الأربعاء، 4 ديسمبر 2019

بقايا جيمس بوند


صحيح أن الحرب الباردة انتهت بشكلها القديم بين الشرق والغرب.. وصحيح أيضا أن انفتاح العالم ووجود الإنترنت قللا الحاجة لإرسال الجواسيس للدول المنافسة.. غير أن تقنيات التجسس ذاتها مازالت موجودة وجذابة وتحولت بعد أن كانت سرية وحكراً على الجواسيس الى سلع تجارية تباع على قارعة الطريق.

في عام1997 احتفلت المخابرات الأمريكية بمرور50 عاماً على إنشائها وكشفت بهذه المناسبة عن تقنيات تجسسية قديمة مثل: أحمر شفاه يطلق رصاصة قاتلة، وأحذية تبث غازات مخدرة، وكبسولات سامة تدفعها الجاسوسة بلسانها في فم عشيقها (تدعى القبلة القاتلة) وكاميرات تثبت على رؤوس الفئران والقطط لرؤية الأماكن المحظورة أو الضيقة.

وفي عام 2002 تأسس في واشنطن متحف خاص بالتجسس يضم أكثر من 1100 جهاز وتقنية تجسسية أصبحت في متناول الجميع.. فهناك مثلاً نظارات تصور مايراه صاحبها، وكاميرات تعلق في أقدام الحمام، وأقلام كهربائية صاعقة، وشوكولاتة قاتلة من السيانيد، وساعات تسجل المحادثات، وميكرفونات تنصت تبدو من الخارج كتفاحة متعفنة لا يرغب بأكلها أحد.

ومتحف التجسس هذا ليس الوحيد حول العالم ولا يخص فقط التقنيات الأمريكية فحوالي 85% من معروضاته تقنيات تجسس روسية ويابانية وصينية وتشيكية وألمانية شرقية اشتراها المتحف من المخابرات الأمريكية ولزيادة التشويق يُمنح الزوار فور دخولهم أسماء مستعارة وبطاقات هوية مزورة.

وحين انهار سور برلين تم إلغاء جهاز المخابرات الخاص بألمانيا الشرقية (الشتازي) وسمح للناس بالاطلاع (ليس فقط على ملفاتهم الخاصة في أرشيف المخابرات) بل على الأجهزة والتقنيات التي كانت تستعمل للتنصت على حياتهم الخاصة.. ومن هذه الأجهزة عنكبوت آلي يحمل كاميرا مصغرة تزحف داخل البيوت وتدخل من تحت الأبواب وتوجه بالريموت كنترول.. وهناك أيضاً طبق بحجم الكف يتنصت على كلام الناس حتى داخل بيوتهم (أصبح يوضع هذه الأيام حول ملاعب كرة القدم).. وهذا الجهاز بالذات يذكرني بجهاز مماثل قيل إنه قادر على تشويش أفكار الناس (عن بعد) بفضل تيارات مغناطيسية قوية!

أنا شخصياً دخلت في لندن متجراً لبيع أدوات التجسس التي يستعملها فقط جيمس بوند في أفلامه المعروفة، شاهدت فيه كاميرات بحجم الأزرار، وميكروفونات بشكل قلم، وتليفونات تغير الأصوات، وأجهزة تتبع تُلصق بالثياب، وأشياء كثيرة مماثلة (اشتريت منها ما رخص ثمنه وصغر حجمه وصعب على رجال الجمارك رؤيته)!

المؤكد أن تقنيات التجسس تحولت هذه الأيام إلى صناعة بحد ذاتها بسبب إقبال الناس عليها بنوايا مختلفة.. ورغم أن ما رأيته في متاحف ومحال البيع متخصصة يعد بمثابة أعاجيب حقيقية إلا أنها تعد قديمة ومتخلفة بمعايير التجسس الحديثة (وكأني الآن بضابط مخابرات يقرأ مقالي ويقول في نفسه: خبرك قديم يابو الشباب).. فجميع هذه الأدوات من بقايا الحرب الباردة وتعود تقنياتها إلى ستينات وسبعينات القرن العشرين. فدوائر المخابرات تحتكر دائماً أحدث التقنيات ولا تكشف عنها قبل ظهور أجهزة جديدة أفضل منها.. وحين تتنازل عن تقنياتها القديمة تتلقفها المؤسسات التجارية وتسوقها للعامة وهو ما يعني أن أجهزة المخابرات تستعمل حالياً تقنيات أكثر تقدماً قد لا نراها قبل عشرين أو ثلاثين عاماً من الآن!

ومرة أخرى.. قد يكون التجسس التقليدي انتهى بتحول أدواته إلى المتاحف وتسويقه على الناس؛ ولكن لا ننسى أن التجسس الإلكتروني هو البديل العصري الذي تطور بسرعة خارقة وأصبح ليس فقط

عابراً للقارات بل وأكثر خطورة وفعالية وإثارة للمشاكل بين الدول.

كثرة القوانين (عقبات) وانعدامها (فوضى)


في حياتنا أشياء تشبه الملح في الطعام؛ إن كثُر أفسد عليك الطبخة، وإن قلّ أصبح الطعام بلا طعم أو نكهة.. وهكذا هي حال القوانين والتشريعات في أي دولة.. إن اختفت عمت الفوضى، وإن زادت ظهرت العقبات البيروقراطية..

ففي حين نعاني نحن من شح واضح في قوانين التقاضي - بحيث يترك الأمر غالبا لتقدير القاضي أو مرئيات اللجان المعنية تعاني الدول المتقدمة من تراكم القوانين والتشريعات الصادرة من برلماناتها ومجالسها النيابية منذ القرون الوسطى..

في نهاية القرن العشرين (واستعدادا للاتحاد الأوروبي الكبير) اتفقت الدول الأوروبية على شن حملات للتخفيف من القوانين العتيقة والقيود المعيقة.. وأذكر جيدا أن أحد الأحزاب الإيطالية وعد ناخبيه بالعمل على إلغاء 60 ألف قانون تافه في حال فاز بالانتخابات.. كما وعد بالحد من نشاط البرلمان الإيطالي الذي يفرز سنويا أكثر من 180 قانونا (مقابل 90 للبرلمان الفرنسي و55 للبرلمان الألماني) الأمر الذي شكل أعباء متزايدة على المواطنين والأنشطة الاقتصادية..

أما في عالمنا العربي فلا أعتقد أن هناك من يتفوق على مصر بحكم الضخامة والأسبقية في كثرة القوانين والتشريعات.. فبحسب المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة الأسبق، تجاوز عدد التشريعات طاقة رجال القانون كونه وصل إلى 98 ألف تشريع.. وهناك دراسة أجريت على مدار الأربعين عاما الماضية 1950 – 1989 أوضحت أن 70% من القوانين تصدر معدلة أو لاغية لقوانين موجودة سابقا (وغالبا تأتي أكثر تعقيدا من سابقاتها)!!

أما الأسوأ من كثرة القوانين فهو إصدار قوانين (خاصة) تحقق مصالح شخصية للرؤساء والحكام والنخب المعروفة في البلاد..

ففي العراق مثلا أصدر حزب البعث المنحل أكثر من 13 ألف قانون (311 منها) فصلت لصالح عدي بن صدام حسين.. وخلال ال30 عاما الماضية وضعت في مصر قوانين هدفت لتحقيق مصالح شخصية للرئيس مبارك ونجليه ورجال الأعمال المقربين منه.. ومن أمثلة ذلك التعديلات التى أدخلها مبارك على دستور 1971 لتمرير خلافة ابنه جمال، وقانون منح تسهيلات للشركات التابعة لزوجته وابنيه، وقانون التصالح مع رجال الأعمال الذين هربوا بأموال البنوك للخارج، وقانون منع الاحتكار الذي صدر لصالح كبار الرأسماليين في البلد (وتضمن أحد نصوصه معاقبة كل من يبلغ عن الاحتكار)!!

على أي حال؛

بالاضافة الى معيار الملح في الطعام الذي أتمنى تحقيقه في مجتمعنا المحلي نترقب أيضا ظهور قوانين مكتوبة وواضحة تخص المحاكم والقضايا الجنائية في السعودية.. قوانين قياسية تنشر كموسوعة مرجعية توضح العقوبة المقابلة لكل جناية وجنحة (ولا بأس من اختيار أفضل الأحكام التعزيرية كي تسن كمرجع قانوني ثابت)..

أما فيما يخص التجارة والاقتصاد فأفضّل صراحة قوانين (أقل بكثير) كون الازدهار الاقتصادي يتطلب التخفيف من البيروقراطية والعقبات المعيقة للمشاريع الصغيرة والمؤسسات الناشئة.. فالازدهار الاقتصادي الذي شهدته النمور الآسيوية يعيده الخبراء الى اختفاء القوانين المحدة للازدهار بشكل شبه نهائي (لدرجة يمكنك إنشاء أي متجر أو مؤسسة في سنغافورة أو هونج كونج من خلال تسجيله عبر الانترنت فقط)..

.. وابحث في الإنترنت عن مقال سابق بعنوان: "الديمقراطية وحدها لا تكفي"..

انتصارك بأي ثمن.. ليس انتصاراً


جميع البشر يلعبون لتحقيق الغلبة والفوز، وليس الربح والمكسب (كما نعتقد).. شعورنا الطفولي بضرورة الفوز بأي لعبة -بصرف النظر عن الأرباح والخسارة- يستمر معنا حين نصبح كباراً دون أن ندري.. تخطئ حين تعتقد أننا نتفاوض دائما لربح المال وليس السيطرة وفرض الرأي.. تعلمت ذلك من خلال رؤيتي لأشخاص يتفاوضون على مبالغ تافهة، أو يلغون صفقات مهمة لمجرد منع الطرف الآخر من فرض رؤيته الخاصة، وحتى حين نضمن الفوز والغلبة يتملكنا هاجس فقد زمام اللعبة - ولهذا السبب يغضب الزوج حين تتجاوزه زوجته، ويحقد مدير القسم حين لا تعترف بصلاحياته!!

وشعورنا البدائي بضرورة الفوز والاستحواذ يحدث حتى على مستوى الأمم والأوطان.. تأمل مقدار السعادة التي تحصل عليها شعوب العالم من فوزها ببطولات رياضية لا مكاسب مادية وراءها.. اسأل نفسك ماذا تستفيد الدول من صراعها مثلا على "كأس العالم"؟.. ماذا تستفيد جماهير برشلونة أو الهلال والاتحاد من تحقيق "بطولة الدوري"؟.. لا مكاسب مادية حقيقة هنا، بل مجرد إحساس بالغلبة والتفوق - تماماً مثلما كنا أطفالا نسعد لمجرد الفوز ونبكي لمجرد الخسارة!.

هذا مايحدث أيضا في عالم الحروب والسياسة.. فالأمم تتصارع (ليس فقط بسبب الاقتصاد والثروة) بل لتحقيق الانتصار والتفوق على الشعوب الأخرى.. تذكر مشاعر الغبطة والسرور التي كانت تنتابك حين تقرأ أو تشاهد خرائط الفتوحات الإسلامية بزمن الأمويين أو العباسيين.. فرغم أنه تاريخ مضيء، ورغم أنه لا مكاسب شخصية أو اقتصادية هنا (ولا حتى مكاسب دينية بدليل فتحنا لأسبانيا دون أن ينتشر فيها الإسلام، وعدم فتحنا لإندونيسيا وأفريقيا ومع هذا انتشر فيها الإسلام) إلا أنك تشعر بالسرور لمجرد عودتك لزمن الغلبة والتفوق والانتصار على بقية الأمم.

وفي الزمن الحديث يمكننا طرح نفس السؤال؟

ماذا كسبت أمريكا من احتلال اليابان وكوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان؟ ما الحكمة من نزيفها المستمر جراء التسلح والتمترس وبناء تسعين قاعدة حول العالم؟.. حين تتأمل النتائج بحيادية تكتشف أن أمريكا خسرت المليارات جراء حروب خارجية، ولم تعد منها بغير جثث جنودها المتوفين (في حين ظلت الثروات وآبار النفط لأهلها).. تكتشف أن الدافع العميق هو مجرد شعور بالغلبة والفوز والتفوق -على المستوى السياسي والشعبي- لا يختلف كثيراً عن مشاعر الانتصار التي تعقب مباريات البيسبول وكرة السلة!!

مشكلة الجنس البشري هي مشكلة الأعرابي الذي قال "لنا الصدارة دون العالمين أو القبر".. نتنافس على الصدارة ونعتبر أنفسنا منتصرين حتى حين نخسر بنسبة 99% (مقارنة بالطرف الآخر).. خذ كمثال روسيا التي خسرت أربعين مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك اعتبرت نفسها منتصرة لمجرد دخولها برلين ورفع علمها فوق البرلمان الألماني، وخذ كمثال آخر فيتنام الشمالية التي خسرت عشرين ضعف الجيش الأمريكي، ومع ذلك اعتبرها العالم منتصرة لمجرد دخولها سايغون وانسحاب الأمريكان بطائرات الهليكوبتر!

المتأمل لمعادلات الفوز والخسارة يدرك أن حياتنا مثل لعبة الشطرنج؛ نضحي بالقطع المهمة كي ننتصر في النهاية.. وحتى على المستوى الشخصي؛ انتصارك (بأي ثمن) ليس انتصارا كاملا، وإصرارك الدائم على قهر الآخرين مجرد تصرف طفولي قديم!!

.. حاول أن تسترخي أكثر.

أمثلة حقيقية على هرم بونزي


تحدثت في آخر مقال عن طريقة احتيال تعرف منذ مئة عام باسم "هرم بونزي".. وتشارلز بونزي رجل ايطالي هاجر الى أمريكا واكتشف طريقة في الاحتيال جعلته مليونيرا خلال بضعة أشهر.. وهي طريقة تعتمد على أخذ الأموال (من المستثمرين الجدد) لتوزيعها كأرباح (على المستثمرين السابقين) تحت إغراء الربح السريع.

وكان بونزي قد حقق قبل ذلك أرباحا مجزية من بيع الطوابع البريدية بين أوروبا وأمريكا.. ولم تكن هذه الطريقة ممنوعة ولكنه أقنع من حوله بالمساهمة معه مقابل منحهم أرباحا خيالية (50% خلال 45 يوما).. وشيئا فشيئا انهالت عليه أموال الناس وترك موضوع الطوابع وأصبح يمنح المشتركين السابقين أرباحا مجزية من أموال المستثمرين الجدد - ويحقق شخصياً مليون ريال يوميا.. وبسرعة ذاع صيته في جميع الولايات فانهالت عليه الأموال لدرجة اشترى بنك هانوفر في بوسطن وأصبح رئيسا تنفيذيا عليه!.

ولأنني شرحت (في مقالي الأخير) خطوات الاحتيال في هرم بونزي؛ سأقفز اليوم لاستعراض نماذج حقيقية لهذه العملية عليه حدثت على المستوى المحلي والعربي والعالمي:

ففي المدينة المنورة مثلا ظهر عام 1409 ما عرف ب"جمعية بن رويشد" التي بدأت كجمعية تعاونية صغيرة بين المعلمين.. وبعد أن كانت حكرا على "ثانوية خالد بن الوليد" خرجت للناس وجمعت أكثر من 200 مليون ريال من 7000 عضو. وبالتدريج ارتفع فيها القسط والنصاب حتى قررت منح (مليون ريال) للعضو الذي يدفع 300 ألف ريال مقدما مع قسط شهري 10 آلاف (ليستلم المليون بعد بضعة أشهر).. وهنا تهافت الجميع على جمعية المليون (بما فيهم مسؤولون كبار) حتى عجز القائمون على الجمعية عن استيفاء كافة الطلبات فانهارت ورفعت عليها القضايا!

وما جعلني أقدم هذه الجمعية كنموذج (وليس مثلا مساهمات سوا أو المخططات العقارية التي نعرفها كلنا) هو أنها بدأت بنية حسنة ودون ادعاء المتاجرة بأي سلعة - بل وكان المشتركون يعرفون أنها "جمعية" تعطيهم ما تأخذه منهم.. ومع هذا انتهت بضياع أموال الناس ومحاكمة أعضائها بتهمة استلام الأموال وتوزيعها حسب طريقة بونزي!

أما على المستوى العربي فهناك بنك الريان في مصر الذي استقطب ملايين الدولارات من آلاف المواطنين البسطاء من خلال وعدهم بأرباح خيالية (لدرجة انخفضت الأرصدة في البنوك الرسمية نفسها).. وفي مايو 2013 شنت المباحث المصرية حملة على 17 شركة تعمل بنظام التسويق الهرمي (في قضية عرفت باسم شركات بونزي) وقبضت على محتالين جمعوا ملايين الجنيهات بهذه الطريقة.

وفي عام 2009 احتال خبير إنترنت يدعى هيثم عدنان على عدد هائل من الشباب العربي وتحصل على 20 مليون دولار تحت غطاء المشاركة في الفوركس.

أما في تونس فهناك قضية رجل الأعمال عادل الدريدي الذي احتال بطريقة بونزي على المواطنين تحت غطاء شركة يسر للتنمية ثم هرب فجأة للخارج (وسمعت أن السلطات التونسية استعادته عام 2013).

أما على مستوى آسيا فهناك شبكة Q-net التي تبيع أدوات تجميلية واستهلاكية من خلال أعضاء ينالون أرباحا اضافية كلما قدموا لها شريكا أو زبونا جديدا.. ورغم أنها شركة مسجلة في هونج كونج إلا أن دولا كثيرة قاضتها ومنعتها من العمل بسبب اعتمادها على نظام التسويق الهرمي.

أما أكبر عملية احتيال - حسب طريقة بونزي - فقام بها المصرفي الأمريكي برنارد مادوف الذي كان يدير محفظة استثمارية في سوق الأسهم والسندات الأمريكية.. وبفضل خلفيته الاقتصادية (ومعرفته الجيدة بهرم بونزي) توسع ببطء وعلى مدى عقود بحيث لم يشعر أحد أنه يخلط أرباح محفظته بأموال المستثمرين الجدد.. غير أن اختلافه مع ابنه جعل الأخير يبلغ عنه السلطات فتم القبض عليه (في ديسمبر 2008) وجر خلفه مستثمرين وبنوكا عالمية فقدت بسببه 50 مليار دولار!

.. بدون شك؛ وعيك بطريقة الاحتيال الهرمي أول خطوة في الحفاظ على مدخراتك المالية.. لا يجب أن تستسلم لمغريات الربح السريع كون المحتالين يعرفون جيدا أنه (حتى أفقر الناس) لا يترددون في تقديم مدخراتهم البسيطة حين تعدهم بأموال أكثر!.

هرم بونزي


أعظم أهرامات في نظري هو هرم الجيزة وهرم المكسيك وهرم بونزي.. ربما لم تسنح لك فرصة تسلق الأول، ولا رؤية الثاني، ولكنك سقطت غالباً من الثالث دون أن تراه.

وبونزي الحقيقي ليس هرماً بل مهاجر أمريكي ابتكر في مطلع القرن العشرين طريقة احتيال هرمية تحقق أرباحاً طائلة.. وقد دخل تاريخ الاقتصاد بهذا الاسم وأصبحت طريقته المسماة "هرم بونزي" أو "سلسلة بونزي" تطلق على كل عملية احتيال تعتمد على أخذ الأموال من المستثمرين الجدد (قاع الهرم) لتوزيعها كأرباح على المستثمرين القُدم (أعلى الهرم).

وطريقة الاحتيال التي ابتكرها تسير غالباً على النحو التالي:

يعرض عليك أحدهم المشاركة في مشروع تدفع فيه 50 ألف ريال مقابل استلام 10 آلاف ريال في الشهر (بحجة المتاجرة في العملات أو المعادن أو السيارات أو بطاقات سوا أو أي سلعة تمنحها غطاء رسميا).

ويمنحك فعلا 10 آلاف ريال كل شهر حتى تطمئن فتحدث بذلك أشقاءك وأصدقاءك وأقرباءك فيثقون بك ويرون "بأم أعينهم" أن تأخذ فعلاً عائداً شهرياً منتظماً قدره 10 آلاف ريال في الشهر.

وهكذا تغري خمسة أشخاص تعرفهم (وأحياناً عشرة وعشرين) فيتجمع لدى المحتال 250 ألف ريال (من الخمسة الذين أحضرتهم أنت) ويدفع لهم أيضاً أقساطاً مماثلة (حسب المثل المصري: من دقنه افتل له).

وقبل أن تنتهي أموالكم لديه يكون قد استلم مثلها أضعافاً بفضل انضمام مشتركين جدد يقسمون لمن حولهم أن الموضوع موثوق وسليم (يؤكدون لهم بأنهم يستلمون أقساطهم بانتظام).

وهكذا في حال أقنع كل مشترك جديد خمسة أشخاص آخرين (ولاحظ دائماً أننا سنعتمد على تضاعف الأعداد خمس مرات) يصبح مجموع المشتركين الجدد 125 شخصا...

وهؤلاء ال125 (في حال دفع كل واحد منهم 50 ألف ريال) ينال المحتال 6,250,000 ريال دفعة واحدة.

وكي يزداد عددهم أكثر يستمر في دفع الأقساط الشهرية للجميع فيكتسب سمعة حسنة ويسمع به جميع الناس (خصوصاً أن الأعضاء الأوائل استعادوا رؤوس أموالهم بالكامل.. وزيادة)!

وهكذا تنضم إليه دفعة رابعة قوامها 625 مشتركاً يقدم كل منهم 50 ألف ريال فينال المحتال أكثر من 31 مليون ريال دفعة واحدة.

وفي المرحلة الخامسة يتضاعف العدد خمس مرات فينضم 3125 مشتركاً جديداً يقدمون للمحتال أكثر من156 مليون ريال (غير الملايين التي أخذها سابقاً).

ولأن الجميع مايزال يستلم أرباحه الشهرية (ويقسم بالله على أمانته) يصيب الطمع قطاعاً أكبر من الناس فيتضاعف عدد المشتركين في المرحلة السادسة إلى15625 مشتركاً يقدمون للمحتال 781 مليون ريال (غير الملايين التي أخذها سابقاً). غير أن تضاعف المشتركين المستمر، وهطول الأموال الذي لا يتوقف، يضعان المحتال في وضع حائر ومتخبط فيقرر عند لحظة معينة التوقف والاكتفاء والاختفاء نهائياً أو الهرب بالملايين التي جمعها خارج البلاد!

وكي لا تكون أنت أحد الضحايا يجب أن تتنبه لثلاث خدع رئيسية:

الأولى: أن احتيال بونزي قد يأتي بمسميات مختلفة مثل "مساهمات" و"مضاربات" و"تسويق شبكي" أو "تسويق هرمي" أو حتى Q-net...

والثانية: أن السلعة هنا (غير مهمة) كونها قد تأتي تحت غطاء المتاجرة بالأجهزة أو البطاقات أو السيارات أو العملات أو حتى مضاربات الأسهم (وهذا ماكنت أعنيه حين قلت إنك سقطت من الهرم الثالث دون أن تراه).

والثالثة: أن عمليات الاحتيال الهرمي تأتي غالباً من أفراد وشركات وهمية (غير مسجلة رسمياً) يتعاملون معك شفهياً ويمنحونك أرباحاً خيالية (لا تقدمها البنوك الكبيرة ولا الشركات المحترمة).

وبما أن شركات توظيف الأموال ممنوعة قانوناً.. وبما ان عمليات الاحتيال ممنوعة شرعاً؛ تعد مشاركتك (مشاركة في الاحتيال)، وستطالب في النهاية بإعادة المبالغ التي أخذتها.. في حين يكون صاحبك مستمتعاً بحياته على ضفاف بحيرة جنيف!

.. وأخيراً؛ أنصحك بفتح اليوتيوب ومشاهدة: "الاحتيال عبر التسويق الهرمي أو الشبكي".

موظفون لا يخشون الكاروشي


كان هنري فورد (مؤسس شركة فورد للسيارات) يطرد أي عامل يتحدث مع زميله أو يبتعد عن خط الإنتاج مسافة متر.. وذات يوم زاره المخترع المعروف توماس أديسون.. وأثناء تجولهما في المصنع اقتربا من عامل يغط في نوم عميق.. وأمام دهشة أديسون توقف فورد وهمس في أذنه طالباً منه التراجع بهدوء كي لا يوقظا الرجل.. استغرب أديسون وقال: لم أعهدك بمثل هذا التسامح مع العمال ياسيد فورد.. فقال فورد: لا تستغرب؛ فبعد كل غفوة يتحفنا هذا الرجل بفكرة جديدة أو تقنية مدهشة..

واليوم أثبتت الدراسات صحة قرار فورد.. فالقيلولة تصفي الذهن وتعيد النشاط وتمنحنا طاقة إضافية.. وكثير من الشركات العالمية أصبحت حالياً تتساهل في مسألة الغفوة القصيرة لتحسين أداء الموظفين والعمال فيها..

والمدهش أنه حتى سنوات قليلة مضت كان الغرب يسخر من تعلق الشعوب الشرقية بنومة الظهر أو القيلولة وكانوا يرون في ذلك كسلاً وتخاذلاً ولا يتفهمون طبيعة المناخ الحار التي تفرض السكون والاسترخاء وقت الظهيرة. أما الشعوب اللاتينية في أمريكا الجنوبية فتسمى نومة القيلولة "سيستا" وتعتبرها حقاً من حقوق الموظف

فضلاً عن المواطن.. واليوم أثبتت الأبحاث أهمية السيستا في تصفية الذهن وتجديد النشاط وتنفيس ضغوط العمل كون عمل الموظف لعدة ساعات يقلل من تركيزه فتكثر أخطاؤه وتنخفض كفاءته في حين يمكن تجاوز كل ذلك بأخذ غفوة صغيرة..

يقول الدكتور وليام أنتوني مؤلف كتاب "النوم أثناء العمل" إن الشركات الأمريكية بدأت تقتنع بأن غفوة قصيرة تزيد من إنتاجية العامل بنسبة 30% ويقظته بنسبة 100%. وهناك عدة شركات (مثل نايكي وانتل وسي أي) أنشأت أكشاكاً صغيرة للنوم توقظ الموظف تلقائياً بعد نصف ساعة من إغلاق الباب..

وكانت شركات الطيران قد عمدت منذ فترة طويلة إلى تشجيع طياريها على النوم لفترة محسوبة خلال الرحلات الطويلة. فقد لاحظت أن معظم الكوارث تتم أثناء هبوط الطائرة بسبب سهر "الكابتن" أثناء الرحلة.. ولنفس السبب تقريباً يتم تدريب الطيارين العسكريين على النوم في وضع منتصب أثناء المهام الطويلة. فخلال حرب أفغانستان والعراق مثلاً كانت طائرات الشبح تقطع مسافة 12 ألف ميل (من قاعدتها في ميسوري إلى الأهداف المنتقاة ثم تعود بلا توقف). وخلال هذه الرحلة الطويلة كان يسمح للطيارين بالنوم وترك مهمة القيادة للقاعدة العسكرية ومن ثم إيقاظهم قبل وصول الطائرة لأهدافها المطلوبة!!

وكنت شخصياً قد لاحظت استغلال اليابانيين لكل دقيقة في القطارات ووسائل المواصلات للنوم وأخذ فرصة للاسترخاء (حتى حين كنت أصادفهم في الخارج).. ويمكن فهم السبب من خلال وزارة الصحة اليابانية التي طالما حذّرت مواطنيها من كثرة العمل وقلة النوم.. فاللغة اليابانية هي الوحيدة في العالم التي تملك كلمة خاصة بالموت نتيجة العمل المتواصل المقترن بقلة النوم (تدعى: كاروشي).. وأذكر أنني قرأت دراسة نشرتها صحيفة أساهي شيمبون توضح أن (60%) من البالغين في اليابان يشعرون بالنعاس الدائم خلال اليوم بسبب قلة النوم.. وذكرت أن معظم اليابانيين ينامون بمعدل 6,3 ليلاً فقط وأن واحداً من أربعة يستيقظ صباحاً دون الحصول على ساعات نوم كافية!!

... نحمد الله أيها السادة على استحالة وفاة موظفينا بسبب الكاروشي..

... ونحمده أيضاً على عدم اشتغالنا في المصانع والحقول وقرب خطوط الإنتاج...

... ونحمده أكثر على منحنا حجة الحضور متأخراً بسبب المدارس والخروج مبكراً لأداء الصلاة!!

نهاية «كفاحي» عام 2015


هناك قصة أبتسم كلما تذكرتها.. ففي طفولتي ذهبت مع عائلتي لأداء مناسك الحج، ولتمضية الوقت في الباص أخذت معي مجموعة من الكتب كان من بينها كتاب "كفاحي" للزعيم الألماني أدولف هتلر، وفي حين انشغل الناس بالتلبية والتهليل طوال الطريق انشغلت أنا بقراءة مذكرات رجل نازي تسبب بقتل الملايين.

والمضحك أكثر أنني شغلت -بفعلتي هذه- طبيبا هنديا كان يرافقنا أخذ يتأملني طوال الرحلة، ورغم أنه كان زميلا لوالدي إلا أنه كان يراني لأول مرة ويبتسم كلما نظر تجاهي وشاهدني مستغرقا في قراءة كتاب تبدو على غلافه صورة هتلر مع صليبه المعقوف وشنبه المخطوف!!

.. و"كفاحي" كتاب يتضمن السيرة الذاتية لهتلر، ويشرح نظريته النازية وتعصبه للقومية الجرمانية، وقد أملاه على نائبه أثناء مكوثه في سجن لاندسبرج قبل وصوله للسلطة وإشعاله نيران الحرب العالمية الثانية، وكان عنوانه الأصلي "أربع سنوات ونصف من الكفاح ضد الأكاذيب والغباء والجبن"، فنصحه ناشر الكتاب باختصاره إلى "كفاحي" فقط!

وفي هذا الكتاب وضع هتلر خلاصة أفكاره العنصرية وفرضياته الخرافية حول تفوق العرق الآري (الذي ينحدر منه الألمان وبقية الشعوب الشقراء).. كما حاول تمجيد كفاحه ضد الأيدلوجيات المعادية والانهزامين الألمان وإثبات أن الهزائم والمصائب التي تعرضت لها البلاد تعود إلى مؤامرات حاكتها ضدهم الشعوب الأقل منهم مستوى - اليهود منهم على وجه الخصوص.

وفور نشر الكتاب حظي بقبول الشعب الألماني كونه يرفع من معنوياتهم ويؤكد تفوقهم الطبيعي بعد الهزيمة المهينة التي تعرضوا لها بعد الحرب العالمية الأولى، ورغم سمعته السيئة بين الشعوب التي تضررت من الفكر النازي (في بولندا وإسرائيل ودول البلقان) ورغم حظره في العديد من دول العالم (بما فيها ألمانيا التي تمنع طبعه لغير الأغراض التعليمية) ماتزال ولاية بافاريا الألمانية تحتفظ بحقوق نشر الكتاب التي تنتهي في آخر يوم من هذا العام الجديد 2015.

المفارقة أن هذا الكتاب (الغارق في العنصرية وتمجيد الشعوب الشقراء) يحظى اليوم بقبول واسع بين الحركات القومية والمتطرفة في دول العالم الثالث - رغم أنه يضع معظم هذه الشعوب في مرتبة أقل رقيا وذكاء وحقا في الحياة.

ولكن.. مهما بلغ مستوى اختلافنا معه يبقى "كفاحي" من أهم الكتب التي أثرت على حياة ومصير ملايين البشر في التاريخ الحديث، وهو لا يقل تأثيرا عن كتب سياسية وأيدلوجية امتلكت تأثيرا كبيرا على أمم الأرض مثل كتاب "البيان الشيوعي"، و"رأس المال" لكارل ماركس، و"الكتاب الأحمر" لماوتسي تونج، و"ثروة الأمم" لآدم سميث، وكتاب "الأمير" لميكافيلي.. فجميعها كتب قامت عليها دول، وانبثقت منها سياسات، وتأثرت بها مجتمعات، ونشأت بسببها صراعات مازال بعضها مشتعلا حتى اليوم.

ورغم أن الفكر الماركسي الشيوعي عاش طويلا بعد الفكر النازي العنصري (في الصين والاتحاد السوفييتي) كانت النازية أشد تأثيرا وفظاعة كونها تسببت في إشعال الحرب العالمية الثانية، ووفاة أربعين مليون إنسان بشكل مباشر!!

.. وإن كان الأمر يهمك؛ قرأت بروتوكولات حكماء صهيون في رحلة العودة.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...