الثلاثاء، 24 سبتمبر 2019

أحدث منتج يدعى «كورونا»


في يونيو 2002 نجح العلماء في جامعة نيويورك في بناء أول فيروس مُصنع في التاريخ. وهو فيروس خطير جداً (يدعى (Poliovirus يمكنه أن يصيب بالشلل آلاف الضحايا ويقتلهم من خلال نشره في الهواء.. والأخطر من صنع الفيروس أن رئيس الفريق (ايكارد ويمر) صنعه بموارد بسيطة وإمكانيات متوفرة ومعلومات استخرجها من الانترنت - للفت الانتباه على حد قوله إلى قدرة "المنظمات الإرهابية" على بناء فيروس قاتل!!

وما يشغل بالي حالياً هو احتمال ظهور فيروسات مصنعة لا نعرف أنها "مُصنعة" أصلاً.. فالسرعة الكبيرة لظهور الفيروسات في العقود الأخيرة أصبحت تثير القلق والتساؤل فعلاً.. فمنذ ظهور فيروس الإيدز والسارس، إلى أنفلونزا الطيور والخنازير؛ وانتهاء بفيروس الكورونا، لم يتساءل معظمنا: أين كانت هذه الفيروسات من قبل؟.. صحيح ان للفيروسات قدرة على التحور والتكيف وخلق أمراض جديدة؛ ولكن السؤال يظل قائماً حول قدرة البشر على صنعها بهذا الشكل وإجبارها على اتخاذ هذا المنحى..

خذ كمثال أول فيروس في القائمة HIV المسبب لمرض الإيدز.. فهناك كتاب يدعى "الفيروسات الوليدة" للدكتور ليونارد هيروتز يؤكد فيه استحالة ظهور الإيدز بطريقة طبيعية وأنه فيروس محور لمرض قديم كان ينتشر بين القردة فقط.. وهناك كتاب آخر بعنوان "الحصان الشاحب" لخبير الفيروسات الأمريكي وليام كوبر يدعي فيه أن فيروس الأيدز صنع عمداً للحد من تناسل الدول الفقيرة. ويقول إن الفيروس اأدخل إلى افريقيا في السبعينات من خلال صناديق اللقاحات وأن الولايات المتحدة تملك القدرة على إنتاج المصل الشافي ولكنها ببساطة لا تهتم بذلك.

ورغم أن الفكرة تبدو تآمرية بعض الشيء إلا أن فيروس الإيدز لم يكن موجوداً في إفريقيا حتى 1977 (رغم انها موطن القردة الخضراء أصل الفيروس).. لم ينتشر فيها المرض فجأة إلا بعد حملات التطعيم التي قامت بها المنظمات العالمية ضد أمراض أخرى (كالشلل والتهاب الكبد الوبائي) وأصبح حالياً سبب الوفاة الأول فيها.. وكانت وزيرة الصحة في جنوب افريقيا قد اتهمت الغرب صراحة (في عام 2001) بمحاولة إبادة القارة السوداء عن طريق تصنيع فيروس الإيدز ومنع إنتاج لقاحات خاصة به - في حين تبيع الأدوية المخفضة لآثاره بأثمان تفوق قدرة الشعوب الفقيرة!

.. أما بخصوص الفيروس الأخير MERS-CoV المسبب للكورونا فقد تم اكتشافه في 24 سبتمبر 2012 عن طريق الدكتور المصري محمد علي زكريا (الذي كان يعمل في مستشفى سليمان فقية في جدة وعزل الفيروس من رجل متوفى).

ورغم أن أحداً لم يتهم بتصنيع الفيروس إلا أن مصدره لا يخرج عن كونه إما فيروس قديم حدثت فيه طفرة تُسبب المرض الجديد، أو أنه من الفيروسات التي تصيب الحيوانات تتكيف في جسم الإنسان بحيث يصيب الكلى والجهاز التنفسي (والطفرة والتكيف حالتان يمكن فعلهما بشكل مصطنع وبطريقة لا تصعب على أي مختبر)!!

.. بدون شك، وزارة الصحة لدينا ارتكبت أخطاء كثيرة في مواجهة الكورونا من أبرزها فصل الدكتور محمد علي زكريا (الذي يعمل حالياً في جامعة عين شمس) ومنعه من العمل في السعودية بحجة أنه تجاوزها حين نشر نتائج اكتشافه في الشبكة الطبية الأوروبية ProMED-maid.

ولكن الحقيقة هي أنه أبلغها بنتائج اكتشافه (في 18 يونيو2012) وفشلت هي ليس فقط في تحديد هوية الفيروس بل وتعاملت معه على أنه "انفلونزا خنازير" الأمر الذي جعلها تخسر وقتاً مهماً.. ورجلاً يعرف أصل الحقيقة.

أنشتاين الحكيم


ألبرت أنشتاين عالم فيزياء ألماني الأصل، سويسري الجنسية، اشتهر بنظريته النسبية.. ولد لأبوين يهوديين ولكنه درس في مدرسة كاثوليكية ونشأ ربوبيا (يعترف بوجود الله ولكنه يعتقد أن الأديان اختراع بشري).

لم يُرشح لدخول الجامعة فعمل في مكتب براءات الاختراع في بازل حتى فاجأ العالم بنشر نظريته النسبية الخاصة 1905 ثم النسبية العامة 1916.. وبسبب أصله اليهودي تعرض لمضايقة الحزب النازي فهرب الى أمريكا أثناء الحرب العالمية الثانية ومات فيها عام 1955.

ورغم أن معظمنا لا يعرف شيئا عن "النسبية" إلا أن اسم أنشتاين أصبح مرادفا للذكاء والعبقرية وموازيا لنجوم السينما العالمية - بل وتحول وجهه المجعد وشعره المنفوش الى ماركة تجارية في الولايات المتحدة الأمريكية..

وفي رأيي الشخصي تجاوزت نظريته النسبية مجال الفيزياء (وظروف الزمان والمكان) وتحولت الى "مفهوم" يشمل كافة جوانب الحياة.. أصبحت "النسبية" من بعده مفهوما فلسفيا يمكن سحبه على الأفكار والمشاعر والأحداث والاعتقادات والظواهر الطبيعية بحيث لم يعد ثباتا وعصيا على التغير سوى فكرة النسبية ذاتها..

وبفضل قراءاتي القديمة عن هذا الرجل اكتشفت بالتدريج أنه (ليس فقط عالم فيزياء ورياضيات) بل وفيلسوف حكيم ينظر لأبعد من أنفه ويرتفع فوق كافة الأفكار الصغيرة..

وقبل أيام عثرت بالصدفة على مجموعة من أقواله الجميلة في موقع جامعة ستانفورد (rescomp.stanford.edu) فقررت مشاركتكم بها دون تردد.. وهي أقوال يمكنكم العثور عليها أيضا من خلال إدخال هاتين الكلمتين في محرك جوجل Einstein Quotes

.. ومن المقولات التي أعجبتني:

شيئان لا نهائيان: الكون وغباء الإنسان؛ وبالنسبة للكون مازلت غير متأكد.

المشاكل الموجودة في عالم اليوم لا تحلها عقول خلقتها.

كل علومنا التي نقيسها بالواقع بدائية وطفولية، ولكنها أثمن ما لدينا.

كل ما تخطئ فيه حساباتنا نسميه الصدفة (وأحيانا نضمه لخانة المعجزة).

سر الإبداع هو أن تعرف كيف تخفي مصادرك.

السياسة تجعلك تعيش الحاضر، أما المعادلات فتجعلك تعيش الى الأبد.

يتطلب الأمر عشرات الحمقى لجعل الأشياء أصعب وأعقد وعبقري واحد لجعلها أبسط وأسهل.

العقول المبدعة تواجه دائما معارضة من متوسطي الذكاء.

العلم ليس سوى إعادة ترتيب لتفكيرك اليومي.

يبدأ الإنسان الحياة عندما يستطيع الحياة خارج نفسه.

خلق الله الكون وفقا لقوانين لا تعترف بالمصادفة أو العشوائية.

حين تختفي النحلة سيختفي الجنس البشري (كونها مسؤولة عن تلقيح المحاصيل الغذائية).

ما يهمني أكثر من الماضي هو المستقبل، حيث إني أنوي العيش فيه.

أجمل إحساس هو الغموض، إنه مصدر الفن والعلوم.

الحقيقة هي ما يثبُت أمام امتحان التجربة.

هناك طريقتان فقط للعيش: أن ترى في كل شيء معجزة، أو لا ترى في أي شئ معجزة.

الإنسان الذي لم يخطئ لم يجرب شيئا جديداً.

الخيال أهم من المعرفة.

الحقيقة نسبية رغم إمكانية استمرارها.

السلاح الذي سنستعمله في الحرب العالمية الرابعة سيكون العصي والحجارة.

المشكلة الكبرى هي مثالية الهدف وغموض الوسيلة (وينطبق هذا علينا أكثر في السعودية).

العلم دون دين أعرج، والدين دون علم أعمى.

معجزة أن ينجو الفضول من سجن التعليم الرسمي.

لا يشغلك سر العبقرية المهم ألا تتوقف عن السؤال.

الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة.

الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً.

العلم شيءٌ نزيه حتى يعتاش منه أحدهم (من يخبر وعاظ الفضائيات).

.. أما خاتمة الأقوال العظيمة:
فكل ما هو عظيم وملهم صنعه إنسان عَمِلَ بحرية (وفكر بلا قيود).

كيف سينتهي كل شي؟


منذ أن وجد الانسان على سطح الارض وفي ذهنه سؤال حائر : كيف سينتهي الكون، والدنيا، وكل شيء في هذا الوجود!؟

ورغم أن الأديان أقرت بوجود نهاية لهذا الكون؛ تركت تفاصيل النهايات الكبرى لبحث الانسان.. وقد وضع علماء الفيزياء والفلك بالفعل فرضيات (خاصة) لفناء الأرض وأخرى (عامة) لفناء الكون بأكمله.. فالحياة على الأرض مثلا يمكن ان تنتهي بسقوط نيزك ضخم (كالذي أباد الديناصورات و85% من المخلوقات قبل 65 مليون عام) ويمكن ان تنتهي أيضا بسبب تمدد الشمس بحيث تبتلع الأرض والكواكب القريبة منها كما يمكن ايضا ان تنتهي بسبب تباطؤ دوران الأرض او انفجار قلبها وخروج الحمم الى سطحها…

اما فناء الكون فله فرضيتان رئيسيتان :

الأولى: توقف تمدده الحالي (بفعل قوة الجذب بين أطرافه) وانسحابه وانكماشه إلى مجرد كرة مركزية صغيرة سوداء ينتهي بداخلها الزمان والمكان الى الأبد!!

والثانية: ظاهرة (تتطلب تفصيلا أكثر) تعرف بظاهرة الموت الحراري للأشياء..

فالقانون الثاني للديناميكية الحرارية يشير الى حتمية وجود فقد او هدر فى الطاقة حين تتحول من شكل لآخر.. ففي السيارة مثلا تتحول طاقة البنزين الكيميائية الى طاقة حركية تنقلنا من مكان لآخر. غير ان جانبا كبيرا من طاقة البنزين تذهب هدرا (على شكل حرارة لايمكن الاستفادة منها) فى حين يتحول جزء صغير منها الى شغل نافع (هو دوران المحرك)..

وبوجه عام تعتبر المحركات الحرارية منخفضة الكفاءة كون أكثر من ثلاثة أرباع البنزين الذي تضعه فى سيارتك يتحول الى حرارة مهدرة فى حين تضيع من المحرك البخاري 80% من الطاقة ؛ وتضيع 60% من محرك الديزل!؟

وما يحدث فى المحركات ليس الا مظهرا واحدا من مظاهر هدر مشابهة تتسرب من كل العمليات الكونية.. وهذا يعني حتمية قدوم يوم تنفد فيه الطاقة الحرارية المحركة للكون فيصبح مظلما وجامدا بلا حراك .. وكان العالم الالماني هيلمولتز أول من تحدث عام 1856 عن حتمية موت الكون بسبب الهدر الحراري الذي يستحيل استرجاعه كما يستحيل استرجاع الطاقة الحرارية المهدرة في محرك سيارتك..

ولكن ألا تتعارض هذه الفرضية مع قانون حفظ الطاقة الذي يفيد بأن "الطاقة لا تفنى إنما تتحول من شكل لآخر" ؟

.. في الواقع نحن لانتحدث هنا عن اختفاء طاقة الكون بل عن تحولها الى اشكال حرارية لايمكن استعادتها ؛ فمن الملاحظ ان جميع انواع الطاقة (الكهربائية والكيميائية والحركية) يمكن ان تتحول بسهولة الى طاقة حرارية في حين يستحيل عكس الوضع واعادة الطاقة الحرارية الى ما كانت عليه .. بمعنى أن الحرارة المهدرة فى محرك السيارة يستحيل إعادتها الى بنزين والانفجار النووي يستحيل إعادته الى يورانيوم وكرة اللهب يستحيل عودتها الى فحم وحطب.. وهكذا فإن اي جسم يتحول الى حرارة يختفي ويفقد الى الابد بحيث يمكن القول إن فقد الحرارة هو مقبرة الطاقة والشكل النهائي لكل ما ينبض بالحياه!!

هذه الظاهرة (الموت الحراري للكون) تقودنا الى استنتاجين عظيمين:

الأول : ان للكون نهاية وبداية وانه ليس أزليا كما يدعي البعض !!

والثاني : أن الكون يعمل من خلال استنزاف طاقة محسوبة تتناقص بلا تعويض الأمر الذي يقودنا بدهيا للاعتراف بوجود من حدد كميتها ووقت نفادها منذ البداية..

القبض عليهم بتهمة الالتحاء


في الشهر المنصرم أعلنت ولاية نيويورك أنها أوقفت برنامجاً خاصاً بالتجسس على الجالية الإسلامية في الولاية ظل عاملاً منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

لم يكن وجود هذا البرنامج (أو الجهاز الأمني) خافياً على المسلمين هناك ولكن حكومة نيويورك ظلت دائماً في حالة إنكار لوجوده وبالتالي تعذر إلغاؤه أو مقاضاته بتهمة خرق الحرية المدنية لمواطنين يحملون الجنسية الأمريكية...

لم يكن الجو العام يوحي بعكس ذلك كون اللحية والنقاب أصبحا بعد تفجيرات سبتمبر مصدراً للشبهة في المطارات ومراكز الشرطة وأروقة المحاكم...

وكانت شرطة نيويورك هي الأكثر خرقاً لقانون الحريات المدنية في السنوات الأولى خصوصاً تحت حجج فضفاضة (مثل الاشتباه بالتواصل مع منظمة إرهابية) أو اعتماداً على أدلة سرية (يمنع الإفصاح عنها).. خذ كمثال ماحدث لناصر أحمد عفاير آخر من قبض عليه بتهمة التعاون مع (منظمة إرهابية غير معروفة) ووجود (أدلة سرية) ضده.. وبعد احتجازه لخمس سنوات بدون محاكمة أو تهمة رسمية ربما باستثناء مظهره الملتحي أُطلق سراحه لعدم كفاية الأدلة المزعومة!!

فرغم عدالة النظام الأمريكي مقارنة بدول العالم الثالث إلا أنه سقط بطريقة مخجلة بسبب قانون يسمح باحتجاز (الأجانب) بحجة وجود دليل سري.. ولأنه "دليل سري" لا يستطيع المتهم أو محاميه الاطلاع عليه ويحق للمباحث تقديمه في الوقت الذي تراه مناسبا!!

ورغم ادعاء وزارة العدل أن "الدليل السري" ليس موجهاً ضد عرق أو جماعة معينة إلا أن الوقائع تشير إلى أنه وضع خصيصاً لملاحقة الجماعات الإسلامية والحد من نشاطاتها. ف90% من ضحايا الدليل السري هم من العرب وثلاثة أرباعهم من الملتحين. وهو كإجراء مرفوض حتى من نقابات المحامين وجمعيات حقوق الإنسان هناك. فالمحامي مثلاً لا يستطيع نقض دليل لا يحق له الاطلاع عليه، وجمعيات حقوق الإنسان تقارنه بما يجري في الأنظمة التعسفية فضلاً عن مخالفته للدستور الأمريكي (الذي ينص على حق المتهم في معرفة التهمة الموجهة إليه وعدم احتجازه بدون إدانة واضحة)!!

وقد لا يكون غريباً وجود إجراء كهذا في الأنظمة العربية الديكتاتورية؛ ولكن في أمريكا يعد الأمر أكثر من غريب؛ كون النظام العدلي هناك يشدد على حقوق المواطنين وقد ينسف القضية بأكملها لمجرد عدم تذكير المجرم بحقوقه أثناء القبض عليه..

فحين يضطر القاضي للاختيار بين (حقوق وحرية المواطن) وبين (إدانته واثبات التهمة عليه) يختار الأول بدون تردد.. يختار إلغاء القضية بأكملها (حتى في حال قناعته بجرم المتهم) في حال لاحظ وجود خطأ في إجراءات الشرطة أو اعتداء على حرية المواطن الشخصية (مثل التنصت على هاتفه أو تفتيش منزله دون إذن).. وفي المقابل لم يجرؤ أحد على مناقشة أو إلغاء إجراءات الشرطة التعسفية ضد 324 مواطناً أمريكاً مسلماً تم الاعتداء على حرياتهم (بحجة وجود دليل سري) منذ تفجيرات 2001 وحتى نهاية 2013!!

... لهذا السبب يعتبر إلغاء برنامج التجسس في نيويورك وما يتبعه من أدلة سرية نصراً كبيراً ليس فقط للجالية المسلمة فيها، بل ولسمعة العدالة الأمريكية نفسها..

لماذا لم تؤثر فينا خطب الجمعة؟


خلال 60 عاما من حياتنا نكون قد سمعنا أكثر من 3000 خطبة جمعة؛ فلماذا برأيك لم نر تغيراً إيجابياً مقابلاً على الفرد والمجتمع؟

هذا السؤال طرحته في تويتر ومجموعات الواتس اب قبل كتابة هذا المقال..

وبالطبع يمكننا افتراض خطب أقل لعمر أقصر؛ ولكن الفكرة تظل لماذا لم نصبح أكثر شعوب الأرض نزاهة وحسن أخلاق عطفاً على الكم الهائل من المواعظ التي نسمعها في خطب الجمعة وبقية أيام الأسبوع؟

.. الردود التي وصلتني أكثر مما تتحمله مساحة المقال؛ ولكن بعد استثناء المسيء والمكرر منها يمكننا اختيار التالي:

لأن الخطيب أصبح يتعامل مع الخطبة على أنها مهمة ينجزها وليست رسالة يوصلها.

لأنها كلام منقول أو مصور من كتاب قديم لا تلامس الحياة اليومية للفرد والمجتمع.

بسبب تطور ثقافة الناس وبقاء أسلوب الخطب على حالها..

لأسباب كثيرة (أولها) الواسطة وضعف وزارة الشؤون الاسلامية في اختيار الخطباء.

لأن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..

بسبب غفلة القلب من المتلقي وعدم استعمال مهارات الاتصال الفعال من الخطيب.

بسبب عدم إخلاص الخطيب ولأن أغلبهم يقولون مالا يفعلون..

ناهيك عن أجوبة أخرى لا تتسع لها المساحة ولكنها تصب في مفهوم (تكرار الخطب) و(عدم التجديد) و(البعد عن هموم المجتمع والتغيرات الجديدة)..الخ

وبطبيعة الحال كل هذه الآراء - التي يمكنكم مراجعتها على حسابي في تويتر - مهمة ولا يمكن إغفالها لحل المشكلة.. وقبل أن أضيف إليها رأيي الشخصي أشير الى أن ما دفعني لطرح هذا السؤال حقيقة أننا أكثر شعوب الأرض إنتاجاً للخطب وسماعاً للمواعظ - ومنذ قروووون - ومع هذا لم نصل يوماً لقمة النزاهة والأمانة ومكارم الأخلاق..

وأنا لا أتحدث هنا عن مجتمعنا المحلي فقط، بل عن كافة المجتمعات الإسلامية التي تأتي كل عام في مؤخرة قوائم التنمية العالمية.. فأكثر الدول فساداً، وأمية، وفقراً، واضطهاداً للحريات، وتمييزاً بين الجنسين هي للأسف دول إسلامية.. ويؤكد هذه الحقيقة الأرقام السنوية التي تصدرها "منظمة الشفافية الدولية" و"التنمية العالمية" و"اليونيسيف" و"البنك الدولي" و"صحفيون بلا حدود"؛ في حين يفترض أن نكون أفضل الجميع عطفاً على الكم الهائل من الخطب والمواعظ التي نسمعها خلال حياتنا..

إذاً، ما السبب في تأخرنا وتقدم دول تعد من أقل شعوب العالم تديناً وسماعاً للمواعظ (مثل فنلندا ونيوزلندا واليابان والدول الاسكندنافية حسب قائمة النزاهة الدولية)!؟

السبب في رأيي لا يكمن في المواعظ ذاتها بل في عجزنا عن تفعيل المعايير الأخلاقية (بعمومها) ودعمها بسلطة قانونية وتنفيذية مُلزمة على أرض الواقع.

فأي خطبة (في النزاهة مثلاً) مهما بلغت حجتها وبلاغتها لا تعني معظم المستمعين كونهم في مناصب لا تسمح لهم باختلاس المال العام أصلاً.. وفي حال افترضنا وجود شخص بينهم يسمح منصبه (وضميره الشخصي) بالسرقة والاختلاس فلن تثنيه أي خطبة عصماء عن فعل ذلك.. ما يثنيه فعلاً عن الاختلاس (وكافة الموبقات) ليس الخطب البليغة بل الخوف من الفضيحة والعقاب في الحياة الدنيا.

لا بأس من خطبة تذكرنا بيوم الحساب؛ ولكن التذكير بيوم الحساب يظل كلاماً نظرياً لا يمنع ضعفاء النفوس، ولا يعني شيئاً للناس في اليابان والدول الاسكندنافية.. ما يمنع الناس فعلا هو قوانين (تمنع الأخطاء قبل وقوعها) وشفافية (تكشفها عند حدوثها) وسلطة تنفيذية (تضرب بيد من حديد بعد وقوعها).

جوابي باختصار أيها السادة:

لأن أي خطبة لا تساوي في تأثيرها قوة القانون والسلطة التنفيذية حتى لو كانت قرآنا من أولها لآخرها..
هل ترغبون بدليل تسمعونه في خطب الجمعة ذاتها:

"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"..

ماذا عن التلوث اللاسلكي؟


نسمع كثيراً عن التلوث الجوي، والبحري، والبيئي، والصناعي؛ ولكن هل سمع أحد عن التلوث اللاسلكي؟

لم أكتب هذا المقال بناء على مصدر يؤكد وجوده، ولكن منذ ظهر الهاتف الجوال ونحن نسمع عن مخاطره المحتملة على الأذن والدماغ واحتمال تسبب بالسرطان.. لا يمكنني الجزم حتى بصحة أو خطأ هذه المعلومة؛ ولكن المؤكد أننا أصبحنا نعيش داخل بحر متلاطم من الموجات الراديوية التي تخترق أدمغتنا صباح مساء!!

فنحن اليوم نعيش عصر تلوث لاسلكي خطير صادر عن كم هائل من أجهزة الإرسال والاتصال والحواسيب والهواتف والإرسال الفضائي.. والفرضيات التي كانت تثار حول أضرار الهواتف الخلوية على الدماغ لم تعد اليوم تساوي شيئا أمام أجهزة لا تقل عنه قوة و"راديوية" مثل الواي فاي وأبراج الضغط العالي وأجهزة التحكم عن بعد..

وكانت وكاله العقاقير الامريكية قد تلقت عدة تقارير عن حالات تسبب فيها التداخل اللاسلكي فى حوادث طبية خطيرة؛ ففي احدى المرات تسببت الموجات الصادرة عن بيجر طبيب فى تشغيل مشرط آلي فى جيب إحدى الممرضات، وفى حالة أخرى تعطلت تهوية الحاضنات بسبب الأمواج الصادرة من برج قريب.

وفي حادثه مشهورة توفي مريض بعد تعطل أجهزة إنعاش القلب فى سيارة إسعاف استعمل سائقها جهاز اتصال جديدا!!

وهذا يعني أنه - حتى في حال عدم وجود ارتباط بين الانسان والآلة - يتسبب التلوث الراديوي والانبعاث المغناطيسي بمشاكل محتملة بين الأجهزة ذاتها.. فالأمواج الكهرومغناطيسية الصادرة من هاتف نقال قد تتسبب في فتح باب جراج يتم التحكم به عن بعد. وفرن المياكروويف قد يعطل جهاز الرسيفر أو الكمبيوتر المحمول دون علمك.. والإشارات الصادرة من جهاز الآيباد أو اللابتوب قد تتداخل مع أجهزة الملاحة في الطائرة.. ومن المعتقد حاليا أن الانبعاثات الكهرومغناطيسية الصادرة من الأجهزة الكهربائية نجم عنها حوادث طيران بدت غامضة في حينها (مثل سقوط طائرة وزير التجارة الامريكى فوق البوسنة في عقد التسعينيات.. وتوقف أجهزة الملاحة في طائرة الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل حين استعمل احد مرافقيه حاسبه الخاص)..

وفي الحقيقة ؛ قضية التداخل اللاسلكي بين الأجهزة الإلكترونية أمر معروف منذ زمن بعيد.. الجديد هو ازدياد كثافته ومدى تأثيره على صحة البشر. ومقابل كثرة الدراسات المتعلقة بالتداخل بين الأجهزة الإلكترونية (التي تتولاها الشركات المنتجة لصالحها) هناك قصور كبير في الأبحاث والدراسات المتعلقة بتأثير التلوث اللاسلكي على وضع الانسان الصحي والذهني وربما النفسي (فأنا شخصيا اشعر بعد كل مقال بصداع مميز، لا اعلم هل هو نتيجة توليد الأفكار أم بسبب الإشعاعات الصادرة عن الكمبيوتر الذى أكتب عليه)..

على أي حال ؛ أنا شخصيا لا أتوقع نتائج حميدة لكل تلك الموجات التى تخترق أجسادنا، أو تمر بأدمغتنا محملة بكل هذا القدر من الترداد والمعلومات والتفاهات التلفزيونية.. وما أراه مؤكدا أن عصر التلوث اللاسلكي بدأ فى غفلة من الزمن، وأن القطط اكتشفت قبلنا أضرار هذا التلوث الخفي..

(هل سبق وشاهدت قطه تنام فوق المايكروويف أو تسترخي قرب مصدر للكهرباء)!!؟

ما لا يقتلك.. يقويك


من منكم يذكر قصة بائعة الحليب التي كنا ندرسها في المرحلة الابتدائية وكان لها الفضل في اكتشاف لقاح الجدري!

ففي أواخر القرن الثامن عشر كان الجدري - كما هو شأنه دائماً - يقتل ملايين البشر ويصيب الباقين بالعمى والتشوه والإعاقة.. وذات يوم كان الطبيب الإنجليزي إدوارد جينر يسير في أحد أسواق بركلي حين سمع حديثاً بين بائعتي حليب اشتكت فيه الأولى من انتشار الجدري بين الناس فردت عليها الأخرى: لا أخشى الإصابة به لأنني أصبت في طفولتي بجدري البقر.

لفت كلامها انتباه جينر فسألها فأخبرته أن مربي الماشية لا يصابون بالجدري الذي يقتل بقية الناس كونهم يصابون به وهم صغار.. وبدراسة حلابة البقر سارة نيلمس اكتشف أنها محصّنة فعلاً ضدّ المرض كونها أصيبت وهي صغيرة بجدري البقر (الذي يدعى cowpox وتسببه ميكروبات قريبة من الجدري العادي Smallpox )..

ورغم أن علم المناعة لم يكن قد اكتشف حينها استنتج جينر أن من لا يموت بالمرض يملك حصانة ضده طوال العمر.. وكي يتأكد من هذه الفرضية، ولأنه لم يجد من يقبل حقنه بميكروبات الجدري، حقن ابنه بقيح بقرة مصابة فأصيب بحمى شديدة في الأيام التالية (تذكرنا بالحمى التي كنا نصاب بها بعد أخذ اللقاح في المدرسة) ولكنه سرعان ما شفي وأصبح قوياً ومحصنا ضد المرض.

وهكذا اكتشف إدوارد جينر (ليس فقط علاجاً للجدري) بل ومبدأ التحصين ذاته ومايعرف اليوم بعلم المناعة.. ومبدأ التحصين يعتمد على حقن الشخص السليم بميكروبات ضعيفة أو مقتولة أو منتقاة (بحيث لا تقتله) ولكنها تحث جهازه المناعي على توليد أجسام مضادة تمنحه حصانة دائمة ضد المرض (وهذا بالمناسبة سر عدم إصابتنا مجددا ببعض أمراض الطفولة).

وبعد نجاحها على الجدري طبقت الفكرة لمنح الأجيال الجديدة حصانة ضد أمراض خطيرة كالطاعون والحصبة والتهاب الكبد وشلل الأطفال - لدرجة اختفى بعضها نهائياً من كوكب الأرض (مثل الجدري الذي ظهرت آخر إصابة به في الصومال عام 1980)!!

.. على أي حال؛ رغم جمال هذه القصة إلا أنها مجرد استشهاد على الفكرة التي كنت أنوي تقديمها اليوم.. استشهاد على حقيقة أن ما لا يقتلك يقويك في أي جانب من جوانب حياتك (والقتل هنا كلمة مجازية يمكن استبدالها بكلمات مثل يدمرك يحطمك يهزمك يكسرك).

فكما أن الميكروبات التي لا تقتلك تمنحك مناعة ضدها، كذلك المصائب التي تعجز عن تحطيمك وكسرك تمنحك حصانة ضدها.. كل مصيبة أو مكيدة أو مظلمة (تعجز عن قتلك) تجعلك إنساناً أقوى وأفضل وأقدر على الخروج منتصراً.

تأمل كل المصائب والعقبات التي مرت بك خلال حياتك (وعجزت عن تدميرك) ستكتشف أنها كانت صاحبة فضل عليك وعلى نجاحك وما وصلت إليه الآن.. ستكتشف أن أعداءك - طالما لم ينجحوا في قتلك - يغيروا حياتك، ويشحذوا مواهبك، ويمنحوك مناعة مستقبلية ضد جراثيم بشرية تنتمي لنفس الفصيلة.. وحين تنظر للمصائب المحتملة بحسب هذا المبدأ ستواجهها بمعنويات أفضل واستعداد أقوى وتدرك مسبقاً أنها ليست بالسوء التي تبدو عليه!

.. أنا لم أنس قصة بائعة اللبن لأنها تضم مبدأ يتجاوز تحصين الأجساد إلى تحصين العقول والأذهان.. لأنها تمنحنا مناعة نفسية أقوى - ليس فقط بعد انتهاء المصيبة - بل وقبل حدوثها طالما اقتنعنا مسبقاً بمبدأ "ما لا يقتلك يقويك"..

تذكر دائماً هذه الجملة وكررها على أطفالك في كل مناسبة.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...