الأربعاء، 8 يناير 2020

الحياة ملعب كبير


لاحظت شخصياً أن الأطفال حتى حين يشتركون في أي لعبة أول ما يسألون عنه هو "من الفائز؟".. وحتى حين لا يجيدون اللعب يدّعون فوزهم في نهايتها أو تنهال دموعهم لنهايتها.. وحين نكبر تكبر معنا ألعابنا وتصبح أغلى ثمناً وتظهر بشكل سيارة فارهة أو فيلا فاخرة أو مقتنيات ثمينة نستعرضها بأي طريقة فقط لإثبات (فوزنا) في لعبة الحياة!

ندرك دون وعي منا أننا نخوض يومياً ألعاباً تتضمن التفاوض لتحقيق أدنى قدر من الثمن وإثبات الذات بأعلى حد من الجودة وفرض الرأي.. نفعل ذلك حين نتفاوض مع السباك والكهربائي والحداد أو حتى مديرنا في العمل فنتحاور ونبالغ وندعي ونكذب لتحقيق أكبر مكسب ممكن..

المدهش أكثر أن هناك بالفعل نظرية تدعى "نظرية الألعاب" تبحث في أفضل الخيارات الممكنة لاتخاذ القرارات الرابحة.. نظرية صالحة في السياسة والاقتصاد وشؤون الحياة رغم أنها انطلقت أولا من دراسة الألعاب الذهنية المعروفة (كالشطرنج والزهر والقمار).. والمقصود بالألعاب هنا هي المعضلات في أي مجال كانت في حين أن اللاعبين هم أفراد ومؤسسات وأمم تسعى لتحقيق الانتصار (بأي ثمن).. وهي في إطارها العام تحلل تضارب المصالح للتوصل لأفضل خيار ممكن.. تتضمن مجموعة من القواعد والتصرفات المشتركة التي تخمن أفضل الخيارات في ظروف قد لا تكون دائما مناسبة أو مواتية..

ويمكن القول إن النظرية تبلورت بشكل رسمي سنة 1944 على يد جون فون نويمان وأوسكار شتيرن اللذين وضعا كتابا بعنوان "نظرية الألعاب وتصرف الاقتصاد"

Behavior The Theory of Games and Economic

وفي عام 1994 حصل كل من جون ناش وسيلتين وهارسانيي على جائزة نوبل للاقتصاد وذلك لدراساتهم التي وسعت من استخدام هذه النظرية في أسواق الاقتصاد (وتم استعراض قصة حياة ناش في فيلم سينمائي يدعى عقل جميل عام2001)..

أما على مستوى التعامل الإنساني (بين الأفراد) فهناك كتاب بعنوان (ألعاب يمارسها الناس) يناقش الحيل والمكائد وأساليب الضغط التي نمارسها مع بعضنا البعض خلال تعاملاتنا اليومية.. وفي الجزء الأول من هذا الكتاب يقسم المؤلف إيرك بيرني تعاملاتنا مع الآخرين من خلال ثلاثة مواقف رئيسية هي: الموقف الأبوي، والطفولي، والراشد.. فرئيسك في العمل مثلا قد يتعامل معك بطريقة أبوية قاسية (كرد فعل على اضطهاده في الطفولة) أو بطريقة طفولية ساذجة (تعتمد على رد الفعل أو مزاجه في ذلك اليوم)، أو بطريقة راشدة (تعتمد على الاحترام المتبادل والمعاملة حسب القوانين والأنظمة)..

أما الجزء الثاني من الكتاب (وهو الممتع فعلا) فيتضمن نماذج وأمثلة لطرق التعامل المبطنة بين الناس.. فنحن "نلعب" دائما مع بعضنا ألعابا لاستعراض القوى، واثبات الذات، وتحصيل المكاسب، وتغيير آراء الآخرين بل وحتى ألعابا خاصة بالمحبين مثل لعبة القط والفأر.. ومن خلال العناوين الرئيسية يمكنك فهم الألعاب النفسية التي يمارسها معك من حولك مثل لعبة هل رأيت نتيجة عملك؟ أو ماذا حصل لي بسببك؟ وحاول تنفيذ ذلك إن استطعت.. والشخصية الدلوعة أو المتمنعة.. وتوجيهك بطريقة لو كنت مكانك لفعلت كذا وكذا.. وانظر كيف حاولت بجهد أو ضحيت من أجلك.. والاستسلام المشروط (بطريقة موافق ولكن يجب أن تفعل كذا وكذا).. والاعتذار المبطن (مثل كنت فقط أحاول مساعدتك).. والابتزاز المؤدب (بطريقة تسعدني خدمتك ولكن لدي طلب بسيط).

هل يمكننا يوماً العيش بلا أجساد؟


ليس مثل العرب في إدراك علاقة الرأس بالجسد..

فحين نريد موت أحدهم "نقطع رأسه" وحين نحترم شخصا نقول "على رأسي" وحين نرد عليه نقول "يسلم لي رأسك" وحين نؤكد مواقفنا نقول "على رقبتي" أو "مادام رأسي يشم الهوا" !

.. ولا يبدو أن علاقتنا بالرأس ستنتهي قريبا كون التقدم العلمي يسير باتجاه إبقاء الرؤوس حتى بعد ذهاب أصحابها..

فالعنوان الذي بدأنا به المقال قد يبدو خياليا وغير معقول، ولكن الحقيقة هي أننا نعيش بلا أجساد في عالم الأحلام (فنرى ونسمع ونتحرك دون حاجة لحواس وعضلات).. كما نعيش بعد وفاتنا وتحلل أجسادنا في عالم البرزخ منتظرين انتهاء الدنيا وقيام الساعة ومعرفة مستقرنا النهائي.. أما في حياتنا الدنيا فيمكننا هذه الأيام الاحتفاظ بالرؤوس المقطوعة حية من خلال أجهزة الدعم التي تزودها بالدم والأوكسجين (خصوصا في حال تم ذلك أثناء حياتها وقبل فصلها عن الجسد)..

أذكر أنني كتبت مقالا تحدثت فيه عن نجاح الطبيب الروسي سيرجي بركوننكو في الاحتفاظ برأس كلب مقطوع (حياً) لمدة طويلة. ويعود سر نجاحه إلى ابتكاره آلة تضخ الدم والغذاء للرأس المقطوع تعد نواة الآلة المستعملة حاليا في العمليات الجراحية..

وفي عام 1954 قام جراح روسي آخر يدعى فلاديمير ديموكوف بقطع رأس كلب صغير وزرعه قرب رأس كلب آخر ضخم.. وكانت هذه العملية واحدة من عشرين عملية مماثلة تضمن بعضها إيصال النصف الخلفي لأحد الكلاب بالنصف الأمامي لنوعية أخرى مختلفة.. وحينها حظيت هذه التجارب برعاية الحزب الشيوعي الحاكم الذي روج لها لإثبات تقدم الاتحاد السوفياتي.. وأيضا.. لإيجاد حل سريع لمشكلة الأعمار المتقدمة التي طالت الرؤوس الكبيرة في الحزب!

.. أما هذه الأيام فأصبح من السهل القيام بهذه العملية حتى في أقل المستشفيات إمكانية ولكن لم ينجح أي جراح في إعادة ربط الحبل الشوكي العصبي بقاعدة الدماغ (ولو نجحوا في ذلك لما رأيت بيننا مصابا بالشلل الرباعي)!

والحقيقة هي أن حالات الشلل الرباعي نفسها قد تكون خير دليل على إمكانية عيش الرأس بلا جسد.. ففي هذه الحالة يصاب الجسد من أسفل الرقبة بشلل كامل يشمل الأطراف الأربعة.. وهذا يعني أن الجسد يتحول الى مجرد قاعدة حيوية لدعم الرأس فقط بحيث يبقى الانسان حيا يفكر وينظر ويسمع "ويشم الهوا"..

ومن جهة أخرى؛ تمكن العلماء منذ السبعينيات من استخراج الأدمغة البشرية وإبقائها حية في سوائل حافظة مليئة بالأوكسجين.. وهي طريقة توازي الاحتفاظ بالجسد الميت دماغيا من خلال ربطه بأجهزة الدعم الحيوية.. وهذا يعني أن الأدمغة يمكنها أن تظل حية بعد وفاة أصحابها على أمل استخراج ما فيها ذات يوم (ولهذا السبب احتفظ الأميركان بدماغ أنشتاين، والروس بدماغ لينين، وخضع كلا الدماغين لآلاف الدراسات والتجارب العلمية)..

وبالطبع فوائد الاحتفاظ بالأدمغة والرؤوس الحية أكثر من أن تحصى.. إذ يمكن مثلا فصل الرؤوس عن أجسادها الهرمة أو المريضة واستبدالها برؤوس شابة مات أصحابها دماغياً (وهناك تجارب لتحقيق هذه الفكرة تجري اليوم على قردة البامبو)..

وفي حال تطورت عمليات زرع الشرائح الالكترونية في دماغ الانسان (كما يفعل البروفيسور كيفن ورويك منذ عام 2002 جامعة كولومبيا) ستنتهي الحال باستخراج الإبداعات والذكريات من أدمغة فذة تم فصلها قبل وفاة أصحابها (وهذا شرط أساسي بالمناسبة)!

.. نعم؛ قد تكون الفكرة متطرفة ولكنها ليست خيالية .. وقد تبدو جديدة ولكنها تعود الى أيام جنكيز خان الذي أمر قبل ألف عام بخياطة الرؤوس المقطوعة فوق أجسادها لتعويض حاجته الدائمة للجنود!

أثقل من طار


ما تزال الطائرات تشعرني بروعة الهندسة وجمال الابتكار ومحاسن العلم التطبيقي.. مايزال عقلي البدهي يتعجب من قدرة نسمة رقيقة على حمل هذه التحفة الثقيلة فوق السحاب.. كنت في طفولتي أرغب في أن أصبح طيارا يقود مركبة كهذه ويحط كل يوم في بلد جديد. غير أن نظاراتي الطبية لم تسمح بتحقيق هذا الحلم فاستبدلته بمتعه السفر بواسطتها لقارات العالم الست!

وبالطبع كلما زادت ضخامة الطائرة زاد تقديري وإعجابي بها.. حين ركبت لأول مرة أضخم طائرة مدنية في العالم (إيرباصA380) كانت والدتي برفقتي.. كنا عائدين من زيارة شقيقي في استراليا حين دخلنا الطائرة من بابها الأمامي فنظرت إلى صفوف المقاعد حتى نهايتها فقالت: يارب سترك كيف سترتفع الطائرة بكل هؤلاء الناس.. فأشرت بأصبعي: هناك أيضا طابق ثان فووووق!

والحقيقة هي أن الإيرباص 380 تتكون من ثلاث طوابق، وتحمل أكثر من 800 راكب، وتطير بسرعة 900 كلم في الساعة، وتقطع 15200 كيلومتر دون توقف - ناهيك عن أنها أول طائرة تجارية تسير بالغاز المسال -..

وقبل إنتاج هذه الطائرة كانت البوينج 747 تهيمن على سوق الطائرات المدنية الضخمة.. لم تكن شركة بوينج عاجزة عن انتاج طائرة أكبر منها ولكنها كانت تعتقد أن كلفة تشغيلها (وعدم امتلائها بالركاب) يجعلها غير مجدية اقتصاديا. وفي المقابل كان الأوروبيون يرون أن انتاج طائرة تحمل أكثر من 800 مسافر (دفعة واحدة) يخفض تكاليف نقل كل راكب على حدة.. وحين ظهرت الطائرة للوجود عام 2005 (بحجم وأبعاد لا تختلف كثيرا عن البوينج747) اتضح أن رأي الأميركان كان صحيحا على الخطوط القصيرة، في حين يصدق رأي الأوروبيين على الخطوط الطويلة - حيث تنخفض تكلفة الراكب كلما زاد طول الرحلة!

.. غير أن كل هذا لا يعني أن "ذات الطوابق" هي أكبر طائرة في العالم.. فأضخم طائرة هي (انتونوف 225) التي لم يصنع منها سوى نسخة واحدة فقط لحمل مكوك الفضاء الروسي "بوران".. وهي طائرة شحن أوكرانية الصنع، سوفياتية التصميم، بعلو بناية من أربعة طوابق تملك 32 عجلة هبوط وتستوعب 250 سيارة وتحمل 600 ألف طن.. ولأنني سبق وكتبت عنها مقالا خاصا (تجده في النت تحت عنوان: المسخ الطائر) سأتجاوز التفاصيل وأشير بسرعة إلى أنها تملك 240 رقما قياسيا في الضخامة والثقل والسعة وتعد أحد الروافد الاقتصادية للحكومة الأوكرانية التي تؤجرها لنقل الحمولات الضخمة (وسبق لأرامكو السعودية أن استأجرتها عدة مرات لنقل منصات التنقيب الثقيلة)!

.. وفي حين تعد طائرة الإيرباص أكبر طائرة مدنية، والإنتونوف أكبر طائرة شحن، تأتي القلعة الأميركية الطائرة B-52 كأضخم طائرة عسكرية من حيث السعة.. وهي قاذفة استراتيجية مرعبة قادرة على حمل 20 صاروخا نوويا وصواريخ كروز وتوماهوك تحت أجنحتها - ناهيك عن آلاف الأطنان من الأسلحة والقنابل التقليدية داخلها.. وقد صنعتها بوينج لأول مرة عام 1952 ودخلت الخدمة في الجيش الأميركي منذ عام 1955 كقاذفة قنابل بعيدة المدى.. ورغم ظهور طائرات استراتيجية حديثة بعدها (أسرع من الصوت أو لايكشفها الرادار) إلا أن الحمولة الهائلة للقلعة الطائرة (وكلفة تصنيعها وصيانتها المنخفضة) شجعت الجيش الأميركي على الاحتفاظ بها حتى يومنا هذا - علما أن شركة بوينج أصدرت منها نسخا مطورة منها على مدى الستين عاما الماضية!

.. الحقيقة هي أن طائرات كهذه ليست فقط دليلا على تقدم العلوم في عصرنا الحاضر، بل وأيضا تقدم الأمم التي صنعتها وأهمية العلوم التطبيقية في معايير القوة الدولية..

.. وبصراحة؛ يكفينا الحديث عن عباس بن فرناس..

12 طريقة لمكافحة التطرف


أول مخاطر التطرف الانقسام والتفتت سواء على المستوى الديني والفكري، أو الوطني والاجتماعي..

فالتطرف بطبيعته يعني الابتعاد عن الوسطية حيث يعيش عامة الناس وتوجد معظم الأفكار وحيث يحاول علماء الدين التوفيق بين معظم الآراء والتيارات.. ومخاطره على الدين تكمن في ظهور خوارج وتكفيريين يرون أنفسهم (على قلة عددهم) محوراً لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام (رغم سعته وتنوع مدارسه) ويفعله عامة المسلمين (رغم توزعهم بين ثقافات عالمية مختلفة).. ولأن التطرف يعني غالباً الاستقلالية والابتداع والخروج عن الجماعة يتسبب في تقسيم الدين إلى فرق ومذاهب متناحرة جميعها في النار باستثناء فرقة واحدة متمسكة بمنهج السنة والجماعة (كما جاء في الحديث الصحيح)...

والحقيقة هي أن التطرف والرأي الوحيد أخطر على الدين من الانفتاح والتعددية والخلافات الفرعية.. فالأول يجنح (دون نقاش أو استئذان) الى الإقصاء والتكفير، في حين لا يتحرج الثاني من التحاور والتداول ومحاولة التوصل لأرضية مشتركة تحفظ الدين من التفكك لفرق متناحرة..

ويمكن قول الشيء نفسه عن مخاطر التطرف على الوطن والمجتمع.. فالمتطرف لا يرضى بغير الاتفاق معه، وتسيير المجتمع وفق نظرته، وتقسيمه بحسب اقترابه أو ابتعاده عنه.. وحين يجد المتطرف نفسه معزولاً عن سياق المجتمع يصبح ميالاً إلى العنف للفت الأنظار لوجوده ويزداد احتمال لجوئه للعنف بارتفاع نسبة عزلته عن المجتمع...

وحماية المجتمع من مخاطر التطرف والتشدد تتطلب الاعتراف بأسباب نشوئه وطبيعة الثقافة المولدة له هذا أولاً وثانياً تجفيف منابعه في المجتمع (وخصصت لهذا الجانب مقالاً سابقاً بعنوان: لو لم يكن متشدداً لما أصبح متطرفاً)..

ومن الحلول التي أراها ضرورية لحماية المجتمع من مخاطر التطرف والتشدد مايلي:

1 تفعيل قوانين تجرم التكفير، والتحريض، وتجييش العواطف، والدعوة للكراهية..

2 عدم التمسك بتيار فقهي واحد وتشجيع العودة للمدارس الفقية السائدة سابقاً في كل منطقة..

3 استمرارية العمل بالأمر الملكي الكريم القاضي بقصر مهمة الإفتاء على هيئة كبار العلماء..

4 تأكيد العلماء على أن الدين واسع، وحسن الظن مقدم، وأن من كفّر مؤمناً فقد كفر..

5 عدم المغالاة في قاعدة "سد الذرائع" وتبني قاعدة "فتح الذرائع" والأخذ بفقه الواقع..

6 إقرار ثقافة الحوار المؤدب كمنهج مدرسي وتقبل فكرة وجود آراء مغايرة في المجتمع..

7 عدم الخلط بين المحرمات الاجتماعية والمحرمات الدينية وإضفاء قدسية دينية على الأولى..

8 عدم الخوض في الخلافات الفرعية أو الظنون الاستباقية أو تحويلها لقضية اجتماعية كبرى..

9 إغلاق المواقع والمحطات والفضائيات ذات الطبيعة القبلية والمذهبية والمحرضة على الفتنة..

10 تحكيم العقل والمنطق والمصلحة العامة فيما لم يرد فيه نص شرعي صحيح ومباشر..

11 تربية أطفالنا على التسامح وأدب الخلاف وتنبيههم لخطورة "تأجير" عقولهم للغير..

12 وأخيراً فضح الأفكار المتطرفة على الملأ، والضرب بيد من حديد على مايخرج منها لحيز التطبيق..

والله خير الحافظين..

اللغة مرآة الشعوب



كان العرب يملكون كلمات كثيرة لوصف الشيء ذاته (وبشكل لا تجده في أي لغة قديمة).. فالمدينة المنورة مثلاً كان لها أكثر من أربعين اسماً، قليل منها فقط بقي اليوم معروفاً ومتداولاً مثل يثرب والمدينة وطيبة وطابة.. وكثير منها لم يعد معروفاً أو متداولاً مثل الحبيبة والمحبوبة والقاهرة والجابرة والمباركة..

أما الأسد فله في لغة العرب أكثر من خمس مئة اسم لا نعرف منها سوى القليل مثل الليْث، والغضنفر، والضِّرْغامُ... وكثير منها لم يعد معروفاً مثل الفِرْناسُ، والباسِلُ، والغشمشمُ، والعَزام..

وما يدهشني شخصياً ليس فقط كثرة المسميات في العصور القديمة بل وتراجعنا عن استعمال الكثير منها في العصور الحديثة (بل وأصبحنا اليوم نكتفي بكلمة واحدة فقط لوصف كل شيء).. خذ على سبيل المثال مشي الإنسان بسرعات مختلفة حيث كانت العرب تطلق على مشي الرَّضيعِ "الحبو" والغلام "الحجلان" ومشية الشاب "الخطران" ومشية الشيخ "الدَّلِيف" ومشية النشيط "الدأَلان"... ولكننا تركنا اليوم كل هذا واكتفينا بكلمة مشى ويمشي!!

أيضا كانت العرب تطلق مسميات مختلفة على كيفية النظر بالعين فتقول لمن ينظر بكامل عينيه "رمقه" ولمن ينظر للشيء من جانب عينيه "لحظه" ومن ينظر بحده "حدجه" ومن ينظر بتعجب "شفنه" ومن ينظر متثبتاً "توضّحه" ومن ينظر رافعاً يده مستظلاً من الشمس "استشرفه" أو "استكفه".. ولكننا تركنا كل هذا واكتفينا بكلمة شافه أو شاهده!!

... وأذكر أنني كتبت مقالاً بعنوان مراتب النيسابوري بدأته بقصة عن المعري الذي تعثر يوماً بشيخ كبير فصاح فيه غاضباً: من هذا الكلب؟ فرد عليه المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً.. وسرعان ما تحول هذا الرد إلى منافسة بين علماء اللغة (من يعرف للكلب سبعين اسماً) حتى تمكن السيوطي من جمعها في أرجوزة دعاها "التبري من معرة المعري"!

... أما أبو القاسم النيسابوري فرتب أنواع الجنون بطريقة تفوق علم النفس الحديث حيث يبدأ بالأحمق ثم الأخرق ثم المائق ثم الرقيع ثم اللكع ثم الهجاجة.. وبعد الهجاجة ينتقل إلى مرحلة الجنون الأصيل حيث المعتوه (الذي يولد مجنوناً) والممسوس (الذي يولد عاقلاً ثم يجن) ثم المخبول والأنوك والذولة والموتة والنطاه والعرهاه والأولق والمهووس والهلباجة والجذب!!

أما الثعالبي فقسم الحب الى عشر مراتب في كتابه الشهير "فقه اللغة" حيث يقول:

... والحب يبدأ ب(الهوى) فإذا زاد سمي (الكلف) ثم (العشق) ثم (الشغف) ثم (الجوى) ثم (التيم) ثم مرض في الجسد يدعى (التبل) ثم اضطراب في العقل يدعى (التدلية) حتى ينتهي ب(الهيوم).. حيث يهيم المحب على وجهه في الشوارع والطرقات ويحتار في أمره الرقاة والأطباء!!

المحزن أكثر أن تعددية المفردات هذه سبقت عصر التدوين ثم توقفت تماماً منذ قرون.. والحقيقة هي أن اللغة مرآة الأمة ومقياس لمساهمة أهلها في الإبداع العالمي.. فالإبداعات الجديدة سواء كانت أدبية أو علمية تستدعى بالضرورة ابتكار كلمات تعبر عنها سرعان ما تتشعب وتتعدد وتقتبسها اللغات الأخرى. وفي حين توقف العرب عن ريادة العالم منذ قرون أصبحت الإنجليزية اليوم هي لغة العلم والسياسة والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا..

.. ومن كل هذا ندرك أن حالنا مع اللغة العربية يتضمن اليوم مفارقة يتوسطها معجم لسان العرب (الذي وضعه ابن منظور المتوفى عام711ه)..

فنحن من جهة؛ أضعنا مفردات غزيرة وُلدت في الجاهلية وعاشت حتى العصور الأولى من الإسلام.. ومن جهة أخرى؛ تسبب ضعفنا الثقافي والعلمي (في العصور المتأخرة) في التوقف عن إثرائها والإضافة إليها كما هو حال لغات الدول المتقدمة هذه الأيام..

بدون شك؛ اللغة مجرد مرآة تعكس حال الشعوب التي تتحدث بها!!

تأجلت وفاتهم حتى حين


تسوتومي ياماكاشي مواطن ياباني نجا من الموت حين ألقى الأميركان أول قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما (في السادس من أغسطس 1945).. وبسبب الحروق التي طالت جسده سافر إلى نجازاكي للعيش مع والدته فألقى الأميركان قنبلتهم الثانية على نجازاكي (بعد ثلاثة أيام) فنجا من الموت للمرة الثانية في حين ماتت والدته وعائلته بأكملها.. وقبل أيام فقط مات بشكل طبيعي عن عمر يقارب المئة عام بعد وفاة قائد الطائرة والمجرمين المسؤولين عن إلقاء القنبلتين!

وقصة ياماكاشي مجرد نموذج لقصص كثيرة ينجو فيها البعض من الموت بأعجوبة ويعيشون طويلا بعد الجلاد والضحايا وجميع الأقرباء من حولهم..

خذ كمثال آخر العجوز الألمانية "مارغو فولك" التي وصلت بدورها الى سن المئة رغم أنها كانت تعمل كمتذوقة طعام للزعيم الألماني "هتلر".. فقد كانت وظيفتها تذوق كل وجبة طعام قبل تقديمها إليه خشية أن تكون مسمومة أو ملوثة بالإشعاع.. وكانت بعد كل وجبة تتوقع الموت وتعيش فترة رعب حقيقية حتى يعلن طبيب هتلر الخاص خلو الوجبة من السم.. وبدأت "مارغو" في أداء وظيفتها حين كانت في الرابعة والعشرين في مطبخ "وكر الذئاب" المقر السري لهتلر وضباطه المخلصين. وخلال تلك الفترة شهدت محاولة اغتياله عام 1944 وانتحاره عام 1945 ولكنها اليوم ماتزال تعيش بصحة جيدة رغم وفاة جميع الذئاب!

أيضا هناك حارس غابات مشهور في أميركا يدعى روي سلفيان ضربته الصواعق سبع مرات ودخل كتاب جينيس للأرقام القياسية لهذا السبب.. المرة الأولى كانت عام 1942 وفقد بسببها أذنه اليسرى، والمرة الثانية عام1969 وفقد فيها حاجبيه وعينه اليمنى، والمرة الثالثة عام 1970 وشل فيها كتفه اليسرى، والمرة الرابعة عام 1972 واحترق فيها وجهه وكامل شعره، والخامسة عام 1973 حيث احترق شعره المستعار ونصفه العلوي، والسادسة عام 1976 حيث احترق قفاه وكامل ظهره، أما المرة السابعة فكانت في يونيو1977 حين أصيب بشلل خطير فتقاعد من عمله قسرا.. وفي إحدى ليالي 1983 مات بهدوء أثناء نومه في فراشه كما يموت البعير (.. وهو ما يذكرنا بمقولة خالد بن الوليد)!

... أيضا هناك صورة مشهورة للجراح البولندي زبينيو ريليغا التقطت عام1987 بعد انتهائه من أطول عملية لزراعة قلب (استغرقت 23 ساعة).. وفي هذه الصورة يظهر الدكتور ريليغا بعد انتهائه من العملية جالسا بقرب المريض يراقب شاشات النبض وقد بدت عليه علامات الإجهاد - في حين تساقطت الممرضات في زوايا الغرفة من التعب والإعياء.. المدهش أن الصورة التي رأيتها كان يحملها المريض نفسه الذي مايزال على قيد الحياة في حين مات الطبيب ريليغا بسكتة قلبية في مارس 2009 (ويمكنك مشاهدتها بإدخال اسم الطبيب في محرك غوغل)..

.. حين رأيت هذه الصورة لأول مرة في (الواتساب) رددت على صديقي محمد الجعيثن (الذي بعثها لي) بقول علي بن الجهم:

كم من عليل قد تخطاه الردى

فنجا ومات طبيبه والعُوّدُ

من هو المثقف؟


في إحدى الأمسيات الثقافية سألني شاب خجول عن الفرق بين العبقري والمبدع؟

فاجأني السؤال ولكنني قلت:

"من حق كل انسان أن يقول اخترعت كذا أو أبدعت كذا ولكن ليس من حقه أن يصف نفسه كعبقري كون العبقرية منزلة يمنحها الناس ويجب أن يُترك حكمها للتاريخ وإبداعات الفرد ذاته".

.. وعلى نفس السياق أعتقد أن الأمر ذاته ينطبق على الفرق بين (المثقف) و(المتعلم)..

فمن حق أي انسان أن يقول تعلمت في جامعة كذا، أو حصلت على شهادة كذا وكذا، لكن ليس من حقه أن يصنف نفسه كمثقف ومطلع وحكم كهذا يجب أن يترك لعامة الناس ومحصلة إبداعات الفرد ذاته!

والحقيقة أنني في فترة من فترات حياتي فكرت بوضع اختبار يتكون من 1000 سؤال لتحديد من هو المثقف.. فكرت بوضع أسئلة شاملة ومنوعة وافترضت أن الإجابة عن 75% منها تكفي لمنح الانسان صفة الثقافة ولقب "مثقف".. ولكنني اليوم أعتقد أن امتحانا كهذا لا يثبت غير جزء واحد من شخصية المثقف هي: تنوع المعرفة وسعة الاطلاع..

فالثقافة الحقيقية ليست فقط كما هائلا من المعلومات (فشبكة الانترنت كذلك) بل سلوك متحضر، وذهن متفتح، ورؤية شاملة، وامتزاج معلوماتي، وتسامح فكري، واطلاع على ثقافات ومصادر مختلفة- بعضها متناقض بمعنى الكلمة-..

المثقف ليس متعصبا ولا متشددا ولا نتاج ثقافة وحيدة أو أفكار مقولبة أو رؤية مقدسة ولا ينظر لنفسه كذلك..

المتعلم (وليس المثقف) هو من قد يكون كذلك.. فمن يحمل شهادة أكاديمية ينتمي بالضرورة لمنهج رسمي، وتخصص وحيد، وفكر مقولب، ورؤية موروثة.. المتعلم متخصص بالضرورة في مجال واحد يطغى على تفكيره ولا يملك رؤية شاملة تدمجه بغيره وينظر لنفسه كخريج مدرسة مستقلة في الرؤية والأهداف.. المتعلم يصعد رأسيا في تخصص وحيد، في حين ينتشر المثقف أفقيا في عالم من الثقافات والأفكار المتقاطعة - دون الانتماء بالضرورة لفكر ضيق يحد من قدرته على التحليل والاستنتاج..

يقول المؤرخ العراقي علي الوردي (في خوارق الشعور):

".. المتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره.. فهو لم يزدد من العلم إلا ما زاد في تعصبه وضيّق نظره.. رجل آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيد رأيه الموروث وتحرّضه على الكفاح في سبيله.. أما المثقف فيمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة يتأمل فيها ويتبنى وجه الصواب منها.."

وفي الحقيقة؛

حتى عامة الناس يَعرفون (ويُعرفون) المثقف من خلال تنوعه المعرفي وإنتاجه الفكري، في حين قد يمضي المتعلم حياته مجهولا كونه نتاج تخصصات لم يبدعها بنفسه ولم يشتهر بين الناس كمنتج لها..

عامة الناس لا يحاسبون المتعلم على شهاداته ولكنهم يحاسبون المثقف على أفكاره التي قد تصادم ما ورثوه ونشأوا عليه.. المثقف بينهم قد يصبح مضطهدا أو سجين رأي، ولكن ذلك لا يحدث لمجرد تخرج أحدهم في الجامعة أو حصوله على درجة علمية عالية..

.. وبطبيعة الحال كل هذا لا يعني استحالة تحول "المتعلم" الى "مثقف" ولكن تحولا كهذا يتطلب أولا الخروج من شرنقة التخصص والانفتاح على كافة المصادر والمعارف والآراء والأفكار - ناهيك عن تأثر سلوكه الشخصي والفكري بهذا التحول..

وباختصار شديد :

العباقرة هم من يبدع الأفكار..

والمثقفون هم من يمتزج بها..

والمتعلمون هم من يدرسها كمنهج..

في حين يتحمل عامة الناس مسؤولية تصنيف الجميع..

.. وقبل أن أنسى؛

ابحث في النت عن مقال "هل يوجد مثقف أو فقيه في عصر غوغل؟"

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...