الأربعاء، 11 مارس 2020

العملية التي سيجريها الجميع مستقبلاً


السمنة والبدانة تحولتا إلى وباء عالمي تتشارك فيه الدول الغنية والفقيرة على حد سواء.. ونسب السمنة المرتفعة لدى الأجيال الجديدة تثبت فشل فكرة "الريجيم" من أساسها وصعوبة انتصار الإرادة البشرية على إغراءات الأغذية المتوفرة هذه الأيام.. حتى لأكثر الناس فقرا..

وبناء عليه أتساءل إن كان الحل يكمن مستقبلا في تجاهل فكرة الريجيم المؤقت وأكاذيب الإرادة وكتب الأوهام، واللجوء لعمليات جراحية سريعة وفعالة ودائمة المفعول..!؟

فعمليات جراحية مثل "شفط الدهون" و"تصغير المعدة" و"تقصير الأمعاء" أصبحت تقدم اليوم فوائد سريعة ومؤكدة بعيدا عن ذلك الشيء البغيض المسمى "إرادة"..

في الماضي؛ كان يعيبها تكلفتها المرتفعة وخطورتها النسبية ووقتها الطويل وقلة المتخصصين فيها.. غير أن هذا كله تغير الآن بحيث أصبحت أقل كلفة وأكثر أمانا ولم تعد خطورتها تزيد على معظم العمليات التي تتم اليوم بالمنظار.. وهناك إحصائية أميركية تشير الى أن عدد الخاضعين لعمليات قص وطي المعدة ارتفع من 20,000 مواطن في عام 1996 إلى 277,600 مواطن في عام 2014. وهذه القفزة الهائلة تنبئ أن هذه العملية بالذات في طريقها للتحول لإجراء شعبي تنخفض معه تكلفة الإجراء وترتفع بفضله خبرة الأطباء - وأتوقع مستقبلا أن تتحول الى مجرد إجراء طبي عادي لا يختلف عن زيارة طبيب الأسنان أو أخذ قياسات النظارة!

وأكثر أنواع العمليات الجراحية شيوعا هذه الأيام هي:


وضع حزام حول المعدة بحيث يشعر الانسان بالشبع والامتلاء بعد تناول كميات صغيرة من الطعام..


وتحويل مسار الأكل بحيث يتجاوز معظم المعدة ويذهب الى الأمعاء مباشرة (وهي طريقة فعالة لذوي السمنة المفرطة).


وتكميم المعدة بحيث يُقص ويزال جزء كبير منها يصل الى 85%


أو طيها (كما تطوي كيسا ورقيا) بحيث يصغر حجمها دون الحاجة لقصها..


وكذلك ضع بالون داخل المعدة؛ بحيث يصغر تجويفها وقدرتها على استيعاب الطعام.

.. وجميع هذه العمليات تهدف إلى الحد من قدرة الجسم على امتصاص الطعام وخفض الوزن بشكل طبيعي (وهي بالتالي تختلف جذريا عن عمليات إزالة الشحوم الموجودة أصلا وتعرف بشفط الدهون).. وباستثناء تحويل مسار الطعام تعد بقية العمليات بسيطة نسبيا ويمكن إجراء كثير منها بالمنظار..

وهي ليست فقط أقل خطرا من بقاء السمنة المفرطة، بل ولها نتائج صحية مفيدة للفرد والمجتمع على حد سواء.. ففي أميركا مثلا اتضح أن عمليات تصغير المعدة حمت الخاضعين لها من معظم الأمراض المرتبطة بالسمنة وزيادة الوزن؛ فحسب مجلة "نيوانجلند جورنال أوف ميدسن" خفضت هذه العملية من وفاة البدينين بنسبة 40% ومن الوفاة بسبب السكر بنسبة 92%. وفي دراسة ثانية قامت بها جامعة يوتا ونشرتها نفس المجلة اتضح أن هذه العملية خفضت نسبة الوفاة لدى البدينين لأكثر من 29% مقارنة ببدناء لم يجروها خلال نفس الفترة من العشر سنوات الماضية!
أيها السادة..

قريبا جدا ستصبح عمليات تصغير المعدة (بمختلف طرقها) إجراء طبيا شائعا مثل عمليات تقويم الأسنان التي تجريها فتياتنا هذه الأيام.. وحينها فقط ستتراجع كتب الريجيم وترتفع حسابات الأطباء المتخصصين.

قبل أن تملأ عربتك


قبل أيام كنتُ في السوبر ماركت حين وقفت أمامي عربتان مليئتان بالطعام.. الأولى تغلب عليها المعلبات والمجمدات والعصائر والمشروبات الغازية ويقف خلفها رجل سعودي.. والثانية لرجل (خمنت أنه سوري أو لبناني) تغلب على عربته الخضروات الملونة والفواكة الطازجة والفطائر الساخنة ناهيك عن اللبنة والزيتون والجمبري..

ومن أول نظرة خمنت أن عائلة الأول تتناول الكثير من المواد الحافظة، والنكهات المضافة، والعناصر الكيميائية المصنعة، وكميات هائلة من الأملاح والسكر - في حين تكاد تسلم عائلة الثاني من تناول كل هذه الإضافات..

وبطبيعة الحال لا ينكر أحد أهمية حفظ الطعام من خلال تعليبه وتجميده وتمليحه (ناهيك عن غليه ثم تبريده) ولكنني شخصيا لا أتوقع حدوث كل ذلك بلا ثمن..

فالأطعمة المصنعة تتعرض لعمليات تكرير كيميائية وحرارية وإضافات لتحسين الطعم ومقاومة البكتيريا وحفظها لوقت أطول على رفوف المتاجر.. فالعسل كمثال يفقد الكثير من ميزاته الغذائية حين يتعرض لعمليات حفظ تعتمد على حرارة عالية تفكك عناصره الداخلية وتدمر الفيتامينات الموجودة فيه بل وتثبط الأنزيمات المفيدة في عملية الهضم ذاتها..

والأنزيمات كما هو معروف مواد طبيعية توجد في الأغذية الطازجة كي تساعد على هضمها والاستفادة منها بأفضل طريقة ممكنة. فحين نتناول عسلا طبيعيا أو تفاحة طازجة لا نتناول فقط نسبا متوازنة من الفيتامينات والمعادن بل وأنزيمات قادرة على هضمها بالذات!

.. أما اللبن فيتميز باحتوائه على كافة العناصر الغذائية المفيدة بالإضافة الى تركيز مضاعف من حامض اللبنيك وفيتامينات B، كما يتضمن بكتيريا مضادة لتسمم الخلايا ومنشطة لجهاز المناعة والغدد الليمفاوية بالإضافة الى أحماض عضوية تطرد سموم الأمعاء وتحمي من بعض أنواع السرطان.. ولكن المشكلة أن عمليات الحفظ والتعليب تغير نسب الأحماض وتقتل البكتيريا الحميدة في اللبن طمعا ببقائه في المتاجر لوقت أطول!

.. والأمر في الحقيقة لا يقتصر على الحرارة والمواد الحافظة وعمليات التعليب القاسية، بل وأيضا في ابتعاد "المسمى" عن المحتوى.. فالسمك الطازج مثلا يتضمن زيوتا طبيعية مفيدة للصحة والقلب والبصر وتلعب دورا مهما في مقاومة الكوليسترول الضار بالشرايين. غير أن قسما كبيرا منه يباع هذه الأيام بشكل قوالب وأقراص للساندويتشات أو أصابع للقلي تتضمن الكثير من بقايا السمك والملح والبقسماط والعظام المطحونة والزيوت المضافة (وقل الشيء نفسه عن أقراص الهامبرجر التي تتضمن بقايا الحيوان والكثير من الملح والغضاريف)..

.. أما الحبوب الكاملة فحين تتعرض للتصفية والتكرار (وتزال قشرتها الخارجية السمراء) لا يبقى منها غير قلب نشوي نستهلكه بشكل معجنات أو خبز أبيض فقير المحتوى.. والحبوب المصنعة بهذه الطريقة ليست فقط فقيرة بالفيتامينات والمعادن بل ويتشكل معظمها من "الكربوهيدرات" التي تتحول في الجسم الى سكر يرهق البنكرياس ويسبب السمنة (كونه يتحول بسرعة الى شحوم تتراكم في الجسم)!

.. وهذه النماذج الغذائية مجرد مثال على أغذية كثيرة فقدت حياتها بسبب عمليات التكرير والتعليب وإضافة المواد الإصطناعية. ورغم أنها تصبح أكثر لذة وإغراء بعد تصنيعها (لدرجة يصعب إقناع أطفالنا بتناولها طازجة) إلا أنها ميتة بالفعل وخالية من العناصر المفيدة ومثخنة بالمواد الغريبة!

.. وبطبيعة الحال يصعب اليوم إقناع أحد بالتخلي عنها، ولكننا على الأقل قادرون على تغيير كفة الميزان بالتدريج لصالح الأطعمة الطازجة.. وتلك التي خلقها الله كما هي..

الأمم.. معادن


بالتأكيد لم يخلقنا الله سواسية.. تأمل أرزاق الناس، وصحتهم، ومواهبهم، وذرياتهم، تكتشف أن فيهم السعيد والمحظوظ، والمنحوس والمتعوس - وأيضا خائب الرجاء -.. البعض لا يفعل شيئا كي يصبح سعيدا ومحظوظا، والبعض الآخر يفعل كل شيء ومع هذا يظل تعيسا ومنحوسا - في حين لا تنجح سوى القلة في قلب المعادلة والصعود لقمة الهرم..

والأمر نفسه ينطبق على الأمم والشعوب والمجتمعات.. فبينهم السعيد، والمحظوظ، والبائس، والخائب؛ وكانوا بين ذلك طرائق قددا.. وصلوا لوضعهم الحالي عبر مسيرة تاريخية طويلة وعوامل متقاطعة كثيرة.. عوامل تاريخية وجغرافية وثقافية ودينية رفعت أو خفضت مجتمعات بأكملها دون حول منها ولا قوة.. فهناك مثلا عوامل جغرافية جعلت بعض الدول بلا جيران يعادونها (كنيوزيلندا وإيسلندا) وأخرى يحيط بها الأعداء من كل جانب (كالعراق وأستونيا)..

عوامل تاريخية جعلت بعض المجتمعات تعيش في الماضي (وتجتر منه حلولا فاشلة للمستقبل) ومجتمعات أخرى لا تملك تاريخا عميقا (كأميركا وكندا) أو رمته خلف ظهرها (كألمانيا واليابان) فانطلقت نحو المستقبل دون قيد أو شرط..

فروقات ثقافية إما تشجع على الكسل والاتكالية والاستسلام (كمعظم شعوبنا العربية) أو على العمل والانجاز وسرعة اللحاق بالآخرين (كتايوان وكوريا الجنوبية حيث يملك معظم المواطنين براءة اختراع)..

فروقات دينية جعلت بعض الدول في عصرنا الحالي تعيش خلافات مذهبية وصراعات طائفية وحوادث إرهابية، وهناك دول علمانية دستورية تعيش أيضا في عصرنا الحالي ولكنها تجاوزت مرحلة الحروب الطائفية منذ العصور الوسطى..

فروقات معقدة وعوامل متقاطعة تجعل كل أمة بمثابة حقيبة دبلوماسية يصعب تخمين أرقامها السرية أو حتى فهم طريقة تفكيرها.. فنحن مثلا يصعب علينا فهم الثقافة الغربية حين يتعلق الأمر بالجنس وحرية التعبير وانتقاد الأديان.. وفي المقابل لا يفهمون هم سبب موقفنا من المرأة، وتقديسنا للرموز الدينية، وحصرنا الفساد في دائرة الجنس (وليس في نهب الأموال العامة مثلا)..

ويمكن القول باختصار إن معظم الآراء تحصر عوامل التقدم والتخلف في أربعة عوامل رئيسية هي الموقع الجغرافي، والمزاج الشعبي، والتوجه الفكري، والموروث التاريخي والديني..

أما العوامل الخارجية (من غزو واستعمار ومؤامرات دولية) فتأتي كآخر وأضعف العوامل المؤثرة في انهيار أي أمة.. فالغزو الخارجي لا يأتي إلا بعد الانهيار الداخلي.. بعد أن تحتضر الأمم فكريا، وتتفكك اجتماعيا، وتتناحر طائفيا فتأتي حينها رصاصة الرحمة من الخارج (بشكل مغول أو تتار أو جيوش استعمار تكتسح أمامها بقايا الناس والحضارات)..

حين تسمع أحدهم يُعيد تخلف أمته إلى "المؤامرات الخارجية" فهذا بحد ذاته اعتراف ضمني بضعفها وانهيارها وقدرة الآخرين على تحديد مصيرها.. فالذباب ببساطة لا يتجمع إلا على الأجساد الساكنة..

وكي لا تتحول مستشفياتنا لغرفة مقاصة للميكروبات


تحدثت في آخر مقال عن "عدوى المستشفيات" وطالبت فيه وزارة الصحة بمزيد من الحزم والجدية في محاسبة المقصرين بمسائل التعقيم ومكافحة العدوى (كي لا يتكرر ماحدث مع فيروس الكورونا في عدد من مستشفيات الرياض)..

كما يجب أن تضع قوانين لمحاسبة من لا يلتزم بمعايير الجودة العالمية للمستشفيات (التي تدعى اختصارا جي سي آي) وسبل مكافحة الوفيات المرتفعة بين المرضى (بسبب التهاون في الاجراءات التي سنذكرها تاليا)..

.. وكان "معهد العناية الصحية" في أميركا قد أطلق حملة لإنقاذ حياة 100 ألف مريض يموتون سنويا بسبب العدوى والتقصير وعدم الجدية في التعقيم.. ومن أهم الإجراءات التي أكد عليها وعلى الجدية في تطبيقها مايلي:

1- الإجراء الأول: (مكافحة التهاب الرئة الناجم عن استعمال جهاز التنفس الاصطناعي).. فاستعمال هذا الجهاز كثيرا ما يؤدي الى التهابات رئوية قاتلة ينظر إليها حتى الأطباء كقدر يصعب تلافيه. غير أن تبني إجراءات بسيطة (مثل رفع مستوى الرأس والإخلاص في تنظيف فم المريض وتعقيم أنبوب التنفس ذاته) من شأنه تخفيف نسبة الالتهابات القاتلة حتى 65%..

2- الإجراء الثاني: (منع الالتهابات الناتجة عن القسطرة الوريدية).. فهذه القسطرة المسؤولة عن إدخال الدواء والغذاء عن طريق الشريان معرضة للتلوث بنسبة كبيرة ويمكنها إدخال جراثيم خطيرة إلى الدم مباشرة.. غير أن تغييرها باستمرار، واهتمام الأطباء والممرضات بتعقيم أيديهم جيدا، كفيل بالتخفيف من مخاطرها بنسبة 70%!.

3- الإجراء الثالث: (مكافحة الإهمال والأخطاء التي تحدث في غرفة العمليات ذاتها).. فالأخطاء ومسببات الالتهاب التي تحدث أثناء العملية ذاتها قد تسبب انتكاسة المريض ووفاته لاحقا.. ومشكلات كهذه يمكن تلافيها بمراجعة إجراءات العملية (قبل وبعد تنفيذها)، ومنح المريض المضاد المناسب، وغسل اليدين بصورة منضبطة، وعدم حلاقة شعر المريض في موقع العملية!

4- الإجراء الرابع: (احترام شكوى المريض ورد الأطباء عليها سريعا).. فبعض الأطباء لا يأخذون شكوى المريض على محمل الجد وكثير منهم يتذمرون من الاستدعاءات المتكررة، ويتأخرون في الرد عليها أو يتجاهلونها فعلا.. وفي المقابل أثبتت الإحصائيات أن رد الأطباء بنسبة 100% كفيل بتخفيض عدد الوفيات بنسبة 20% (ولعل هذا ما يفسر نجاة المرضى المهمين أو الVIP بنسبة أكبر من المرضى العاديين)!.

5- الإجراء الخامس: (التعامل الوقائي مع مشكلات القلب والأمراض الخطيرة كما لو أنها ستحدث فعلا).. فعلى سبيل المثال لا يجب انتظار حدوث نوبة قلبية خطيرة كي يبدأ الأطباء بتطبيق إجراءات العلاج المناسبة (كإدخال قسطرة عن طريق الشريان).. كما أن تطبيق المعالجة الصحيحة لمرضى النوبات القلبية كفيل بتخفيض نسبة الوفيات بينهم من 10% (المعدل المعتاد) الى 4% فقط!.

6- الإجراء السادس: (توحيد العقارات التي يأخذها المريض وتحاشي الوصفات الخاطئة).. فبالاضافة الى احتمال وصف أدوية خاطئة يحصل المريض غالبا على وصفة طبية مختلفة كلما زار طبيبا جديدا.. والمطلوب هنا هو "مواءمة الدواء" ومراعاة أدوية المريض السابقة ناهيك عن احترام الأطباء لقرارات زملائهم السابقين قبل وصف علاج مختلف!.

.. وهذه الاجراءات قد لا تكون مجهولة لوزارة الصحة أو للعاملين في المجال الصحي ولكن ينقصنا فقط الجدية في تطبيقها، والحزم في معاقبة المخالفين لها..

أما بالنسبة لك أنت كمريض؛ فيجب أن تدرك أن وجودك في المستشفى بمثابة وجودك في "غرفة مقاصة" لتبادل الجراثيم والميكروبات التي يتم تناقلها بواسطة أيادي الأطباء والأدوات الطبية المشتركة..

وإن كنت لا تعلم أخبرك أنا:

من حقك كمريض منع الطبيب من لمسك ما لم يضع قفازاً جديداً، أو يعقم يديه أمامك.

كي لا تخرج من المستشفى بمرض جديد


قضية اليوم معروفة جيدا للأطباء والممرضات والقائمين على وزارة الصحة.. قضية حدثت في أكثر من مستشفى حكومي كان آخرها إغلاق مستشفى الحرس الوطني في الرياض.. فعدوى المستشفيات مشكلة عالمية وتأتي في الولايات المتحدة كرابع أعظم قاتل للمرضى داخلها (ولك أن تتصور النسبة في الدول الأقل تقدما)؛ فمنذ عام 1995 ومتوسط الاصابة يتجاوز مليوني مريض يصابون (بعد دخولهم المستشفى) بعدوى وأمراض لم يعانوا منها من قبل.. ومن هؤلاء يموت في المتوسط 103,000 مريض كل عام (وهو رقم يفوق وفيات الإيدز وسرطان الثدي وحوادث السيارات مجتمعة)..

أما في ألمانيا فاتضح أن واحدا من بين عشرين مريضا يخرج مصابا بعدوى أو مرض يختلف عما دخل به، وفي اسكتلندا (كما قرأت مؤخرا على موقع ال BBC ) يصاب واحد من بين عشرة مرضى في المستشفيات، وفي كندا أعلنت منظمة طبية (تدعى اختصارا HAI) فشل معظم المستشفيات الكندية في تخفيض نسبة الإصابات الجديدة عما كانت عليه قبل عشر سنوات!

والمشكلة في أي مستشفى تكمن في طبيعة المستشفيات ذاتها كونها تستضيف مرضى دائمين في موقع محصور ومغلق نسبيا.. أضف لهذا أنها تلعب دور "غرفة مقاصة" تعمل فيها الأدوات والأجهزة الطبية كوسيلة لنقل العدوى بين مختلف المرضى.. والأسوأ من تناقل "الأدوات الطبية" هو (أيدي) الأطباء والممرضين أنفسهم التي اتضح أنها تنقل العدوى أكثر من أي شيء آخر!

.. ومكافحة "عدوى المستشفيات" لا تحتاج إلى إجراء معقد أو مكلف بل إلى جدية الطاقم الطبي في التقيد بأنظمة النظافة والتعقيم والاستغناء قدر الإمكان عن الأدوات والأنابيب المستعملة.. بل اتضح أن التزام الأطباء والممرضين بتعقيم أيديهم قبل كل إجراء وبين كل مريض وآخر يخفض معدل انتقال العدوى بنسبة 65% (وأكثر من 80% في أقسام الحضانة والرعاية المكثفة).. غير أن إهمال (هذه البدهيات)، وعدم الالتزام (بتلك المسلّمات) يتسببا كل عام بمتوسط وفاة قدرها 100 ألف مريض في أميركا، و30 ألفا في بريطانيا، و28 ألفا في ألمانيا ولا تسأل عن عدد الوفيات الصامتة أو غير المعلنة لدينا!

.. ورغم أن مكافحة عدوى المستشفيات ليست صعبة أو مستحيلة بل وتعد من بدهيات ومسلّمات العمل الطبي تظل معرضة للقصور كونها تعتمد على أمانة وضمير العاملين في هذا المجال.

ورغم ثقتنا الكبيرة بأمانة أطبائنا وممرضاتنا لا يجب أن تعتمد وزارة الصحة على هامش الضمير وحسن النية (أو تصف ماحدث على أنه غفوة في إجراءات السلامة) بل يجب أن تتبنى الإجراءات السابقة كإجراءات رسمية وتبلغها للمستشفيات كبروتوكولات إلزامية تحاسب عليها الجميع..

وغني عن القول؛ الجدية في منع إصابة المرضى بالعدوى، لا تقل أهمية عن شفائهم من الأمراض ذاتها..

القمر ليس جميلاً فحسب


يملك كوكب المشتري 63 قمراً أربع منها أكبر من الأرض..

وفي المقابل لا تملك بعض الكواكب أي قمر في حين تملك الأرض قمرا واحدا فقط يبعد عنها 240 ألف ميل..

والعجيب أكثر أن هذا هو ما تحتاجه الأرض كي تصبح كوكبا قابلا للحياة.. فالقمر يملك الحجم والبعد المناسبين لمنح الأرض عوامل الحياة والاستقرار؛ فلو كان أقرب أو أكبر مما هو عليه الآن لتسببت جاذبيته في ازدياد قوة المد والجزر لدرجة غمر المدن الساحلية مرتين في اليوم (بتسونامي لا يقل ارتفاعه عن كيلومترين).. وحين تنحسر المياه سينسحب البحر إلى الداخل لمئات الكيلومترات بشكل لا يناسب ظهور أو عيش المخلوقات البحرية الحالية..

أما لو كان القمر أبعد من ذلك (أو هرب عنا نهائيا) فستفقد الأرض توازنها بشكل كامل وستتأرجح حول محورها (مثل مغناطيس مجنون).. وأمر كهذا يخلق اضطرابا شديدا في المناخ والمحيطات بحيث يتعرض الغلاف الجوي لحالات انجراف دائمة وتغمر مياه المحيطات قارات العالم بمعدل مرتين في اليوم (وفي النهاية ستعجز جاذبية الأرض عن الاحتفاظ بغطائنا الجوي والمائي كما حدث لكوكب المريخ)!

وهناك ثلاث فرضيات رئيسية تشرح وجود القمر حول الأرض:

الأولى تقول انه تشكل في نفس الوقت مع الأرض وبنفس الطريقة (من خلال تكثف بؤرة من السديم الكوني)!

والثانية أنه كان كوكبا مستقلا انحرف عن مساره ثم علق بجاذبية الأرض (كما حصل مع قمرين للمشتري)!

أما أقرب الفرضيات فيقول إن القمر كان جزءا من الأرض ثم انفصل عنها بعد اصطدام كوكب بها!

.. وحتى فترة بسيطة كانت الفرضية الأخيرة آخر احتمال يمكن تصوره. أما اليوم فتأتي في المقدمة وتملك أكثر الأدلة انسجاما وقبولا. فمن المعتقد أن كوكبا صغيرا يدعى أورفيوس اصطدم بالأرض قبل تصلبها بشكل كامل. وكان يمكن لهذا الارتطام ان يقسم الأرض الى نصفين لو ضربها بشكل مباشر.. غير انه ضرب سطحها بزاوية مائلة (أو كما يقال شطفها) فاقتلع سُدس كتلتها.

ويرى بعض العلماء ان هذا "الشطف" حصل في منطقة المحيط الهادي حيث أزيلت طبقة كبيرة من القشرة الأرضية ملئت لاحقا بمياه المحيط!

وما ساعد على انفصال القمر بهذه الطريقة أن الاصطدام حصل في وقت كان فيه سطح الأرض طريا لم يتصلب بعد. وهذه الحالة ساعدت على شفاء الأرض من جرحها الكبير وعودتها الى التكور من جديد (بفضل دورانهما المستمر)!

.. وبطبيعة الحال لو تكرر هذا الاصطدام (في أيامنا هذه) ستختفي مظاهر الحياة على كوكب الأرض خلال دقائق.. غير أن حدوثه في وقت مبكر من عمر الأرض تسبب في ظهور القمر ومساهمته في ظهور الحياة ذاتها..

المدهش؛ أن القمر ظل دائما يبتعد عن الأرض بمقدار 2,5 سم في العام وسيأتي يوم ينفلت فيه نهائيا عن جاذبية الأرض.. ويعتقد ان ابتعاده في القرون الماضية تسبب (عند مستوى معين) في تغير محور الأرض بمقدار (درجة واحدة فقط) نجم عنه جفاف الصحراء الكبرى وتحول غابات الجزيرة العربية الى رمال في الربع الخالي..

إذا...

القمر ليس جميلاً وحسب ولم يخلقه الله فقط كي يتغزل به الشعراء بل عنصر توازن ساهم في ظهور الحياة بطريقة قلما تحدث في الكون.

النقد والنصيحة والانتقاد


هناك فرق يصعب على معظمنا ملاحظته بين النقد من جهة والتطاول والتجريح من جهة أخرى..

فالنقد يعني تقييم العمل (بمعزل عن صاحب العمل) بطريقة منهجية من إنسان متخصص..

أما التطاول ف(قلة أدب) تتجاوز الإنجاز إلى صاحب الإنجاز وتأتي غالباً من شخص لا يملك علماً أو خبرة تؤهله للنقد أو تفنيد الحجج.

النقد بطبيعته منهجي ومجرد ويتناول كافة الأوجه، أما التطاول فرد فعل عاطفي منحاز يختار جزئية أو وجهاً واحداً يؤكد مواقف وأفكاراً مسبقة!!

الفرق بين النقد والانتقاد أن الأول فعل غير منحاز يوضح الإيجابيات والسلبيات دون اتهام أو تقريع أو اعتداء (ومثال ذلك نقد بعض أقوال الفقهاء) في حين أن الانتقاد يهتم أكثر بتصيد الأخطاء والجوانب السلبية دون تصويب أو تبيان للحقيقية ويتوجه غالباً لذم أو انتقاص صاحب العمل ذاته..

والنقاد عموماً لا يجيدون غير النظر للجانب السلبي (وهو جانب متوقع في أي عمل) وبالتالي لا يضيفون شيئاً لمسيرة الإبداع الأصيل.. لهذا السبب لا يتذكرهم الناس، ولا يحتفظ التاريخ بأسمائهم، ولا تجد لهم مكاناً في متاحف العظماء!!

... أما الأسوأ من النقد والانتقاد والتطاول فهو فعل كل ذلك تحت غطاء "النصيحة" لوجه الله..

حين يضع الناصح نفسه في موضع الرسمي أو المقدس أو الصفوة التي لا يجوز نقدها أو حتى مناقشتها حتى من خلال النصوص الشرعية أو المدارس الفقهية الأخرى!!

... وبطبيعة الحال هناك من سيقول (الدين النصيحة) وقالوا في الأمثال (النصيحة بجمل).. غير أن هناك أيضاً من اتخذ من الأمر رخصة عمل وأسلوب حياة بحيث خلط النصيحة بالتشهير، والإكراه بالتدخل في شؤون الآخرين.

... الأصل أن للنصيحة شروطاً وضوابط (لو طبقناها) لتقلص حجمها إلى نسبة ضئيلة مما نراه في مجتمعنا هذه الأيام.. فالنصيحة مثلاً يجب أن تأتي من عالم أو متخصص، في مخالفة صريحة ومتفق عليها.. لا يجب أن توجه بالاسم (اقتداء بفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم: مابال أقوام يفعلون كذا وكذا) بل أن تتركز على المشكلة وأصل الفعل وليس على الفاعل أو على حساب سمعته وكرامته..

والحقيقة هي أن عدم تربيتنا على نقد الذات (مقابل شغفنا بانتقاد الآخرين) هو ما حوّلنا إلى مجتمع من الواعظين والمتناصحين دون تطبيق ما نقوله فعلاً.. عقلية الوصاية التي نفرضها على غيرنا شغلتنا عن أنفسنا فتحولنا لبلد المليون واعظ دون أن نتعظ فعلاً.. فحين يضع كل إنسان نفسه في موضع الناصح الأمين يحق لنا أن نتساءل أين ذهب إذاً كل الفاسدين والمقصرين في هذا البلد..

أقترح أن نتوقف عن الانتقاد قليلاً، ونتأمل داخلنا كثيراً، ونترك مالا يعنينا إلى الأبد..

ففي النهاية من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...