العضوي..

ورغم اعترافي مجددا بصعوبة دحض الدليل الكربوني في المكون النفطي، إلا أن هناك احتمالات كثيرة لسبب تواجده فيها.. فهناك مثلا احتمال تسرب الآثار العضوية للحقول النفطية.. وهناك احتمال تشكل سلاسل كربونية داخلها تشبه الموجودة في الكائنات الحية (ولكن بطريقة غير مفهومة الى الآن).. وهناك أيضا احتمال بوجود نوعين من النفط الأول عضوي فعلا والثاني تلوث عضويا خلال ملايين السنين من عمر الأرض (فتم تعميم الأصل العضوي على الجميع)!

... أنا شخصيا على قناعة بأن النفط لن ينضب قبل مناجم النحاس والفضة في العالم..

السؤال الذي يقلقني فعلا (ليس متى ينضب النفط؟) بل متى يستغني العالم عن النفط لصالح موارد أكثر فعالية وتلويثا للبيئة...

الشعب الذي تحرر بالغناء


حتى سنوات قليلة مضت لم نكن نسمع بدول البلطيق الصغيرة أستونيا ولاتفيا وليتوانيا.. والسبب الحقيقي أنها كانت دائما محتلة إما من السويديين أو الروس أو الألمان أو الروس مجددا منذ الحرب العالمية الثانية..

خذ كمثال أستونيا التي لم تنعم بأي فترة استقلال تزيد على (العام) قبل الحرب العالمية الثانية.. وتعيش حاليا أطول فترة استقلال في تاريخها كله (24 سنة فقط) منذ تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991

وكنت شخصيا قد زرت هذه الدول في أبريل الماضي ضمن رحلة طويلة بدأت في موسكو وانتهت في غرب النرويج..

واستونيا بالذات دولة صغيرة هادئة تشتهر بأربعة أشياء غير متوقعة:

الأول اختراعها برنامج السكايبي Skype .. والثاني امتلاكها أكبر نسبة من عدم المتدينين في العالم.. والثالث عاصمتها تالين التي مازالت تحتفظ بطابع القرون الوسطى (وتعد المعلم السياحي الأول فيها) أما الرابع فهو طريقتها الفريدة في التحرر من الاحتلال السوفياتي بواسطة.. الغناء..

فالشعب الأستوني مسالم بطبيعته ولا يزيد عدده على 1,3 مليون نسمه (ربعهم من المهاجرين الروس) ولم يملك جيشا يسمح بصد الاحتلال الروسي عام 1940 أو الألماني عام 1941 أو الروسي الثاني عام 1944..

وحين بدأ جورباتشوف (آخر رئيس للاتحاد السوفياتي) يتحدث عن عدم شرعية احتلال بلاده لدول البلطيق أدرك الشعب الأستوني أن فرصته حانت للمطالبة باستقلال بلاده عن موسكو. ولأنهم لا يملكون جيشا نظاميا.. ولأنهم يملكون في المقابل أعدادا هائلة من الأغاني الوطنية والفلكلورية؛ تجمّع معظمهم في ضواحي تالين للغناء بصوت واحد أمام قطعان الجيش الروسي (منذ عام1987 وحتى 1991) حتى حرروا بلادهم.. كانت إستراتيجيتهم بسيطة وتعتمد على الوقوف بصرامة في وجه الجنود الروس دون التوقف عن غناء الأغاني الوطنية المحرمة عليهم.. ثم طوروا هذه الإستراتيجية بحيث كانوا يتقدمون ببطء، ودون عنف، أمام الجنود الروس الأمر الذي لفت انتباه التلفزيونات العالمية وجعل السلطات الروسية تتحرج من الرد عليهم بطريقة علنية.. وحين زحفت الدبابات الروسية أمام الجماهير عام 1991 شكلوا سلسلة بشرية (من خلال شبك الأيادي) امتدت حتى وصلت الى لاتفيا وليتوانيا المجاورتين وما تزال مذكورة في كتاب جينيس كأطول سلسلة بشرية في التاريخ..

وكنتُ شخصيا (قبل القيام برحلتي الأخيرة) قد قرأت الكثير عن الدول التي سأزورها.. وحين قرأت عن أستونيا سمعت لأول مرة عن "الثورة الغنائية" وشاهدت فيلما وثائقيا عنها يحمل نفس الاسم.. وحين وصلت اليها فعلا (عن طريق البحر قادما من فنلندا) شاهت خارج تالين ساحة تتسع لنصف مليون شخص يعقد فيها اليوم مهرجان سنوي للأغاني العالمية تخليدا لهذه المناسبة..

الطريف أن الشعب الأستوني لا يتردد في التهكم على نفسه ويقول "لو كنا نجيد الغناء فعلا لما هرب الروس من بلادنا" .. أما ما يغيظهم فعلا فهو أن الصينيين (الذين لا تخفى عليكم مهارتهم في تقليد كل شيء) يفوزون دائما بجوائز الأداء الجميل من خلال الأغاني الأستونية ذاتها..

.. والآن؛ افتح محرك اليوتيوب وأدخل فيه هذه الجملة The Singing Revolution لتشاهد كيف حرر الأستونيون بلادهم دون إراقة قطرة دم واحدة!

دوبونت وبوش


حين فكرتُ بالحديث عن أقوى العائلات في العالم لم أتصور أن يمتد الفكر الى ثلاثة أجزاء.. فرغم أنني وضعت لنفسي شرطين للاختيار فقط.. ورغم علمي بأن معظمها سيقتصر على عائلات يهودية (أميركية الجنسية أوروبية الأصل) ظلت مساحة الزاوية أقصر من أن تستوعب الجميع..

وكنت في آخر مقالين قد تحدثت عن النفوذ العالمي لثلاث عائلات هي روتشيلد ومورجان وروكفلر في حين سيقتصر مقال اليوم على عائلتين فقط..

العائلة الأولى هي دوبونت التي بدأ نفوذها عام 1802 حين أنشأ رينيه دوبونت مصنعا ضخما للبارود.. وخلال سنوات قليلة أصبحت المزود الرئيسي لذخيرة الجيش الأميركي، ثم تولت بالنيابة عن الحكومة الأميركية التفاوض مع نابليون لشراء ولاية لويزيانا من فرنسا.. وبحلول الحرب العالمية الأولى كانت مسؤولة عن صنع 40% من القنابل والذخيرة التي تستعملها الأطراف المتحاربة.. وخلال الحرب العالمية الثانية تحملت مسؤولية توفير مادة البلوتونيوم لإنتاج القنابل النووية الأميركية.. وهذه الأيام تمتلك عائلة دوبونت عددا كبيرا من البنوك والمصانع وتعد أكبر منتج للبذور الإستراتيجية في العالم (بل وتملك مشروع يوم القيامة الذي يخزن أفضل البذور الحية لإعادة نشرها بعد انتهاء أي كارثة نووية)!!

أما العائلة الثانية -في مقال اليوم- فمعروفة لمعظمنا تقريبا..

ففي عام 1895 ولد بريسكوت شيلدون بوش مؤسس عائلة بوش ذات التأثير السياسي القوي في أميركا. وفي عام 1933 حاول القيام بانقلاب سياسي على الرئيس روزفلت بدعم من روكفلر ومورجان ودوبونت (الذين كانوا يتخوفون من رفض روزفلت دخول الحرب العالمية الثانية وضياع فرصة تمويلها).. ولكن.. بفضل نفوذه السياسي نجا من فعلته واهتم بتنمية استثماراته في مجال النفط وإدارة بنك الاتحاد العمالي - ومازالت عائلته تملك استثمارات هائلة في شركات النفط والطاقة والأسلحة..

وبعد توليهما منصب الرئاسة في ولاية تكساس نجح جورج بوش (ابن بريسكوت بوش) وحفيده (دبليو بوش) في الوصول لمنصب الرئاسة واستغلال أزماتها الدولية لاحتلال افغانستان والعراق لصالح شركات النفط والأسلحة والتموين - وهذه الأيام يستعد الحفيد الثاني جيب بوش (حاكم ولاية فلوريدا) لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة!!

بقي أن أشير الى أن اختياري لجميع العائلات (في هذا المقال والمقالين السابقين) تم وفق شرطين أساسيين هما:

امتداد نفوذ العائلة الى خارج نطاق بلدها الأصلي وتأثيرها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على العالم اجمع..

والثاني أن يكون هذا التأثير مستمرا وقائما حتى اليوم ولم يدخل بعد كتب التاريخ (ولهذا السبب لم أتحدث مثلا عن عائلة رومانوف في روسيا، أو هابسبيرج في النمسا، أو غاندي في الهند، أو حتى سلالة مينج في الصين)!!

.. وحين تتأمل مسيرة هذه العائلات القوية تلاحظ ثلاث حقائق أزلية:

الأولى حتمية وجودها في (كل مجتمع) وتحكّمها بشؤون الاقتصاد والسياسة وتأثيرها على حياة الناس رغم عددها الضئيل نسبيا..

والثانية: أن هذه العائلات أطول عمرا وأعمق تأثيرا من أي شخصية فردية (مهما بلغ ثراؤها ونفوذها)..

والثالثة: أن هذه العائلات مسؤولة عن تخريج معظم الأثرياء ورجال المال المعروفين في أي بلد - بدليل اشتراك أعداد كبيرة منهم ب"اسم العائلة" سواء في أميركا أو اليابان أو حتى في العالم العربي..

روكفلر ومورجان


تحدثت في آخر مقال عن فكرة وجود عائلات عريقة ينحدر منها معظم الأثرياء والمتنفذين في أي مجتمع.. ونبهت حينها أن عائلات كهذه أكثر نفوذاً من الأفراد (مهما بلغ ثراؤهم ومركزهم السياسي) كون "العائلة" أطول عمراً، وأكثر تغلغلاً، وأبعد نظراً، وتخطط لاستمرار نفوذ سلالتها التالية.. وضربت حينها مثلاً بعائلة والتون (أغنى عائلة في أميركا) التي عرفت دائماً بمساندتها للحزب الجمهوري وحماية مصالحها من خلاله، وعائلة بوش التي عرفت برعايتها لمصالح شركات النفط والأسلحة.. وختمت المقال بعائلة روتشيلد التي تمتد جذورها إلى القرن السادس عشر ولعبت دور الممول لكافة الحروب الأوروبية (بما في ذلك الحربان العالميتان واحتلال فلسطين).

واليوم سأستعرض معكم عائلتين جديدتين تملكان تأثيراً عالمياً قوياً من خلال استثماراتها وعلاقاتها القوية مع أصحاب النفوذ حول العالم.

الأولى هي عائلة روكفلر التي ظهرت فعلياً عام 1870 حين أسس جون روكفلر شركة ستاندرد أول للتنقيب عن النفط. وبحلول عام 1879 تمكن من السيطرة على نحو 90% من صناعة النفط في أميركا وتحول بسرعة إلى أغنى رجل في التاريخ بثروة فاقت 400 مليار دولار (علماً أن أغنى رجل هذه الأيام لم تزد ثروته عن 90 مليار دولار).

ولم يقتصر نفوذ روكفلر على المال وحده بل سيطر أيضاً على إمدادات الطاقة وتدفق النقود والتحكم بالبورصة الأميركية.. ومن خلال هذه العناصر تمكن من التحكم بالانتخابات وقوى الضغط في واشنطن وتحويل السياسة الخارجية إلى حيث مصالحه الاقتصادية (لدرجة اشتكى الرئيس ثيودر روزفلت علناً من أن نفوذ روكفلر خلق حكومة ظل أقوى من حكومته الرسمية).

غير أن سيطرة روكفلر على صناعة النفط الأميركية تسببت عام1911 في تفكيك شركة "ستاندرد" إلى 34 شركة نفطية بقرار من المحكمة العليا الأميركية.. مع هذا ماتزال هذه الشركات بالذات محور صناعة النفط الأميركية وتملك تأثيراً قوياً على إمدادات الطاقة في العالم بل ولعبت دوراً في خلق اقتصاديات النفط التي تنعم بها دول الخليج حتى يومنا هذا (حيث تأسست شركة أرامكو مثلاً كفروع لبعضها قبل أن تستحوذ عليها الحكومة السعودية بالكامل عام 1988)!!

... أما العائلة الثانية فهي عائلة مورجان التي تعاونت مع أسرة روتشيلد (وكلتاهما من أصول ألمانية يهودية) لإقراض الحكومة الأميركية كميات كبيرة من الذهب لمواجهة الانهيار الذي واجهته عام1893.. ومن خلال سيطرتها على المصارف ومناجم الذهب ساهمت في تأسيس شركات عظيمة مثل جنرال الكتريك، والصلب الأميركية، والاتصالات الوطنية T@T.. وخلال الحرب العالمية الأولى ضغطت على الحكومة الأميركية لدخول الحرب لحماية قروضها الممنوحة لفرنسا وروسيا واستحوذت على نسبة 1% كفوائد من الأموال التي أقرضتها للجيش الأميركي.. أضف لهذا يتهمها كثير من المؤرخين بلعب دور خفي في ترتيب الهجوم الياباني على بيرل هاربر لحث الحكومة الأميركية على دخول الحرب ضد اليابان وطلب قروض التمويل من البنوك التابعة لها.

وحتى يومنا هذا مازالت عائلة مورجان تمتلك أكبر بنوك أميركا "تشيزمانهاتن" وأكبر احتياطي خاص من الذهب الخام في العالم.

عائلات تدير العالم


مقالنا اليوم لا يتعلق بالأفراد بل بالعائلات التي ينحدر منها الأثرياء والمتنفذون الذين يديرون العالم.

ففي كل قائمة سنوية (تنشرها مجلة فوربس لأغنياء العالم) تلاحظ وجود أسماء ثابتة لعائلات عريقة سواء في السعودية أو دول العالم.

والعائلات الثرية في أي مجتمع لها تأثير على اقتصاد وسياسة البلد أكثر من "الأفراد" مهما بلغت ثرواتهم.. خذ كمثال عائلة والتون (أغنى عائلة في أميركا) التي عرفت دائما بمساندتها للحزب الجمهوري وحماية مصالحها من خلاله.. وخذ كمثال آخر عائلة بوش التي عرفت برعايتها لمصالح شركات النفط والأسلحة (ويعود نفوذها الى أيام بريسكوت بوش المولود عام 1895).. وحين تقارن عائلات كهذه بأفراد أغنياء (مثل بيل جيتس أو وارن بافيت) تكتشف أن العائلة أطول عمرا، وأكثر تغلغلا، وأبعد نظرا، وتخطط لاستمرار نفوذها من خلال سلالتها التالية.

وما جعلني أفكر بكتابة هذا المقال هو سماعي لأحد المحللين في محطة بلومبيرج يقول بأن "سبعة من أغنى 12 رجلا في أميركا تنتهي أسماؤهم العائلية بوالتون وكوتش وويلسون".. وحسب تصوري هذه ظاهرة تتكرر في كل بلد حيث تجد دائما "بضع" عائلات تتحكم بمفاصل الاقتصاد، وينحدر منها أثرياء يحملون نفس الإسم العائلي.

وفي حال خرجنا عن نطاق الدول نكتشف وجود عائلات (عابرة للقارات) يمتد نفوذها الى العالم أجمع.. وحسب علمي معظم هذه العائلات أوروبية الأصل تعملقت في عصر النهضة الصناعية وازدهرت مع ازدهار الولايات المتحدة الأميركية..

خذ كمثال عائلة روتشيلد التي طالما سيطرت على مقدرات السياسة في أوروبا والعالم أجمع.. ومؤسس هذه العائلة هو المصرفي الألماني آمشل ماير الذي اجتمع باثني عشر من كبار رجال المصارف اليهود في فرانكفورت وشرح لهم خطته بالسيطرة على ثروات العالم.. وكان أهم عنصر في خطته هو السيطرة على مقدرات الأمم بإشعال الحروب وبيع السلاح ثم جني الأرباح من خلال التعويضات وإعمار ما خلفته الحروب (ويقال إن بروتوكولات حكماء صهيون ظهرت من خلال هذه الاجتماعات)..

وكان آمشل ماير (1744-1812) قد درب أبناءه الخمسة على فنون المال والتمويل فأرسل ابنه ناثان إلى إنجلترا ليسيطر على مقدراتها الاقتصادية وسولومون إلى النمسا وشارل إلى ايطاليا وجيمس إلى فرنسا وبقي انسلم في ألمانيا.

وسرعان ما اصبح هؤلاء الخمسة سادة المال والذهب وأسباب الحرب والثورات في أوروبا ثم خلفهم أحفادهم وأعوانهم في تلك السيادة إلى يومنا هذا (وكان لعائلة روتشيلد دور كبير في الحصول على وعد بلفور وقدموا أموالا لا يمكن حصرها لشراء أراضي العرب في فلسطين).

وبفضل سيطرة آل روتشيلد على المصارف العالمية تمكنوا من تمويل الأطراف المتقاتلة في الحربين العالميتين والوصول بالنازيين الى برلين والبلاشفة إلى الكرملين.. وبعد التهام أوروبا بدأوا بالالتفات لثروات المستعمرات الأميركية المزدهرة.. وبفضل نفوذ ناثان في الحكومة البريطانية استطاع اختراق المصارف النامية في أميركا والضغط لإنشاء البنك الفيدرالي الأميركي (الذي يعد في حقيقته شركة مساهمة لا يُعرف ملاكها الأصليون)!!

ومع مرور الوقت أصبح لآل روتشيلد وكلاء من العائلات المالية التي تتحكم بالحكومات الأوروبية المنتخبة؛ فقد كان يمثلهم في روسيا مثلا آل نمينزبرغ وفي أسكندنافيا آل وينتشتين وفي ألمانيا آل وربرج بليشريدر.. وحتى يومنا هذا مايزال نفوذ عائلة روتشيلد يحرك سياسة العالم (دون أن يظهروا في الواجهة) من خلال البنك الدولي والبنك الفيدرالي وممولين عالميين يعود معظمهم لعائلات يهودية ألمانية الأصل!

.. وحتى موعد مقالنا القادم افتح ويكيبيديا واقرأ المزيد عن "عائلة روتشيلد".

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...