الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

سيرة فهد الأحمدي .. بقلم عبدالله المغلوث

 ارفع يدك إذا كنت تريد أن تصبح كاتبا ناجحا. لن أدعك ترفعها طويلا. فسيرة الزميل الكاتب المتألق فهد الأحمدي، ستقطفها وتجعلها تسبح على لوحة المفاتيح أو على أقرب ورقة أمامك.

ولد فهد عام 1969، في المدينة المنورة في حي العطن الشعبي المناهز للمنطقة المركزية المحيطة بالمسجد النبوي الشريف. نشأ في منزل جدته لأمه والتي تنتمي لأسرة الصقعبي التي تعود جذورها إلى منطقة القصيم (وسط السعودية)، مما دفع من حوله مبكرا إلى مناداته”فهد الصقعبي” إثر التصاقه بجدته وولعه بها.
عندما خرج إلى الشارع وجد نفسه بالقرب من موقف كبير للسيارات في الحي الذي يقطنه يدعى” موقف السبق”، والذي كان محطة للحجاج والمعتمرين من كافة أنحاء المعمورة لالتقاط سيارات الأجرة قبل انتشار الحافلات.
فاختلط بالعديد من الجنسيات في سن مبكرة فأصبح منفتحا مبكرا لا يستنكر، لا يشجب، بل يتأمل، ويصغي، ويكبر بسرعة.
احتكاكه بالعالم شجعه على العمل في محل لبيع الأدوات المنزلية يمتلكه عمه ووالده ،الذي يعمل ممرضا، أمام المسجد النبوي. خطف في المحل كلمات وجملاً عديدة من شفاه الأجانب الذين يتقاطرون بوفرة إلى المحل. تردد الحجاج والمعتمرين على المنزل الذي يقطنه طور لغاته الأجنبية، حيث كانت العديد من الأسر في المدينة ومكة تؤجر غرفا في منازلها للقادمين من أصقاع العالم إثر عدم توفر فنادق وشقق تستوعبهم.
درس الابتدائية في مدرسة الشهداء الزاخرة بالتاريخ. أحب الكتب. واقتنى في سن العاشرة كتاب أدب الرحلات في التاريخ، ومذكرات هتلر . انتقل إلى متوسطة ابن خلدون. وفيها تعلق بالكتب أكثر. فانصرف عن المناهج. يبرر:”لم نلتق”. كانت المرحلة الثانوية مأهولة بالحيرة. ازداد ارتباطه بالكتاب، وابتعاده عن المناهج والمدرسة، فقد كان يضع كتاب النحو وفي بطنه كتابا آخر احتيالا على أسرته. فطالما قال له أهله عندما يرونه وهو يقرأ:”ما شاء الله عليك. تذاكر طوال 24 ساعة”.
بعد المرحلة الثانوية دخل عدة جامعات داخلية وخارجية. درس في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة تخصصي الجيولوجيا، والحاسب الآلي دون أن يحصل على البكالوريوس. ثم حزم حقائبه وحلمه إلى جامعة هاملن في مانيسوتا الأمريكية. لم يكمل فيها أيضا. فقد كان يداوم في المكتبة.
قرر أن يغادر أمريكا ويعود إلى الوطن برفقة فكرة حالمة تهمس في أذنه قائلة:” ستجد وظائف عديدة دون شهادة. فأنت مثقف ومجتمعك بحاجة إليك”.
لم تكن أكثر من مجرد فكرة حالمة. فالوطن لم يقدر موهبته وهو لا يحمل شهادات ووثائق. أيضا، والده كان مأهولا بخيبة الأمل. فهو يعتقد أن عودة ابنه بددت حلمه، وماله الذي أنفقه عليه، كونه لم يكن مبتعثا على حساب أي جهة. جلس فهد عاطلا عن العمل والفرح عامين وهما90 و91.
وخلال إحدى رحلاته المكوكية لجدة بحثا عن عمل، وهربا من حزن أبيه، والناس في المدينة المنورة الذين نهبوه أسئلة عن مستقبله وحلمه حط ركابه وأناخ قلقه في كافتيريا شعبية. استوقفته فيها جملة موجزة خلال حديث بين مصريين. فقد كان أحدهما يقول للآخر:” اللي تغلب بو العب بو”. أي استثمر ما تفوز به. تلك العبارة دارت في رأسه طويلا حتى جعلته يتساءل قائلا:” ماذا لدي لأستثمره وأفوز من خلاله؟”. لم يجد فهد غير المعلومات والثقافة التي اكتسبها من قراءة مئات الكتب والمقالات. خرج من الكافتيريا محاصرا بالعبارة السابقة والرغبة في ترجمتها من خلال بضاعته(الثقافة)، لكنه سأل نفسه مجددا:”من يشتري الثقافة والمعلومة؟”.
لم يطل تفكيره. لاحت فكرة مراسلة الصحف في أفقه رغم أنه لم يفكر قبل ذلك بالكتابة. فلم تعبره هذه الفكرة أبدا قبل ذلك.
راسل الصحف السعودية لمدة عام ونصف دون أن يرد عليه أحد حتى أجاب عليه رئيس تحرير صحيفة المدينة وقتئذ، الأستاذ محمد حسني محجوب وطلب مقابلته على ضوء الخطاب الذي بعثه والمقالات التي أرفقها معه. ومن فرط سعادة الأحمدي بالاتصال ذهب إلى جدة، حيث المركز الرئيس للصحيفة، في نفس اليوم رغم أنه للتو قد عاد للمدينة المنورة. ويتذكر فهد أن الأستاذ محجوب لم يبد حماسة كبيرة لاستكتابه مباشرة. فقد كان يحاول بلباقة كبيرة الاعتذار عن ضمه لقائمة المتعاونين مع الصحيفة كونه جاء حديثا لصحيفة المدينة قادما من صحيفة عكاظ وبحاجة إلى مزيد من الوقت قبل اتخاذ قرار بشأنه إثر الملفات الغفيرة التي تحيط به آنذاك. وخلال الاجتماع دخل الزميل الأستاذ جمال خاشقجي، الذي كان يعمل في المدينة وقتئذ، واستمع إلى جزء من الحوار بينهما قبل أن يقول للأستاذ محجوب:”لمَ لا نجربه؟” وبالفعل اقتنع رئيس تحرير المدينة بالفكرة وباركها.
وحينها بدأ فهد بكتابة زاوية يومية في المدينة بعنوان”حول العالم”. يقول:” عملتُ مجانا لمدة ستة أشهر. لكن كنت سعيدا و مدينا للصحيفة التي فتحت صدرها لي”.
وكانت أول مكافأة يحصل عليها من المدينة ألفي ريال. وارتفعت المكافأة مع مرور الوقت إلى ستة آلاف ريال. وكتب في المدينة كمتعاون لمدة 10 سنوات. وكانت مقالته تتكون من نحو 500 كلمة.
في عام 2000 تلقى اتصالا هاتفيا من رئيس تحرير صحيفة الرياض، الأستاذ تركي السديري. وأبدى السديري خلال الاتصال رغبته في انتقاله إلى صحيفة الرياض وأشار إلى أن الصحيفة سوف تعطيه ضعف المكافأة التي يحصل عليها من المدينة رغم أنه لا يعرف حجمها، إيمانا بموهبته.
وقد نقل الزميل فهد العرض إلى الزملاء في المدينة، وانتظر إجابتهم لمدة 40 يوما من”باب الوفاء” على حد قوله قبل أن ينقل أمتعته ومقالاته إلى صحيفة الرياض التي أصبح حاليا أحد عناصرها المهمة.
الأحمدي لا يملك شهادة دكتوراه، لكن يملك موهبة حقيقية، وتجربة مطرزة بالكفاح والفشل والشغف جعلت مقالاته تستلقي على الصفحة الأخيرة لإحدى أهم الصحف المحلية في المملكة. فربما تحقق أنت وأنتِ ذات النجاح أو أكثر من خلال المزيد من الإصرار والطموح.

الأحد، 29 مارس 2020

كيف انتهت هذه الزاوية؟


طوال الــ28 عاما التي قضيتها في تحرير هذه الزاوية «من عام 1991 حتى 2019»، لم أعتقد يوما أنني على حـق.. كنت وما زلت على قناعة بأن الكاتب ليس معلما ولا حكيما، ولا يفترض به الحديث من برج عاجي، هـو فقط شخص يفكر بصوت مكتوب، ويعـبر عن رأيه علنا «مكره أخاك لا بطل».. تعبيره عن رأيه علنيا لـيس شجاعة، بـل طبيعة مهنة تجعله يعيش على كف عفريت، ويجذب إليه عداوات واتهامات يتقبلها كضريبة عمل.. الصحافيون والكتاب بالذات يدركون قبل غيرهم، أن الجماهير لا تتفق على رأي، وتميل إلى اتهام وتخوين من يختلف معهم في الرأي - ولا يتلقون آراء غيرهم بالنظرة والمستوى ذاتيهما.

أنا من جهتي؛ لا أستطيع الجزم بعدد العقول التي أثرت فيها، ولكن هناك إحصائية للدكتور أحمد الزمامي (نشرت بتاريخ 4 أكتوبر 2017 في صحيفة الرياض)، تشير إلى أن ما نشر في زاوية حول العالم يعادل 50 رسالة دكتوراه.. وحين انتقده البعض «كيف تقارن مقالات صحافية برسائل أكاديمية؟»، أشار إلى أن المقالات نشرت جميعها بنسبة 100 في المئة، وتأثر بمحتواها الناس، وتم تداولها في المواقع والمنتديات.. وفي المقابل، ظلت الثانية - في معظمها - حبيسة الأدراج، وغير مقروءة، ولا يتداولها الناس.. أنـا شخصيا؛ ابتعدت نهائيا عن هذا النقاش، ليس فقط لأن شهادتي فيه مجروحة، بل لأن ما يهمني أكثر هو شهادات القراء الذين يملؤون بريدي الإلكتروني أو يتعرفون علي في الشارع، ويتحدثون معي كصديق يعرفونه من سنين (بدليل تكرارهم جملة أصبحت تشعرني بالشيخوخة: كنت أقرأ لك من أيام الابتدائي)!!

غير أنني أخيرا قررت التوقف عن الكتابة اليومية، والتفرغ للتأليف، لأسباب يصعب قـولها حاليا..

وفي المقابل، أصبحت ثقتي كبيرة بمجال التأليف كوني نشرت حتى الآن تسعة كتب ناجحة (خلال ست سنوات فقط) رغم التزامي بكـتابة مقالين في اليوم.

وهذا يعني أنني لن أهجر الكتابة ذاتها، (فالكتابة عشق يرفض التقاعد)، ولكنني سأطل عليكم من خلال كتابين في الـعـام، وربما مقال أسبوعي أو شهري للتنفيس عن أفكار يصعب كبتها.. نعـم؛ ستغيب الزاوية بعد هذا المقال؛ ولكن الأفكار ذاتها ستستمر بصرف النظر عن وسيلة النشر. لدي قناعة بأن ما يستحق النشـر سيتولى الناس نشره بعفوية في الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي، لن أغيب (حتى لو أردت الغياب)؛ لأن الإنترنت تحولت إلى أرشيف أزلي، والشيخ جوجل يسترجع خلال ثوان مقالات كـتبتها قبل ربع قرن.

وبما أن هذا المقال هو آخر مقال لي في صحيفة الرياض، أجدها فرصة لتقديم اعتذاري من كل قــارئ أغضبته، أو اختلفت معه، أو أسأت إليه من دون قصد.

أتقدم بالشكر والعرفان للقراء الذين تابعـوا الـزاوية، وكبروا معها، وبقوا أوفياء لها.

للأساتذة والمسؤولين الذين منحوني ثقتهم في صحيفة المدينة، ثم جريدة الرياض، وساعدوني على نشر 9520 مقالا، وممارسة (أجـمل مهنة في العالم).

كيف بدأت هذه الزاوية؟


بعـد عامين من مراسلة الصحف ظهر أول مقال (من هذه الزاوية) في صحيفة المدينة بتاريخ 7 أغسطس 1991.. كان بعـنوان (انفجار سيبيريا) وكان عمري حينها 24 عاماً فقط. لم أستلم أي راتب طوال الستة أشهر التالية، رغم أنني كنت حينها عاطلاً عن العمل، ولكنني كنت سعيداً بظهور صورتي في صحيفة كبيرة. وبسرعة حققت الزاوية شعـبية كبيرة بفضل بعدها عن السياسة والهموم المحلية وتركيزها على الغرائب والشؤون العالمية (خصوصاً أنها ظهرت قبل ظهور الإنترنت في السعودية بتسع سنوات).. وفي الرابع من يونيو 1999 أثبت استطلاع رأي نظمته الصحيفة أنها تعـد ثاني أبـرز عنصر جاذب للقراء (بعد الصفحات الرياضية) فقرر رئيس التحرير نقلها إلى الصفحة الأخيرة ومنحني راتباً قدره ألفا ريـال.. في الشهر.

وفي أغسطس 2000 تلقيت عرضاً من المرحوم الأستاذ تركي السديري للعمل في صحيفة الرياض.. وافقت فوراً، ولكن بشرطين، الأول؛ أن أكون حراً ولا أداوم في مقر الصحيفة، والثاني أن تظهر الزاوية في الصفحة الأخيرة كما في صحيفة المدينة.. قال بكل ثـقة: مقالاتك أرسلها لنا بالإيميل، وزاويتك تناسب الطبيعة الخفيفة للصفحة الأخيرة.. لم يسألني كم راتبي ولكنه قال في نفس المكالمة: سنمنحك ثلاثة أضعاف راتبك في المدينة، ولكن الزاوية يجب أن تظهر بنفس العنوان في الرياض.. فرحت بالراتب، ولكنني كرهت الشرط الثاني لأن (حول العالم) كان عنواناً قديماً ومستهلكاً حتى في ذلك الوقت، ولم أختره بنفسي حين بدأت مغلوباً على أمري في صحيفة المدينة.

ودون شك، كان انتقالي لصحيفة الرياض علامة فارقة في حياتي المهنية.. أول مقال فيها ظهر يوم الخميس 21 سبتمبر 2000 وكان بعنوان "فيروس يلتهم قارة".. وفي عـام 2006 تم تفريغي لأصبح موظفاً رسمياً بكامل الامتيازات (وحدث ذلك متأخراً لأنني كنت أعمل حتى ذلك التاريخ مديراً للشؤون الإعلامية في إمارة المدينة المنورة).

كان الأستاذ تركي يؤمن بمبدأ تفريغ المواهب لقناعته بأنهم عـماد أي صحيفة ناجحة.. منح الصحفيين والكتّاب ليس فقط وظائف ورواتب رسمية، بل وأيضاً أسهماً في مؤسسة اليمامة ضماناً لـبقائهم فيها.. لم أطلب منه يوماً علاوة في الراتب، ولكنه كان يمنحني علاوات متقطعة كلما حضر مجلساً يشيد فيه الناس بزاوية حول العالم (حتى أصبحت قيمة مقالي اليومي في صحيفة الرياض، تساوي جميع مقالاتي خلال شهر في صحيفة المدينة).

قبل أن يتراجع إقبال الناس على الصحف الورقية؛ عـاشت زاوية حول العالم فترة تألق تؤكدها أعداد الزيارات والمشاهدات في موقع الرياض الإلكتروني.. خذ كمثال مقال (أين تستعيد محفظتك) الذي نشر بتاريخ (17 مايو 2010) وحقق 688,234 زيارة و764 رداً من القراء.. وفي عام 2008 نظم الموقع، بالتعاون مع وكالة الرياض للسياحة، جائزة للكتّاب الذين يتلقون أكثر عدد من الردود الشهرية، فنلت جميع التذاكر.. وحتى وقت قريب كان الموقع ينشر قائمة بالمواد "الأكثر مشاهدة" وكانت زاوية حول العالم تحتل المركز الأول في كافة أيام الأسبوع (ما عدا الأيام التي يفوز فيها الهلال على النصر).

غـير أنني بعـد 28 عاماً لم أتوقف فيها عن الكتابة اليومية (حتى أثناء إجرائي لعمليتين جراحيتين ووفاة ابنتي الصغيرة) قررت اليوم إحالة الزاوية للتقاعد.. وتفريغ الكاتب للتأليف.

تراجع الصحف الورقية ليس السبب الوحيد، ولكن لضيق المساحة سأخبركم في المقال المقبل بـالمزيد.. وسيكون آخر مقال من زاوية حول العالم.

ما تبقى من العالم


سئل عباس العقاد: لماذا تقرأ؟ قال: لأنني أريد أن أعيش أكثر من حياة..

ونفس الجواب تقريباً أقــوله لمن يطرح علي هذا السؤال: (لماذا تسافر؟)..

فأنا أسافر، ليس فقط بحكم المهنة، بـل لأنني أبحث عن تجارب ومواقف وخبرات مختلفة.. لن أنتظر سن التقاعد لأرى العالم، بل أريد أن أتقاعد وقد شاهدت كل العالم.. أعتبر نفسي محظوظاً أكثر من العقاد لأنني (بالإضافة لقراءة ألف كتاب) زرت 90 دولة، وتعاملت مع شعوب كثيرة، وشاهدت أغلب المعالم التي يراها الناس على التلفزيون.. وصلت لمرحلة أصبح فـيها (ما تبقى من العالم) أقــل مما شاهدته وسافرت إليه فعلاً..

ومن الرحلات والوجهات التي لم أزرها.. وأتـمنى زيارتها قبل وفاتي:

زيارة القدس الشريف (علماً أن معظم الناس يخلطون بين المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة الأكثر شهرة)!

ومن هناك أصعد لروسيا لأخذ (قطار سيبيريا) الذي يستغرق أسبوعاً في رحلته من موسكو إلى الصين!

وقبل القطار ربما أركب كاسحة الجليد التي تتولى فتح الممرات البحرية في القطب الشمالي (وللأسف لم أركبها حين زرت فنـلندا قبل أعوام)!

وكذلك ركوب زورق في النيل يبحر من القاهرة حتى منابع النهر في كينيا وأثيوبيا.

وكذلك الإبحار على خطى التايتانك في أضخم سفينة ركاب (كوين ماري2) من ليفربول حتى نيويورك!

وبعد أن حلقت فوق شلالات إجوازو في البرازيل أرغب بالتحليق بالهليكوبتر فوق شلالات آنجل أعلى شلالات بالعالم في فنزويلا..

وكنت في كتاب حول العالم في 80 مقالاً قـد تمنيت عبور قناة بـنما (وهي الأمنية التي حققتها في سبتمبر 2018) وبالتالي بقي قناة السويس وحلم العبور من البحر الأحمر للبحر الأبيض المتوسط!

وفي العام 2015 حققت حلمي بزيارة مضائق النرويج الغـربية، ولكنني للأسف لم أدخل الدائرة القطبية، وتراجعت عن رؤية أضواء الليل الملونة التي تشكلها الرياح المغناطيسية في تلك المنطقة!

ولأنني تراجعت أيضاً عن زيارة الأندلس مرتين (أثناء زيارتي المغرب العام 2009 وإسبانيا العام 2011) أرغب بتكرار المحاولة وزيارة آثار أجدادنا في قرطبة وإشبيلية وغرناطة!!

ورغم أنني زرت كوريا الجنوبية مرتين (2009 و2012) لم أزر كوريا الشمالية ولم أنجح في زيارة الحدود العسكرية الفاصلة بين البلدين (أكبر منطقة ملغمة في العالم)..

وأخيراً؛ أتمنى (بعد عودة الاستقرار لليمن) رؤية صنعاء القديمة وزيارة ناطحات السحاب الطينية بشبام حضرموت (التي تأتي ضمن قائمة التراث العالمي التابع لمنظمة اليونيسكو)!!.

الرياضة الوحيدة التي ستستمر في ممارستها


حين نمشي لأكثر من ثلاثين دقيقة يتملكنا شعور جميل بالهدوء والسكينة وحدة الذهن.. ليست تعبيرات مجازية بل أوصافاً حقيقية تساندها تجارب شخصية ودراسات علمية.. فالمشي السريع (مثل أي تمارين رياضية) يرفع نبضات القلب ويضخ المزيد من الأكسجين والسكريات للدماغ. تخيله كمحرك سيارة ترتفع قوته وسرعته، بارتفاع كمية البنزين والهواء التي تضخها داخله. هذا هو السر في حالة التألق الذهني (والكم الهائل من الأفكار الجميلة) التي نشعر بها خلال مشينا لفترة أطول وأسرع من المعتاد.

هناك دراسة دنماركية تفيد أن الإصابة بالزهايمر تقل بنسبة 30 % لدى الأشخاص الذين يمشون خمس مرات في الأسبوع لفترة طويلة.. فـالإصابة بالزهايمر لا تعود فقط لأسباب وراثية؛ كون الكسل وقلة الحركة مسؤولين عنه أيضاً بنسبة كبيرة.. دراسات كثيرة قارنت بين التوائم؛ حيث يفترض أن إصابة أحدهم بالزهايمر يعني تلقائياً إصابة الآخر به (بسبب تماثل العامل الوراثي) ولكن لوحظ في 21 % من العينات أن الأخ الآخر لا يصاب به كونه أكثر نشاطاً وممارسة للمشي - وأعتقد شخصياً أن النسبة أكبر من ذلك كون التوائم يتشاركون غالباً حتى في عاداتهم الصحية السيئة ونسبة 21 % تتعلق فقط بأخ شقيق خالف شقيقه ومارس رياضة المشي لفترة طويلة.

نأتي الآن لمشاعر الهدوء والسعادة التي تصيبنا بعد المشي لفترة طويلة.. ويعود السر إلى وجود مواد طبيعية مهدئة تفرز في الدماغ أثناء الحركة تجعل الإنسان في حالة مزاجية وذهنية ممتازة.. من هذه المواد هرمون الإندورفين الطبيعي الشبيه بالمورفين الذي يساعد على تخفيف الآلام ويعطي شعوراً بالراحة والسعادة. ويُعـتقد حـالياً أنه المسؤول عن حالة الشعور بالسعادة والغبطة التي يشعر بها العداؤون المنتظمون، ويجعلهم في حالة إدمان حقيقي على رياضة الجري والمشي الطويل.

لا يمكننا فعلاً حصر فوائد المشي على صحة الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة العقل والروح والجسد.. مقالنا اليوم اقتصر على دوره في تألق الذهن وهدوء النفس، ولم يتطرق لفوائده للقـلب والرئتين والعضلات والصحة عموماً.

لنكن صريحين؛

لن تمارس الرياضة.. ولن تستمر في النادي.. ولن تستخدم السير لأكثر من أسبوعين.. الشيء الوحيد الذي تستطيع الانتظام فيه هـو إيقاف السيارة والمشي لنصف ساعة في اليوم.

نظرتك الشخصية.. هل تستحق أن تكون محوراً للكون؟


نظرتنا للعالم (مثل بصماتنا) لا تـتشابه مع غيرنا مهما ادعينا.. لا يمكننا حتى نحن رؤيتها والتعبير عنها بمعزل عن الثقافة والبيئة والقوقعة التي نشأنا داخلها.. تعلمت أنا ذلك بفضل ثلاثة عقود من الكتابة اليومية ومتابعة ردود القراء المستمرة، فالناس لا يتقبلون الكاتب (ولا حتى يتقبلونك أنت) اعتماداً على المنطق أو الأدلة التي يقدمها (مهما كانت صحيحة وواضحة) بـل من خلال مبدأ "هل هو معنا أم ضدنا؟".. يتقبلونه أو يرفضونه بحسب مسافة اقترابه أو ابتعاده عـما ألفوه ونشؤوا عليه وظنوه حقيقة مطلقة!

آراؤنا ونتائج تفكيرنا هـي في النهاية (محصلة) لمؤثرات عميقة ولا واعية لا يدركها معظمنا.. محصلة لـثقافة وبيئة ودوافع توجهنا لـتبني آراء وأفكاراً نعتقد أنها فرض عين على الجميع. نادراً ما يخطر ببالنا احتمال تـشوه قراراتنا ونظرتنا للعالم من خلال الموروث والسائد والأفكار المقولبة وتجاربنا المشوهة (وليس العكس).

المشكلة ليست في تنوع شخصيات البشر واختلافاتهم الفكرية؛ بـل في محاولة كل فرد احتكار الحقيقة والصواب، ناهيك عن فشل كل طرف في اكتشاف نقاط تفرده وأسباب اختلافه عن الآخرين.. كل فرد (إلا من رحم ربي) يعتقد أنه فريد عصره ووحيد زمانه والمرجع الوحيد فيما يختلف عليه الناس ويخفى عليهم أمـره.. مشكلة البعض (التي يراها الجميع إلا هـو) قناعته بأن ما توصل إليه بعد ما يظنه تفكيراً واعياً وعميقاً هو الصحيح والسليم وما لم يسبقه إليه أحد من العالمين.

يجب أن ننطلق من اتفاقنا على وجود فرق بين (الحقيقة المطلقة) وما يعتقد كل إنسان أنه حقيقة مطلقة.. فنظرتنا للعالم شخصية وذاتية أفرزتها مؤثرات عميقة ومتقاطعة لا نعيها غالباً.. مؤثرات لم نخترها معظمها بإرادتنا، ولكنه انتهت بنا إلى تبني رأي موروث ومكرر - يفترض بالجميع الالتزام به.. نادراً ما يخطر ببالنا أن قراراتنا ونظرتنا للعالم هي التي تـشوهت بسبب ظروف ومفاهيم وأفكار ضيقة تحيط بـنا (وليس العالم هو الذي تشوه).

ولأن البشر نادراً ما ينجحون في مغادرة أنفسهم (ليروا العالم من الخارج بشكل غير متحيز) أعتقد أن أول متطلبات الخروج بالرأي النزيه والقرار الصائب هو الاعتراف بتعرضنا المسبق لكافة أنواع المؤثرات الضيقة.. الخروج أولاً من قوقعة الماضي والمعتاد والمسلم به، والاعتراف بأننا (محصلة نهائية) لظروف اجتماعية وثـقافية ونفسية أعقد مما نتصور.

فـقـط حين نعترف بهذه الحقيقة، يصبح همنا الأول ليس الدفاع عن آرائنا الخاصة، بـل التأكد من أننا لم نخدع أنفسنا ونتبنى آراء تم تشكيلها مسبقاً.. نصبح مهيئين للانتقال من مرحـلة (لماذا) لا يفعلون ذلك إلى (كيف) نتفهم بعضنا ونصبح أفضل من ذلك؟

كتب تطوير الذات.. هل هي مفيدة فعلاً؟


الكتاب علاقة نسبية بين القارئ والمؤلف، المؤلف (فـرد) يطرح قناعاته الخاصة، والـقـراء (مجموعة) تـتقبل كلامه بمستويات مختلفة.

لا يمكننا إصدار حكم مطلق على أي كتاب بسبب تفاوت تأثيره في القراء، فبعضهم يحبه لأن أفكاره تتطابق مع المؤلف، أو يملك استعدادا للاستفادة منه، والبعض الآخر لا يحـبـه؛ لأنه يختلف مع المؤلف، أو يدرك بسرعة عجزه عن الاستفادة منه.

حين يخبرك أحـدهم أنه لم يستفد من أي كتاب.. فصَـِّدقه؛ لأنه مثـل شخص لم يستفد من كتب الريجيم بسبب تمسكه بنظامه الغذائي القديم.. صدقه؛ لأن كتب الاستثمار (وبناء الثروة) لا تمنح الثروة لمن يخشى التخلي عن الـراتب والأمان الوظيفي.. صدقه؛ لأن كتب الرياضة وكمال الأجسام ليست هرمونات تـضمن للقراء نمـو الأنسجة والعضلات.

أنا شخصيا لدي رف كامل من كتب بناء الثروة، (أحتفظ بها من أيام المراهقة)، ولكنني لم أصبح ثريا؛ لأن اهتماماتي الفكرية ظلت دائما مقدمة على اهتماماتي المالية، أملك كتبا كثيرة عن "الكاراتيه" و"الكونج فو" و"كمال الأجسام"، ولكنني لـم أَنَل أي ميدالية رياضية؛ بسبب افتقادي الإرادة والإصرار على التمرين.

وأنت أيضا مثل الجميع، يمكنك أن تقرأ عشرات الكتب الرائعة عن الرياضة والريجيم، ولكنك لن تستفيد منها إن لم تكن مستعدا لممارسة الرياضة والريجيم، يمكنك أن تقرأ عشرات الكتب المتخصصة في الاستثمار وبناء الثروة، ولكنك لن تستفيد منها ما لم تملك إصرارا على بـناء مشروعك الخاص والتضحية براتب ينتهي قبل خروجه من الصراف.

والقاعدة نفسها تنطبق على كتب (تطوير الذات)، فإن لم تكن تملك الإرادة على التغيير، والاستعداد للتطبيق، فلـن تغيرك كل الكـتب والنصائح الرائعة، وفي المقابل، يمكن لنصيحة عابرة أو كتاب مهمل (اشتريته منذ سنين) أن يغيرك إلى الأفضل بمجرد امتلاكك الرغبة والاستعداد للتغـيير.

لا أخفيكم سـرا، قررت الكتابة عن هذا الموضوع بعد تسلمي إيميلا من شخص أشاد بكتاب "نظرية الفستق"، ولكنه قال في نهاية رسالته: "ورغم أهمية الأفكار في الكتاب، سيكون آخر كتاب أشتريه في تطوير الذات؛ لأنني اكتشفت أن هذه الكتب تنظيرية لا تفيد ولا تغير حياة الناس".

فهمت قصده فورا؛ لأنني شخصيا قرأت كثيرا من هذه الكتب (وبلغتها الأم)، ثم بدأت في مرحلة معينة أتساءل: وماذا بعـد؟ ما الذي غيرته في حياتي؟ ماذا استفدت من نظريات ونصائح جميلة في تطوير الذات؟

غير أنني في النهاية أكتشف حقيقتين مهمتين لم أستطع إنكارهما:

الأولى: أنني لـم أكن أملك الإرادة أو الاستعداد لـتنفيذ معظم ما جاء فيها (وحين لا تملك الإرادة لخفض وزنك، فلا ينفعك أي كتاب في الريجيم).

الثانية: أن عقلي الباطن، ومن دون أن أدرك، تشبع بأفكار ومبادئ جميلة وردت فيها، (ولكنني لم أدرك أنها غيرتني فعلا إلا في سن متقدمة).

وبناء على هاتين الحقيقتين، أصبحت على قناعة بأننا حين نـقرأ كتب تطوير الذات؛ لن نستفيد أو نطبق ما جاء فيها 100في المئة، ولكن مجرد إطلاعنا عليها يجعلنا أفضل بكثير ممن لم يقرأها أصلا.

أصبحت على قناعة بأننا (حتى حين نـنسى معظم محتوياتها) تترك في عقلنا الباطن آثارا عـميقة، ومبادئ حميدة تمتزج في شخصيتنا، وتظهر في كلامنا، ويلاحظها الناس في تصرفاتنا.

إذن؛ السؤال الحقيقي ليس هـل تفيدنا كتب تطوير الذات أم لا؟ بل؛ هــل نملك الاستعداد لتطبيق ما جاء فيها أم لا؟

وهـذه النقطة بالذات أشرت إليها في مقدمة كتابي السابق حين قـلت: "وتذكر دائما أن الكلمات تظل كلمات، حتى تتبناها أنت فتتحول إلى أفعال وتصرفات".

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...