الأربعاء، 27 يناير 2021

أعطني مخترعاً وخذ كل الأدباء

 تأمل كافة أوجة النعيم والترف الذي نعيشه في هذا العصر..

  • احسب معي عدد التقنيات والأجهزة التي نستفيد منها ونستعملها هذه الأيام..

  • تخيل حياتنا الحديثة بدون كهرباء وسيارة وكمبيوتر وهواتف نقالة وتقنيات إلكترونية..

  • اسأل نفسك كم مريضا سيتوفى لولا التطور الطبي وأجهزة الكشف والتصوير الحديثة!؟

  • تأمل كل ذلك ثم احسب كم ستخسر البشرية في حال توقف الملاحق الأدبية/ وكم ستخسر في حال توقف الجامعات التقنية ومراكز البحث العلمية!؟

.. تأمل كل ذلك لتدرك فائدة "التكنولوجيا" ومساهمتها في بناء وتشكيل التطور الحقيقي للبشرية..

وفي المقابل تأمل كافة التخصصات الثقافية والأدبية والتنظيرية لتكتشف أنها لم تضف لحياتنا غير المزيد من العزلة والفرقة والمزايدات الكذابة..

صحيح أن الإبداع الثقافي والأدبي والفني من طبيعة المجتمعات البشرية، ولكنه يصبح عبئا ثقيلا وعاملا مسيطرا يشغلنا عن التقدم المادي والتطبيقي الملموس..

فالشعر جميل ولكنه لا يشفي من جلطة أو سرطان..

والأدب رائع ولكنه لا يُحلي مياة البحر أو يطير لقارات العالم الخمس..

وقصص التراث ممتعة ولكنها لا تقف أمام الحقائق المذهلة تحت الميكروسكوب أو داخل المعمل.. أما العلوم التنظيرية فمتلازمة ذهنية - وظاهرة تاريخية - ولكنها لا تشطر الذرة ولا تصعد للفضاء ولا تحمي من صواريخ كروز!!

.. لا يضايقني وجود الأدب والثقافة والتنظير؛ بل يضايقني غرقنا فيها لدرجة أصبح طعامنا ولباسنا وتقنياتنا - وحتى حليب أطفالنا - بيد الأمم الأخرى..

لا يضايقني وجود الأدباء والشعراء والخطباء ولكنني فقط أراهم كالنخيل في بلادنا/ أكثر مما ينبغي مقابل اختفاء محاصيل استراتيجية مهمة!!

لماذا كل العباقرة لدينا أدباء، والمبدعون شعراء، والمثقفون أرباب كتابة ونثر وتنظير؟

إلى متى يستمر غرقنا في الأدب والتراث والعلوم النظرية البحتة؟

لماذا نتحدث دائماً عن المتنبي والجاحظ والعقاد والمعري والنابغة الجعدي ولا نعرف شيئاً عن علي مشرفة (عالم فيزياء نافس أنشتاين) ويحيى المشد (عالم ذره قتله الموساد) وسميرة موسى (عالمة نووية قتلت في أمريكا) وحسن كامل الصبّاح (الذي سجل اختراعاته في 13 دولة) أو حتى أحمد زويل (الذي لم نكن لنسمع به لولا السويد التي منحته جائزة نوبل)!!

.. في مقال بعنوان "هل يعيش العرب في العصور المظلمة؟" قلت ان مظاهر العصرنة التي يعيشها العرب اليوم (مظاهر كذابة) يمكن فضحها بمجرد تصور حالنا فيما لو تخلت عنا أمم الأرض.. تخيل مصيرنا مثلا في حال هاجرت الشعوب الى كوكب آخر وتركتنا وحيدين على كوكب الأرض مع علومنا النظرية وأفكارنا التنظيرية؟.. من أين نأتي بطعامنا ولباسنا وأدويتنا وسياراتنا وأجهزتنا الكهربائية - وجميع التقنيات التي نتفاخر بحملها اليوم!؟

.. من أجل هذا كله أقول بكل صراحة:

أعطني مخترعا وخذ كل الأدباء..

أعطني مهندسا وخذ كل الخطباء..

أعطني طبيبا وخذ كل خبراء الفن والكورة..

كم قتل العرب بأيديهم؟!

 

لو فتحت التلفزيون في أي وقت ستسمع خبرا ما عن تفجيرات طالت المدنيين في دولة عربية ما..

ولو وضعت في جوجل كلمة "تفجير" أو "تفجيرات" ستفاجأ بعددها الكبير في آخر عام فقط..

ستسمع وتقرأ عن تفجيرات طالت المدنيين في العراق واليمن وسوريا وليبيا ودول إسلامية متفرقة.. تفجيرات انتحارية ضد مواطنين غافلين ينتمون لنفس الديانة ويحملون نفس الهوية.. لا أعلم ماذا نسمي أفعالا كهذه غير إرهاب وحرابة وترويع للناس، ناهيك عن تشويه صورة الإسلام الذي تزعم الانتماء إليه.. لم انجح أبدا في فهم الهدف من تفجير سيارة في سوق شعبي أو انتحاري في موكب زفاف أو عزاء.. فهذا بالتأكيد ليس جهادا ولا استشهادا ولا بطولة من أي نوع.. فللجهاد شروط تمنعنا من قتل المسلمين الغافلين، بل وحتى المعاهدين من الديانات الأخرى.. وللاستشهاد مواقف بطولية ونماذج تاريخية لا يتضمن أيا منها تفجير غادر بين النساء والأطفال (ناهيك عن حرمة انتحار القاتل تحت أي حجة)!!

.. الواقع يقول إننا - عربا ومسلمين - أصبحنا نقتل من أبناء شعبنا أكثر بكثير مما يفعله العدو الأجنبي.

متى آخر مرة سمعت عن قتل إسرائيل لمدنيين في فلسطين؟.. وحين تفعل ذلك، كم يكون عدد المقتولين بالمقارنة؟

احسب معي كم قتلت أمريكا في العراق وكم قتلت القاعدة وبقية المنظمات المتطرفة في ذات البلد؟

كم عدد من قتلتهم عائلة الأسد خلال حكمها لسوريا مقارنة بمن سقطوا خلال الاحتلال الفرنسي نفسه؟

.. إن كنت لا تعلم فعلا سأخبرك بأن من يسقطون بأيدينا يفوق دائما من يسقطون بأيدي أعدائنا. على الأقل عداوة المحتلين واضحة وصريحة ويمكن مواجهتهم في الميدان، أما التفجيرات الانتحارية والمفخخة فأعمال غادرة وجبانة تأتي من أشخاص نشأوا بيننا، يتحدثون لغتنا ويلبسون مثلنا ويصلون في مساجدنا وبالتالي يصعب كشفهم قبل فوات الآوان.

ليس الجهل أو الفقر والطغيان من يفرز هذه الأعمال (ففي الهند فقر، وفي بورما طغيان، وفي أفريقيا تسود الأمية والجهل) بل هي الثقافة المشوهة والدعوات الضالة والمفهوم الخاطئ للجهاد..

يجب أن نعترف بأننا نملك ثقافة خاطئة ومفاهيم مشوهة تستهون بحياة الانسان (وتهتم بهوية القاتل لا هوية الضحية).. فإن كان القاتل أجنبيا نقيم الدنيا ولا نقعدها، وان كان عربيا أو مسلما غفر الله له ولموتى المسلمين.. فحين تقتل اسرائيل امرأة فلسطينية مسنة تأخذنا النخوة وتفور الدماء في عروقنا، ولكن حين تتقاتل الفصائل الفلسطينية فيما بينها ندير بكل بساطة قناة التلفزيون.

لماذا غضبنا حين أعدم عملاء الاحتلال صدام حسين ولم نتساءل عن ضحايا حملة الأنفال أو المليوني شاب الذين قضوا في حربه الغبية مع إيران (وأقول غبية لأنه وافق في نهايتها على العودة لذات الحدود القديمة بعد كل هذه التضحيات).

لماذا لم نغضب على القتلى والأرامل والأيتام الذين خلفتهم طالبان - طوال العشرين عاما - ثم نغضب بشدة لأن جنود التحالف حرقوا جثة واحد منهم.

وحين فعلت أمريكا ما فعلت في سجن أبو غريب اعتذرت بسرعة على لسان رئيسها بوش لأنها تدرك أننا نملك ثقافة تستهون بإزهاق الأرواح ولكنها تتشدد بكشف العورات/ وهو ما دعا رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي حينها إلى معاتبة جنوده بقوله: "لو قتلتوهم كان أهون"!!

.. وفي المقابل؛ تملك الثقافات الأخرى تقديرا كبيرا للنفس البشرية وتحمل هم الحفاظ عليها حتى في المعارك.. فانسحاب أمريكا من فيتنام مثلا سببه الأول ارتفاع نسبة الوفيات بين جنودها (رغم أنها لا تعد شيئا يذكر أمام خسائر الفيتناميين مثلا التي تجاوزت أربعة ملايين جندي). أما سر انتصار بريطانيا في جميع حروبها فيعود إلى اهتمامها بحياة جنودها وضمان الفوز مقدما بكل المعارك التي تخوضها (فهي ببساطة لا تخوض سوى المعارك التي تضمن نتيجتها وتخرج منها بأقل الخسائر البشرية كما شرحت في مقال قديم بعنوان: لماذا تنتصر بريطانيا دائما!؟)

.. على أي حال؛ هذه مجرد محاولة متواضعة لتصحيح المفاهيم ومراجعة الذات ومعالجة مصادر الخلل.. مجرد دعوة لتحكيم العقل وإخراس الفتنة وتعليم أبنائنا أن النفس البشرية هي أعظم ما خلق الله وأثمن ما وجد على سطح الأرض... والأهم؛ أن من قتلها فكأنما قتل الناس جميعا..

الثلاثاء، 26 يناير 2021

العيش بأجمل طريقة ممكنة

 هناك قصة مشهورة في التاريخ الأميركي بسبب غرابتها وصعوبة تكررها.. فأثناء الثورة الأميركية ضد البريطانيين، حلم القائد الأميركي «روبرت موريس» بأنه سيقتل أثناء زيارته لإحدى سفن البحرية في اليوم التالي. وقد أقلقه ذلك الحلم إلى درجة التفكير بإلغاء الزيارة، ولكنه قرر مصارحة مرافقيه وقـرروا سوياً اتخاذ «الاحتياطات» اللازمة كافة.. وهكذا تم إصدار الأوامر إلى كابتن السفينة بألا تطلق مدافع التحية أبداً حتى يعود إلى الشاطئ، كما تم اختيار الجنود بدقة شديدة ومنعهم من حمل أسلحتهم النارية المعتادة.. بــل تم تفتيش السفينة بالكامل وإزالة قذائف وبراميل البارود من على ظهرها.

وفعلاً انتهت الزيارة بسلام واستقل موريس وأعوانه أحد القوارب نحو الشاطئ.. وفي تلك الأثناء وبينما كان كابتن السفينة يراقب وصول القارب وقفت ذبابة على أنفه وحين رفع يده ليبعدها ظن أحد الجنود أنها إشارة البدء المعتادة لإطلاق مدافع التحية.. وهكذا امتدت يده تلقائياً وأطلق مدفعاً يملك داخله قذيفة منسية دمرت القارب الذي كان يستقله موريس وتسببت في تمزيقه لأشلاء أثناء نزوله للشاطئ!!

وكان الإمبراطور مينيليلك الثاني «مؤسس الدولة الإثيوبية الحديثة» يأكل صفحات من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم كلما شعر باعتلال في صحته.. كان رجلاً متديناً لدرجة القناعة بأنه بهذه الطريقة سيحصل على الشفاء «من أي كتاب مقدس» يرتضيه الله لـعباده.. وفي ديسمبر العام 1913 أصيب بـنوبة قلبية خفيفة قرر بعدها الوصول لمرحلة «الشفاء النهائي» فقرر ابتلاع فصول كاملة، فبدأ بالتوراة -كونها الأقدم نزولاً - وابتلع فصلاً كاملاً يدعى «سفر الملوك» فمات متسمماً بزئبق الحبر وفطريات الورق!!

هـاتان القصتان تؤكدان حتمية الموت من حيث لا نعلم - وحتمية الموت حتى لو كنا داخل بروج مشيدة.. وكلا القصتين تذكرنا برواية شعبية مشهورة عن رجل يدعى خيطان، كان يخاف الموت لدرجة شغله عن الحياة.. قرر اتخاذ الاحتياطات اللازمة كافة للهرب من ملك الموت، فكان لا يرى ميتاً محمولاً على نعش إلا ويذهب ويسأل عن سبب وفاته.. وهكذا تجنب إشعال النار، والاقتراب من الآبـار، والصعود إلى سطح الدار.. تجنب أكل السمك، والسفر في الصحراء، والخروج في الليل، والذهاب لمسجد الحي؛ لأنه سمع أن الأول مات اختناقاً، والثاني غرقاً في بئر، والثالث سقط من سطح داره، والرابع غص بشوكة، والخامس مات عطشاً، والسادس أكلته الذئاب، والسابع مات بسبب مريض سعل في المسجد.

وذات يوم مرت من أمامه جنازة فـسأل عن سبب وفاته فـقـالوا لـم يكن به شيء كان معافى صحيحاً ولكنه نام ولم يستيقظ، فــتأوه وقال هذا «وجع خيطان» فـغـدت مثلاً بين أهـل نجــد «وأفترض في النهاية أنه مات في فراشه كما يموت البعير».

وبما أنك تذكرت الآن خالد بن الوليد، تذكر دائماً أن هناك حالة معاكسة تماماً لما حدث للسـيد خيـطـان.. حالة أشخاص لا يخافون الموت ولا يهابون الهلاك، ومع هذا ينجون من الموت مرات ومرات ويموتون في النهاية على فراشهم بكل رضـا وسكينة وراحة بـال.. أبرز النماذج المعروفة في تراثنا العربي سيف الله المسلول الذي قال على فراش الموت: (ما من موضع شبر في جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء)..

.. ماذا نستفيد من هذه القصص الثلاث؟

  • أولاً: إن الموت محتم فلا تشغل بالك به..

  • وثانياً: إن الحياة قصيرة فلا تشغل بالك بها أيضاً..

  • وثالثاً: إنك لا تملك غير اللحظة التي تعيشها.. فـحاول عـيشـها بأجمل طريقة ممكنة..

الخميس، 21 يناير 2021

جائزة الجودة الوطنية

 مـا لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه .. وما لا يمكن الحكم عليه، لا يمكن تطويره مستقبلا.. 

ولهذا السبب تحتاج الدول إلى معايير جـودة "وطنية" تشعل روح المنافسة وترفـع مستوى منشآتها بشكل دوري.. بدون ذلك يخـتفي الحافر، ويخـف الدافع، وتثبت الإنجازات على مستواها السابق.. والثبات في هذه الحالة يعـني التراجع والبقاء في ترتيب متأخر بسبب اختفاء معايير الجودة ذاتها...

معظمنا يخلط بين تفوق الدولة (العسكري والاقتصادي) وتفوقها النوعي (على مستوى الشعب والأداء المؤسسي).. 

لـو طلبت من الناس حولك وضع ترتيبا بـأعظم الدول في العالم سيختار معظمهم : أمريكا وروسيا والصين ــ وربما فرنسا أو بريطانيا.. ولـكـن لو سألتني شخصيا سأختار: سويسرا والسويد وهولندا ــ وربما ألمانيا أو اليابان ..

سـيختار معظمنا الدول الأولى لأنها جمعت بين التفوق الصناعي والعسكري، مع عدد سكان كبير وناتج قومي ضخم.. 

ولكن إذا نظرنا للموضوع بميزان التفوق النوعي (للفرد ومؤسسات المجتمع) نكتشف تفوقا واضحا لسويسرا والسويد وهولندا .. فهذه الأخيرة تـملك عدد سكان أقل بكثير؛ ومع هذا تتفوق من الناحية التعليمية، والصحية، والناتج الاقتصادي للفرد. أطلق عليها شخصيا (الدول النوعية) كونها تتفوق على الدول الأكبر منها حجما من حيث جودة خدماتها والناتج الإبداعي لسكانها (بدليل نيل سويسرا 27 جائزة، والسويد 30 جائزة، وهولندا 21 جائزة من جوائز نوبل، لعدد سكان لا يزيد عن مدينة نيويورك)!!

ولهـذا السبب كنت من أكثر المتفائلين بالنتائج المستقبلية لجائزة الملك عبد العزيز للجودة منذ إنشائها (والتي رعـى خادم الحرمين الشريفين يــوم الإثنين الماضي حفل توزيع جوائزها في دورتها الخامسة).. 

فـبصرف النظر عن الجهات الفـائـزة (التي شهدت تتويج 27 منشأة) ما يهمني كمواطن هـو أنها ارتقـت فعـلا بمعايير الخدمة التي تقدمها للفرد، والمجتمع، والوطن كـكل. أثبتـت التزامها بمعايير الجـودة التي يفرضها برنامج التحول الوطني 2030 ، ونـالت بذلك اعـترافا رسميا من خلال فوزها بـجائزة تحمل اسم المؤسس.. 

أمــا الأجمل من الجـائزة نفسها ، فهو انتقال قطاعاتـنا الوطنية من مرحلة التصريحات والبيانات التنظيرية، إلى مرحلة الاحتكام لمعـايير جـودة مسـبقة ترفـع أدائها .. وترفعنا معها لمستوى "الدول النوعية" في العـالم ...

الخميس، 14 يناير 2021

فرصتك الثالثـة

 باستثناء وفـاة والدك المليونير بطريقة مفاجئة، لا يوجد شيء يدعى ثروة مفاجئة.. حتى تذاكر اليانصيب المخادعة، يـقـل احتمال فوزك بها عـن إصابتك بصاعقة رعـدية.. مرتين في اليوم.

البناء التقليدي للثروة يـبدأ بـالادخار، ثم الاستثمار، ثم استثمار الأرباح بطريقة مركبة فوق رأس المال - طبعا مع شيء من الحظ والتواجد في الظروف المناسبة.
وهذا يعني أن بناء الثروة "حتى مع الحظ والظروف المناسبة" يستغرق وقــتا طويلا.. يتراكم طبقة فوقف أخرى بحيث "في حال بدأت في سن الشباب" لـن تصبح ثريا قـبل سـن الـ40. لهذا السبب، أنصح "الموظفين في الأرض" بالتفكير في مصيرهم، ليس في سن الشباب، بــل في سن التقاعد وصعوبة عيشهم بالمستوى نفسه - خصوصا بعد 40 عاما من التضخم وتآكل المدخرات.
في الدول المتقدمة توجد "صناديق تقاعد مستقلة" هدفها صنع ثروة مناسبة لمن يصلون لسن التقاعد.. أما في مجتمعنا المحلي، فالشائع هـو التفكير في الثروة دون عمل شيء أصلا.. والأسوأ من هذا، أنك حين تحدث أحدهم عن أهمية الاستثمار "لـ20 أو 30 عاما" يستكثر المشوار - ويخبرك صراحة بأنه طريق طويل لن يسير فيه من الآن!
لا أعلم كم وصل عمرك اليوم، لكن أن تبدأ متأخرا خيرا من أن لا تبدأ أبدا.. هذه هي "فرصتك الثانية" قــبل أن تصل إلى ســن يصعب فيه الرجوع إلى الخلف.. لا يوجد أبدا سـن متأخرة للاستثمار "حتى لو بـ500 ريـال شهريا تشتري بها بضعة أسهم"، لأن الانتظار لعام إضافي يخفض من أرباحك المركبة بعـد سن التقاعد. أما في حال اقتربت أصلا من سن التقاعد، فــلا يجب أن تنسى أعضاء أسرتك ومن سيعيشون من بعدك.
هــذه هي "فرصتك الثالثة" حتى لو اشتعل الرأس شيبا وبدأت ترى ملامح والدك في المرآة.. لا يجب أن تنسى الاستثمار لمصلحة أطفالك، لأن العمر لا يزال أمامهم طويلا - ولا تريد أن يتكرر الخطأ نفسه معهم.
لا تعتذر بقلة الراتب في أي مرحلة من حـياتك، فجميعنا يـعرف أنه يتبخر قبل منتصف الشهر.. ولكن، قبل أن يحدث هذا، خصص فـور تسلمه جـزءا منه لشراء أسهم قيادية أو وحدات استثمارية ناجحة.. لا تحتاج إلى مبلغ كبير لـتطبيق الفكرة، كونك لا تعـلم كم ستعيش - وكون ابنك الصغير يملك أعواما طويلة قبل أن يحتاج إلى المال.
"فرصتك الثالثة" هي الفترة التي يكبر فيها أبناؤك، ولا توجد فرصة رابعـة بعـدها.. إن فـاتت عليك هذه المرة أيضا سـتصل إلى سن التقاعد، ليس فقط براتب يقـل عن راتبك السابق، بــل وبـأبـناء تعجز عن مساعدتهم في سن الشباب.

https://www.aleqt.com/2021/01/14/article_2012031.html

الخميس، 7 يناير 2021

طبقتك المالية

 هـناك ثلاث كلمات يمكنها تحديـد مستقبلك المالي هي: "الأصول" و"الخصوم" و"الممتلكات"...

- الأصــول: هي أملاك ومقـتنيات تـدر عليك المال (كـعقار تجاري أو أسهم ذات عـوائد).
- والخـصوم: وهي الاحتياجات والرغبات التي تـأخذ منك المال (كشراء سيارة إضافية أو القيام برحلة إلى جزر المالديف)...
- أما الأمــلاك: فليست أصولا مدرة للمال ولكنك تحتاج إلى اقتنائها لتعيش (كالمنزل الذي تسكنه والسيارة التي تحتاجها فعلا).
.. إن أردت أن تكون غنيا ركز على امتلاك الأصول، وقـلل من الخصوم، واختصر من الأملاك.. فـالأولى تضع المال في جيبك، والثانية تخرج المال من جيبك، والثالثة ترهقك ماديا.. إن كان أسلوب حياتك يتمحور حول المشتريات والاستهلاك فقط، ستظل طوال عمرك ضمن الطبقة الفقيرة والمتوسطة ــ وهاتان الطبقتان بالذات تشكلان معظم المجتمع، لأن صرف النقود، أسهل دائما من تحصيل المال.
الاستثمار في الأصول هو السر، الذي تتناقله العائلات الثرية، والجهل بأهميته هـو مشكلة العائلات الفقيرة، والحقيقة الغائبة عن العائلات المتوسطة.. في كتاب (الأب الغني والأب الفقير) يقســم روبرت كواساكي عائلات المجتمع إلى ثلاث فئات:
- العائلات الفقيرة: قد تحصل على راتب أو دخل شهري تشتري به احتياجاتها الضرورية، ولكنها لا تشتري أصولا تدر المال ولا تدخر أو تتخلص من الديون ثم تنتظر الدخل نفسه لاستهلاكه دون ادخار أو استثمار..
- العائلات المتوسطة: تستلم الراتب أو الدخل الشهري تشتري به احتياجاتها الضرورية، ولا تشتري أصولا تدر المال، ولكنها تدخـر وتسدد ديونها بانتظام ثم تعود لانتظار الدخل نفسه لاستهلاكه دون ضغوط مالية كبيرة.
- العائلات الثـرية: تحصل على المال من عدة مصادر، وتشتري احتياجاتها مثل الجميع، وتشتري أيضا أصولا إضافية تدر مزيدا من المال، وبالتالي لا تحتاج إلى الادخار أو الاستدانة كونها تستثمر بانتظام، وهكذا ترتفع مداخيلها باستمرار بفضل الأصول الجديدة والأموال، التي تعمل بالنيابة عنها.
وقد يقول البعض، ولكن كيف يمكن للعائلات الفقيرة أن تستثمر أو تشتري أصولا مدرة للمال كالعائلات الثرية؟
سـأقـدم لك جـوابيـن:
الأول: أن الأصول لا تعني بالضرورة شراء أملاك مكلفة تعجز عنها المدخرات البسيطة (فالذهب الذي كانت تشتريه أمهاتنا، والأسهم يمكنك شراؤها بأقل من 50 ريالا بمنزلة أصول ترتفع عاما بعد عام).
والثاني: أن الاستثمار، بعكس التجارة، لا يتطلب خبرة طويلة أو مزاولة مباشرة، ويمكن أن يحدث في أي ســن (فالمستثمر المعروف وارن بافيت الذي اشترى أول سهم في حياته من مصروفه المدرسي).
صحيح أن العائلات الثرية يمكنها شراء أصول أكبر وأغـلى، ولكن لكل شيء بدايــة، وأمام كل صغير عمر طويل للنمو .. وفي جميع الأحوال يا صديقي، أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبــدا..

https://www.aleqt.com/2021/01/07/article_2007491.html

الخميس، 31 ديسمبر 2020

من يكسب أثناء الخسارة؟

 ليس سـرا أن انهيار سوق الأسهم لا يعني خسارة الجميع ــ ولا يعني عدم تحقيق البعض أرباحا مجزية.. فحين انهار مثلا مؤشر السوق السعودية 2006 إلى أقـل من النصف (وهو أعظم أكبر انهيار في أسواقنا المالية) اتضح بسرعة أن هناك من حقق أرباحا ضخمة بفضل بيع استثماراتهم في المستويات العليا. أصحاب الأموال الضخمة، ومن يوجهون السوق (ومن نصفهم اختصارا بالهوامير) هـم أعظم فـئة تحقق أرباحا طائلة بعد كل فقاعة، لأنهم ببساطة من يتسبب فيها، أو على الأقـل أدرى الناس بموعد وقوعها ــ كما أثبتت فقاعة الإنترنت والرهن العقاري في أمريكا.

وبـعـد هــؤلاء، هـناك فئة أقـل تأثرا وتأثيــرا يمكنها تحقيق مكاسب متوسطة بعد كل انهيارــ أو على الأقل البقاء دون خسارة كبيرة.. هؤلاء هم المستثمرون الصغار (مثلي ومثلك) الذين يمكنهم تجاوز موجات الانهيار بفضل نفسهم الطويل وعــدم خروجهم من السوق مع أفواج الخارجين. من يستثمرون على مدى طويل قــد تنخفض أسهمهم (مؤقتا) من حيث قيمتها، ولكن ليس من حيث عددها.. يمكن تشبيههم بسيدة اشترت عشر أساور ذهبية بسعر معقول.. في حـال باعتها وقت انهيار الأسعار (ستخسر بكل تأكـيد) ولكن، في حال احتفظت بها سيظل عددها دون تغيير (عـشر أساور) تظل في حوزتها حتى ترتفع مستقبلا.. أو تعود على الأقل إلى سعرها السابق.
لا يتسع المجال لإخباركم بتجاربي الشخصية، ولكن دعوني أضرب لكم مثلا بأسهم بـنك الراجحي التي طرحت لأول مرة 1989 بسعر 100 ريـال للسهم.. من اشترى (وقت الاكتتاب) ألـف سهم بـ 100 ألف ريـال وصلت قـيمة أسهمه في 2007 (أي بعد عــــام من انهيار السوق) إلى 13 مليون ريــال.
أيضا من استثمر في البنك السعودي للاستثمار في العام نفسه (1989) وبالمبلغ نفسه وصلت قيمة أسهمه في 2007 (أي بعد عـــــام من سنة الانهيار) إلى 17.2 مليون ريــال.
وهذا يعـني أن من استثمر لأطفاله بمبلغ 100 ألف ريـال حـقق لهم خلال 18 عاما فقط (وعلى الرغم من انهيار سوق الأسهم 2006 إلى النصف) ثــروة تقدر بالملايين. وهذه الأرقام تثبت نجاعـة وصلاحية فكرة الاستثمار على مدى طويل ــ وفشل فكرة المضاربة السريعة والهرب بعـد كل انهيار صغير. الاستثمار على مدى طويل هو ما أنصح به (المستثمر المواطن)، كونه يرتفع فوق الفقاعات والانهيارات كافة، وأي خسائر محتملة على المدى القصـير.
وبناء عليه، فكر يا صديقي على مدى طويـل.. إن لم يكن من أجل تقاعدك، فمن أجل أطفالك حين يصبحون في ســن الشباب.

https://www.aleqt.com/2020/12/31/article_2002776.html

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...