الثلاثاء، 1 أكتوبر 2019

هل سيأتي يوم ينتهي فيه العلم؟


الجواب (من أولها) لا..

فالعلم نفسه مطلق ولا نهائي وسرمدي الوجود.. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً..

السؤال الحقيقي هو:

هل سيأتي يوم ينتهي فيه العلم بسبب عجز عقولنا عن فهم المزيد من تعقيداته وما لا يمكن لحواسنا إدراكه؟

فمن الملاحظ أن كل اكتشاف جديد يجلب معه المزيد من الأسئلة والأحجيات المعقدة.. فحين اخترع الإنسان التلسكوب (والميكروسكوب) فتح على نفسه عوالم مجهولة تتطلب المزيد من الإجابات.. وحين قدم أنشتاين نظريته النسبية لم يثر الشك فقط بالفيزياء التقليدية بل وقدم طرقاً مختلفة للنظر في طبيعة الزمان والمكان..

وحتى الآن نجح الدماغ البشري في التفاعل مع الاكتشافات والمعارف الجديدة ولكن يبقى السؤال إلى متى يمكنه فعل ذلك مستقبلا؟

يخبرنا علماء النفس أن متوسط ذكاء البشر يبلغ 100 نقطة، وأن متوسط ذكاء العباقرة في التاريخ (حسب دراسة كوكس) لم يتجاوز 120 درجة وهذا يعني أننا لا نملك هامشاً كبيراً لفهم كل التعقيدات التي تجري حولنا..

يعني أنه:

(ما أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)

(وفوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)

(وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

(قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)

(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)

وجميعها نصوص تؤكد أن لعقولنا هوامش وأسقفاً معينة لا يمكنها تجاوزها أو القفز فوقها.. تثبت وجود فضاءات كثيرة حجبت عن عقولنا ونجهل وجودها أصلاً ناهيك عن قدرتنا على دراستها..

من يضمن أن حالنا مع القضايا المعرفية الكبرى مثل حال مخلوقات أقل منا ذكاء لا تتصور ولا تتخيل وجودها أصلاً.. فطائر النورس، ونحلة العسل، وأرنب البراري، لا تدرك وجود الكواكب الشمسية، ولا الأطياف المغناطيسية، ولا برامج ويندوز وجوجل ليس لأنها غير موجودة بل لأن عقولها لا ترتقي لمستوى فهمها أو حتى تخيل وجودها..

وبناء عليه؛ ما الذي يضمن امتلاكنا نحن البشر (ذكاء مطلقاً ونهائياً) يسمح بفهم أشياء (خارج حدود) مايمكننا فهمه أو إحساسه أو تخيل وجوده (بدليل أن في الجنة ما لا يخطر على قلب بشر)...

لِمَ لا نسلم بأن عقولنا تعمل ضمن نطاقات محدودة وهوامش ضيقة لا تستطيع تجاوزها (تماما مثل "حواسنا" التي تعجز عن رؤية وسماع أشياء كثيرة تحدث حولنا)!

وإن كان الدماغ البشري يعجز عن تقديم إجابات عما يقع خارج حدود قدراته، فمن يضمن عدم وجود مخلوقات أخرى (في مكان ما من الكون) تفوقنا في الذكاء وطبيعة الإدراك لدرجة تنظر إلينا كما ننظر نحن للحصان والأرنب وسمكة القرش!؟

أكثر ما يصيبني بالمغص حين أسمع عاقلين يتجادلان في مسائل كبرى هي في أصلها أعظم من قدرة عقولنا على تأكيدها أو نفيها (وحينها أنظر للأعلى للتأكد أن أحداً لا ينظر إلينا كالحصان وسمكة القرش)!!

لا شيء يصيبني بالرعب مثل تخطئتهما لبعضهما البعض من خلال مفاهيم محدودة بطبيعتها لم يعجزا فقط عن تصور وجود ما هو أعظم منها بل وورثاها جاهزة من زمن أكثر تواضعاً!!

وبما أنني لست بدعاً من القوم؛ أرى أن أفضل ما يمكننا فعله مبدئياً هو التواضع والتسليم بوجود ما هو (أعظم من قدرة الجميع) على فهمه وتصوره.. بل وحتى التجادل حوله..

فقط حين نكون أكثر تواضعاً بخصوص ما نعرف وأكثر تسليماً بوجود ما هو أعظم مما نعرفه سنصبح أكثر تسامحاً مع الآراء المخالفة وأقدر على استيعاب المزيد من الاحتمالات الممكنة!

وبالطبع يمكنك تجاهل كل هذا والعيش سعيداً كالحصان وسمكة القرش..

فياغرا بالعسل


أنا شخصياً لا أصدق النوايا التجارية لشركات الأدوية العالمية ؛ ولكنني في نفس الوقت أثق في إجراءاتها العلمية وتوثيقها لنتائج العقاقير وتأثيراتها الثانوية.. أثق في حرصها على سمعتها وموثوقية منتجاتها واختبار الأدوية الجديدة لفترة طويلة لضمان سلامتها قبل نزولها للمستهلك العادي..

وفي المقابل لاحظ معي ما يجري في دكاكين العطارين وما يسمى بالطب الشعبي..

تشتري خلطة مجهولة التركيب من رجل بالكاد يجيد القراءة والكتابة .. لا تعلم محتواها ولا كيفية تحضيرها ولا تعرف من ركبها أو باعها لك .. خلطة أو تركيبة أو سمها ما شئت لم تحضر في ظروف معقمة وآمنة وخاضعة للتجربة، ولا يعرف أحد تأثيراتها الجانبية أو بعيدة المدى..

وفي ظل هذا الغموض من الطبيعي أن تتعرض للغش والخداع .. غش يتضمن المبالغة في السعر، أو الادعاء بفوائدها العديدة، أو خلط المكونات التقليدية بأدوية صيدلانية مؤكدة النتائج (كبيعك غذاء ملكة النحل مع مسحوق الفياغرا)..

والأخيرة أحد أكثر أنواع الغش انتشارا في محلات العطارة هذه الأيام .. وفي هذه الحالة يتم شراء أدوية ذات تأثير حقيقي من الصيدليات وخلطها مع أعشاب ومساحيق طبية تعطي مفعولا حقيقيا وسريعا...

فحين تريد أن تبيع خلطة مقوية للجنس مثلا ما عليك سوى شراء حبوب السيالس والفياجرا وطحنها مع العسل أو مسحوق الأعشاب.. وحين يعاني أحدهم من السكر ما عليك سوى شراء حبوب مخفضة للسكر وسحقها مع النشاء أو الدخن اليماني.. وحين تعاني من ارتفاع الضغط ما عليك سوى شراء حبوب تخفيض الضغط وإذابتها في زيت الحبة السوداء أو جيلاتين البقر.. أما آلام العظام والروماتيزم فلا تتطلب أكثر من طحن ست حبات بروفين مع علبتي بندول ثم مزجهما مع سمن اصطناعي وبيع القارورة بمائة ريال.. أما أعشاب تخسيس الوزن فتتضمن أحد 26 نوعا من الحبوب المسموحة في أمريكا لقتل الشهية أو عدم امتصاص الدهون تحضر كمشروب يؤخذ على الريق.. أما آخر ما سمعته بهذا الخصوص فهو وجود عشبة بحرية تباع كعلاج التوحد لدى الأطفال اتضح تضمنها حشيشة مخدرة تسبب سكون الطفل - الأمر الذي يوحي بتأثير العشبة عليه بشكل ايجابي !!

والحقيقة هي أن المريض يشعر بتأثير ايجابي وسريع لمثل هذه الخلطات (لأسباب صيدلانية حقيقية) فيبدأ بدوره الترويج لها بين الناس.. غير أن تأثيرها السريع يعود الى الكميات الكبيرة فيها (فبدل أن تأخذ حبة فياغرا واحدة تأخذ بهذه الطريقة ثلاث حبات دون ان تدري) كما أن سحقها أو طحنها يجعلها تدخل مجرى الدم بسرعة كبيرة محدثة مفعولا سريعا (في حين تصنع الأدوية عمدا بشكل حبوب صلبة كي تذوب على مدى طويل قد يتجاوز ال12 ساعة)...!!

والمشكلة الأكبر أن بعض المساحيق والخلطات تأتي جاهزة - من الصين وأندونيسيا وفيتنام والهند وكمبوديا- ومتضمنة مواد مخدرة أو مستحضرات صيدلانية غير مسموحة أصلا في السعودية.

وبطبيعة الحال احتمالات التجرثم وتراكم الميكروبات في الخلطات المستوردة والمحلية كبيرة جدا - خصوصا أنها لا تتضمن تاريخ انتهاء.. ولأنها لم تجرب أو تراقب على مدى طويل (لمعرفة تأثيراتها الجانبية أو بعيدة المدى) تتسبب بنتائج سلبية خطيرة تتراوح بين التسمم وعطب الكبد..

.. أعرف تماما أن هناك من لا يوافق على كلامي وما يزال يؤمن بفعاليات الطب الشعبي وخلطات العطارين..

ولكن المشكلة لا تكمن في الأعشاب أو التأثير الحميد لبعض الخلطات التقليدية.. بل في تفشي الغش التجاري، وضعف الرقابة والمعايير الصحية، وانتفاء فكرة التجربة (على عينات صغيرة لسنوات طويلة) للتأكد من فعالية الدواء وعدم تضمنه تأثيرات سلبية..

حتى (آخر الطب الكي) ليست حديثا نبويا بل مقولة كان يروج لها أطباء العصر الجاهلي..

ممنوع التصوير


يوم الأربعاء الماضي اتصل بي ابني حسام ليخبرني أن الشرطة سحبته من قاعة الامتحان لوجود دعوى عليه.. كان اتصالاً من النوع الذي لا يتمناه أي أب فذهبت لقسم الشرطة فسمعت عجباً.. فقبل أيام التقط حسام صورة لسيارة صغيرة تدعى (سمارت) فنزل صاحبها طالباً منه بعصبية حذفها أو تكسير الجوال على رأسه.. لم ينفذ حسام طلبه ومضى في طريقه معتقداً أن كل شيء انتهى.. ولكن الرجل أخذ رقم سيارته وقدم شكوى ضده.. الشرطة من جهتها - تركت كل مشاكل البلد- وبدأت تبحث عمن التقط صورة السمارت حتى وجدته في قاعة الاختبارات..

حين سمعت القصة من حسام ظننت أن هناك خفايا لم يخبرني بها ولكن اتضح لي أن هذا ما حدث فعلاً.. حتى صاحب الدعوى سألته إن كان معه محارمه حين التقط صورة للسيارة فقال بثقة: لم يكن معي أحد ولكنها سيارتي ولا أرغب أن يصورها أحد(وكي تدرك لماذا لا يرغب بذلك يجب أن تراها بنفسك في جوجل)...

قلت: أنا شخصياً أقدم لك اعتذاري، وإن كانت المسألة مسألة صورة (فأعطني ياحسام جوالك).. وأخذت الجوال وبدأت أبحث معه في مئات الصور- الخاصة بسيارات رياضية وفاخرة- حتى عثرنا على سيارته الكريمة (التي يدعوها الإيطاليون لقمة الجائع بسبب حجمها الصغير) فقلت بصوت مرتفع "بسم الله ماشاء الله" فمحوتها أمامه وطلبت منه التنازل عن الدعوى - وفي نفس الوقت حذرت حسام بصوت مسموع من تصوير أي سيارة بهذا الجمال!!

هذه القصة تثبت كيف يمكن للدعاوى الغريبة أن تظهر دون سابق إنذار.. كيف يمكنها أن تشغل أجهزة الشرطة والبحث والقضاء بسبب حساسية (وأحياناً نفسيات) أصحابها.. ومع هذا أعتبر نفسي محظوظاً لأن الحكاية أعلاه لو حدثت في أمريكا لربما تطور الأمر الى رفع قضية بالملايين بدعوى الضرر النفسي والإهانة الناجمة من تصوير سيارة تشبه لقمة القاضي.

والحقيقة هي أن الحساسية من التصوير تتفاوت بحسب ثقافات وشعوب العالم.. ففي حين لا توجد أي موانع أو تحفظات في أوربا واليابان وأمريكا(بحيث يمكنك التقاط صور لمن تشاء في أي وقت تشاء) تلاحظ نوعاً من الامتعاض والتحفظ في كوريا والبرازيل وماليزيا وتايوان (بل ويعتقد كبار السن في الصين أن التقاط صورة لهم يستقطع جزءاً من أرواحهم)..

ومع هذا تعد هذه الدول متسامحة جداً مقارنة بالسعودية وباكستان واليمن وأفغانستان وكوريا الشمالية (حيث مجرد حمل الكاميرا قرب المواقع المهمة أو المنشآت الخاصة يجلب لصاحبها التهمة ومصادرة الكاميرا).

أنا شخصياً لطالما تضايقت من منع زوار المسجد النبوي من التقاط صورهم الشخصية داخل أو خارج الحرم- مع اعترافي بأن انتشار الهواتف الذكية قد أتاح لهم تجاوز هذه العقبة.

فزيارة المسجدين النبوي والمكي بمثابة حلم يفكر فيه الزائر منذ سنين وبالتالي يحرص قبل مغادرته أن يأخذ صوراً تذكارية لنفسه وعائلته.. غير أنه يفاجأ غالباً بمن يصادر كاميرته أو ينزع منها الشريحة أو الفيلم بحجة أن الصور ممنوعة رسمياً أو محرمة شرعاً (رغم أن كاميرات التصوير تدخل الحرم في المناسبات الرسمية، وكاميرات التلفزيون لا تتوقف عن نقل شعائر الصلوات).. ولأن الزائر يتصرف ببراءة - وقد لا يفهم أصلاً اللغة العربية- تنتهي عملية المصادرة والهجوم المرعب عليه بأخذ فكرة سيئة عن السعودية وأهلها(في حين لايعلم المسكين أننا من أكثر الشعوب التقاطاً للصور ودخولاً على أنستجرام وفلكر)!!.

الصراحة هي أننا لم نتوقف يوماً عن التصوير بسبب عدم شرعيته أو قانونيته.. كل مافي الأمر أننا نتلون بحسب الموقف تحت لوحة "ممنوع التصوير".

الحياة من جديد


هل يمكن أن يولد الإنسان بشخصية مختلفة بعد حادثة إغماء طويلة؟

هل يمكن أن يولد بمواقف جديدة وأخلاق معاكسة بعد حادثة نجا فيها من الموت بمعجزة؟

سمعت قصصاً كثيرة عن أشخاص تغيروا جذرياً - وبطريقة مفاجئة- بعد حادثة من هذا النوع.

شاهدت أفلاماً يعتمد بعضها على قصص حقيقية يتعرض فيها البطل لفقدان ذاكرة فيصبح إنساناً مختلفاً يملك أفكاراً ومواقف تخالف وتعارض ما كان يؤمن به سابقاً.

آخر فيلم شاهدته بهذا الخصوص يدعى Unknown أو "غير معروف" حيث يتعرض عميل أمريكي إلى حادث سيارة في برلين يفقد بسببه ذاكرته. وبعد أيام يقضيها في المستشفى يتذكر أنه وصل مع زوجته إلى أحد الفنادق قبل أن يخرج لإحضار شنطته الديبلوماسية ويتعرض للحادث.. وحين يجد زوجته لا تنكر فقط معرفتها به بل ويجد معها رجلاً يتقمص اسمه وهويته وعلاقته بها كزوج.

لم يفهم مايحدث له ولم يملك مايثبت هويته - في حين يملك الرجل الآخر إثباتاً وهوية وجوازاً باسمه دخل به ألمانيا.

وشيئاً فشيئاً يكتشف أنه عميل مخابرات كان مكلفاً بقتل أحد الأمراء العرب مع مساعدته (المرأة التي حضر معها كزوجته).. ولكنه حين فقد ذاكرته - ولم يعرف أحد أين هو - اضطر المسؤولون عن عملية الاغتيال لاستبداله بعميل آخر حلّ مكانه لمساعدة زوجته على إتمامها.. وحين يدرك هذه الحقيقة لم يقتنع (بحسب شخصيته الجديدة) بأسباب قتل الضحية فيقف ضدهما ويحاول منع عملية الاغتيال بأي ثمن.

هذه القصة قالت عنها صحيفة لوس أنجلوس تايمز إنها قصة حقيقية، حدثت في برلين وتسربت من أرشيف المخابرات الأمريكية، وسببت وقتها حرجاً كبيراً مع إحدى الدول الخليجية.

وأنا شخصياً لا أستبعد حدوثها - ليس فقط لأن المخابرات الأمريكية لجأت كثيراً لعمليات الاغتيال - بل ولأنها أيضاً كانت تملك تجارب لتغيير هوية الإنسان بطريقة معاكسة.. فمن خلال محو الذاكرة، وخلق هوية مختلفة، أو إخضاع الضحية لما يعرف بغسيل الدماغ أمكنها تحويل العديد من المتعاونين معها إلى قتلة حقيقيين أو عملاء مأجورين لا يدركون حقيقة تصرفاتهم (وكأنهم منومون مغناطيسياً بحسب التعبير الشعبي).

واليوم هناك اعتقاد قوي بأن مجرمين أمثال جيمس راي (قاتل مارتين كنج) ولي أزوالد (قاتل الرئيس كينيدي) وبشارة سرحان (قاتل روبرت كينيدي) وكاندي جونز (العميلة المبرمجة) مجرد روبوتات برمجت مسبقاً لتنفيذ أوامر عليا.. كانوا فئران تجارب امتلكوا شخصيات جديدة من خلال غسل أدمغتهم ومحو ذاكرتهم وتوجيههم للتصرف بطريقة تختلف عن هويتهم الحقيقية.. فبشارة سرحان مثلاً (وهو فلسطيني من مواليد القدس) بدا منفصلاً عن الواقع طوال ثلاثة أيام بعد الحادثة.. كما وُجدت في أوراقه أوامر مكررة لعشرات المرات تفيد بضرورة قتل روبرت كينيدي قبل الخامس من يونيو 1968(وهو التاريخ الذي يوافق الذكرى الأولى لحرب 1967 التي غزت فيها إسرائيل مصر وسورية والأردن).. أما كاندي جونز فكانت فتاة أمريكية لعوباً عملت خلال الحرب الباردة كآلة "مبرمجة" تحت إشراف طبيب تابع للمخابرات تعرفه باسم الدكتور جونسون.. وقد هدم جونسون شخصيتها الأصلية وبنى لها شخصيتين لا تعرف كل منهما الأخرى - الشخصية الأولى جاسوسة ذكية تدعى أرلين، والثانية مواطنة عادية تدعى كاندي.. وكانت شخصية أرلين الجاسوسة لا تظهر إلا في حال استدعاها جونسون تحت التنويم المغناطيسي أو حين تغادر البلاد في مهمة لصالح المخابرات الأمريكية!!

.. هذه الشخصيات المشوهة تثبت إمكانية محو شخصية - وذاكرة - الإنسان القديمة، وخلق شخصية وذكريات جديدة تناسب حياته الجديدة أو مهمته التالية!!

... ثاني أعظم سبب يمكنه قلب حياة الإنسان رأساً على عقب هو (تجاوز مرض مميت) بحيث يرى الدنيا بشكل مختلف ويعتبر كل يوم هدية جديدة من خالق السماء..

السكوت في زمن الوقاحة


معظم الناس مؤدبون بطبيعتهم، وراقون في تعاملاتهم، ولا يدخلون الإنترنت إلا للبحث أو تمضية الوقت.. ولكن هؤلاء بالذات هم "الفئة الصامتة" التي لا تسمع لها صوتاً، ولا تعرف لها رأياً- وبالتالي- تترك الساحة لفئات شاذة تعوض ضآلة حجمها برفع صوتها والتطاول على غيرها دون مساهمة حقيقية أو إضافة إيجابية!!

.. المؤكد أن مجتمعنا تغير بسبب الإنترنت ودخوله بالآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي.. فبعد أن كانت المجاملة والستر وغض الطرف، هي الثقافة السائدة بين آبائنا؛ أصبحت الوقاحة والتطاول واقتحام الخصوصيات هي السائدة لدى جيل الإنترنت.. وبعد أن نضجت في تويتر والواتساب، بدأت ثقافة الوقاحة تتسرب إلى تعاملات الشارع وواقع الحياة..

والأسوأ من هذا أنها أصبحت في عرف البعض شجاعة وجراءة ونوعاً من الاحتساب، في حين أنها تطاول ودليل على فراغ أصحابها - حيث لا أسهل من الترصد والانتقاد ولا أصعب من الإبداع والإنتاج.. حيث لا أسهل على الضمير المثقل بالذنوب من السياحة في النت بحجة "الاحتساب الإلكتروني" ثم التوقف عند كلمات وفقرات وصور معينة لترك شتيمة قبيحة تلبس ثياب التقوى والنصيحة..

.. أنا شخصياً لم أجد رداً مثل (عدم الرد).. أفضّل إضاعة وقتي في الكتابة والتأليف بدل إضاعته في الرد على التعليقات السخيفة.. أتعمّد التجاهل كونه وسيلة فعالة للرد على الجاهلين بدليل قوله تعالى«وَإِذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً».. لو طبقنا هذه الآية مثلاً لمواجهة أزمة الرسوم الدنمركية - ضد نبينا الكريم - لما ساهمنا في شهرة الرسام ونشر الرسومات المسيئة في صحف العالم.. لم نتذكرها أصلاً بعد تجربتنا القديمة مع سلمان رشدي الذي نشر آيات شيطانية عام 1988 فمنحه العالم الإسلامي سمعة مدوية نال بسببها جائزة ويتبيرد للإبداع وأصبح ثرياً بفضل ملايين النسخ المباعة منها (بعد أن كان كاتباً مغموراً فشل في بيع خمس روايات قبلها)!!

.. أما على مستوى الأفراد فلم أجد أبلغ من قول الإمام الشافعي:

إذا نطق السفيه فلا تجبه

فخيرٌ من إجابته السكوت

فإن كلمته فرَّجتَ عنه

وإن خليته كمداً يموت

فكثيراً ما يكون الصمت وعدم الرد (وأحياناً الاكتفاء بالشكر الجزيل) هو السلاح العظيم لي ولك وللأسماء المعروفة في المجتمع.. فالكاتب مثلاً لا يمكنه إرضاء الجميع بحكم مهنته.. وضعه خطير لأنه - وبحكم المهنة أيضاً- مجبر على قول رأيه علانية (بعكس عامة الناس) وبالتالي لن يرضي كافة الأطراف مهما فعل.. يصعب عليه مناقشة الجميع أو الرد على الجميع كونه يسمع كل يوم انتقاداً ومديحاً لذات المقال - أو يسمع حوله نصائح متعارضة يستحيل تنفيذها أو نشرها.. أنا شخصياً أحترم جميع الآراء التي تصلني ولكنني سأبذل جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً إن حاولت تفنيد كل رأي على حدة - فأتجنب الجدال ببساطة وأكتفي بالشكر على التنبية..

.. مايهمك أنت - في نهاية المقال - أن تدرك أن السكوت في زمن الوقاحة أصبح أفضل حل للأسباب التالية:

لأن ردك على الجاهل ينزل بك لمُستواه.

ولأن ردك على الساذج يجعل الناس يخلطون بينكما !

ولأن ردك على الحاسد يُنفس عن غلّه تجاهك.

ولأن ردك على قليل الأدب يدفعه للتطاول عليك مجدداً.

ولأن ردك على المغمور يمنحه فرصة الظهور.

وأخيراً؛ لأن ردك في زمن النت يبقى إلى الأبد على النت.

أمام الطاغية يصبح التوقف عن التصفيق لحظة مصيرية


شاهدت لقطة على اليوتيوب يدخل فيها رئيس كوريا الشمالية (كيم جونج إيل) للبرلمان وسط عاصفة من التصفيق.. كان أعضاء البرلمان يتنافسون على فعل ذلك بحماس طمعاً في السلامة.. فقد سبق أن تم سجن وفصل وإعدام أشخاص لم يصفقوا أو يحزنوا أو يبتهجوا بالقدر المناسب.. فبعد وفاة والده الديكتاتور مثلا تم سجن 1700 مسؤول ومواطن لم يظهروا أمام الكاميرات باكين أو حزينين بمستوى الكارثة الوطنية. وكان آخر ضحايا "قلة التصفيق" زوج عمته الذي أعدم في ديسمبر الماضي بحجة الخيانة (والدليل) تأخره في التصفيق والقيام من كرسيه فور دخول الزعيم الأعظم!

.. حين شاهدت اللقطة السابقة تذكرت فوراً برلمان بشار الأسد ومن قبله ستالين وكاسترو ونيازوف وكل دكتاتور يصبح التوقف عن التصفيق أمامه لحظة مصيرية تحدد مستقبل العضو السياسي (وبالتالي لا يجرؤ أحد على التوقف حتى يأمر هو بذلك)!!

.. وفي الحقيقة يمكنك تخمين مستوى الديمقراطية في أي بلد من خلال مستوى التصفيق الذي يواجه به رئيسها؛ فكلما خف الحماس دل ذلك على ديموقراطية الحكم، وحرية التعبير، وتعددية المعارضة.. بل قد يصل الأمر في الديمقراطيات العريقة حد التصفيق على الطاولات (كعلامة استهجان) أو الامتناع عنه تماماً (كما يفعل أعضاء الحزب المعارض في الكونجرس مع أوباما) أو التصفيق ببطء وكسل كعلامة استخفاف وإهانة (كما حدث حين حاول توني بلير تبرير تدخل بريطانيا في العراق حيث لم يتوقف بعض الأعضاء عن التصفيق بحركة بطيئة دون إصدار صوت)!!

على أي حال؛ ليس كل تصفيق يدخل تحت مظلة السياسة والديموقراطية.. فهناك من يصفق إعجاباً أو طرباً أو استحساناً أو تشجيعاً.. وكل هذا يأتي كرد فعل تلقائي (وفائض طاقة) ينجم عن ارتفاع مستوى هذه المشاعر بدليل اشتراك كافة البشر بحركة الصفق ذاتها..

أيضاً يمكن أن يتحول التصفيق إلى فعل اجتماعي متعلم ومقصود كما في البرلمانات المصطنعة، أو حين يقدمه الجمهور تقديراً للضيف أو إعجاباً بأداء معين (في حين توظف الاستوديوهات من يؤشر للجمهور للتصفيق خلال البرنامج)!!

الحقيقة هي أن التصفيق يبدأ لدى الإنسان حتى قبل الكلام ذاته؛ فالأطفال الرضع لو تذكرت

جيداً يصفقون بأيديهم حين يرون وجوه أمهاتهم، ويعبرون عن غضبهم أو سعادتهم أو شعورهم بالشبع بنفس الطريقة.. وهو قديم (من وجهة نظر تاريخية) قدم الإيماءات الجسدية التي يُقصد منها إيصال رسالة معينة.. ففي الإمبراطورية الرومانية مثلاً كان الناس يصفقون للاستحسان، ويطقطقون أصابعهم للتشجيع، ويضربون أفخاذهم للاستهجان.. أما العرب فكانوا يصفقون أثناء طوافهم حول كعبات مكة وثقيف ونجران وغطفان وذي الخليص كنوع من الطقوس التعبدية.. أما المجوس فكانوا يصفقون للنار أثناء ركوعهم لها ويخصصون من يفعل ذلك على الدوام في حين مايزال التصفيق مرافقاً لجلسات الزار وحلقات الذكر لدى بعض الدراويش والمتصوفة!

وكل هذا يثبت أن التصفيق (وبما أنه ليس كلاماً يفهم بذاته) يعبر في كل مناسبة عن سياق الموقف الموجود فيه وبالتالي لا يمكن إصدار حكم موحد بشأنه.. ورغم أن بعض الفقهاء حرموه أو كرهوا فعله لا يوجد نص شرعي واحد يؤيد حرمانيته بل على العكس يوجد نص يجيز للنساء فعله بغرض التنبيه في الصلاة..

أقول هذا وأنا شخصياً أفضل تحريمه على تقديمه لطغاة أمثال كيم جونج وعصابته.. وابحثوا عن اللقطة في اليوتيوب لتفهموا قصدي..

نظرية الملاعق الثلاث


لم أتمنّ يوما أن أصبح فقيرا أو أولد لطبقة فقيرة، ولكنني في نفس الوقت لم أتمنّ يوما أن أولد لطبقة ارستقراطية مرفهة لا تجد دافعا للعمل ولا حافزا للإبداع..

ليس ممتعا أن تولد وفي فمك ملعقة خشبية، ولكن لا بأس في أن تولد بملعقة فضية بحيث يتولد لديك فضول وحافز لتجربة الملعقة الذهبية..

فالتاريخ يثبت أن معظم الإبداعات والانجازات (والإضافات الحقيقية في المجتمع) تأتي من عصاميين ولدوا في الطبقة المتوسطة ويطمحون للوصول لمستوى الطبقة المرفهة..

المشكلة تأتي من (أبناء) الطبقة المرفهة التي ولدت بملعقة ذهبية ولا يفهمون معنى العصامية أو الدافع للعمل والإبداع - كونهم ولدوا أصلا بحالة اكتفاء وترف يسعى إليها الجميع -..

وكان عالم الاقتصاد الأمريكي ثورستين فيبل أول من قدم مصطلح الرفاهية المظهرية The Theory of the Leisure Class لوصف حال أبناء الطبقة الأرستقراطية.. فبعد وفاة جيل العصاميين يصبح الظهور بمظهر الثراء والرفاهية هدفا بحد ذاته لدى الأجيال التالية (التي ورثت المال وولدت وفي فمها ملعقة ذهبية).. وهؤلاء حسب تعريف فيلبين يستهلكون الوقت دون انتاج ويمضون حياتهم في تنافس استعراضي - لكنهم في نفس الوقت يدركون ضرورة استمرار التدفق المالي وتحصيل ما يكفي لمنحهم مظهر الثراء والترف الكسول..

صحيح أن أبناء الطبقة الارستقراطية لا يتحملون مشاق العمل وسنوات الدراسة الطويلة، ولكنهم في نفس الوقت يسهل عليهم امتلاك الشركات والمشاريع والأعمال الخاصة - وبالتالي توظيف المبدعين من أبناء الطبقة المتوسطة، والمحتاجين من أبناء الطبقة الفقيرة..

وكنت قد اشتريت كتابا بعنوان: "لماذا يعمل الطلاب الممتازون لدى الطلاب المتوسطين، والطلاب الجيدون لدى الحكومة".. ورغم أن وقتي لم يسمح بقراءة الكتاب حتى الآن إلا أنني أعرف المؤلف روبرت كيوساكي من خلال كتاب سابق بعنوان "أب غني وأب فقير" أنصح كل أب بقراءته.. وحين شاهدت كتابه الجديد لم أتردد في شرائه وفهمت فكرته فور مشاهدة عنوانه.. فالطلاب الممتازون (ممن يحصلون على شهادات عليا ومتخصصة) سيعملون في النهاية لدى الطلاب المتوسطين دراسيا (ولكنهم ولدوا لعائلات ثرية أو امتلكوا شركاتهم الخاصة) في حين ينتهي الحال بالطلاب الأقل مستوى بالعمل لدى الحكومة (الأم الحنون التي تقدم أمانا وظيفيا مرتفعا لمن لايملك شهادة عليا أو مشروعا خاصا)...

هذه التراتبية ليست جديدة ولكنها تلبس في كل عصر ثيابا مختلفة؛ فخلال العصور الوسطى مثلا كان النبلاء الأوربيون يترفعون عن العمل اليدوي، وينعمون بالثراء من خلال احتكار الأراضي وفرض الضرائب على العمال والفلاحين.. أما في عصرنا الحاضر فيمكن وصف بيل جيتس كإقطاعي معاصر يحتكر90% من البرامج المشغلة للكمبيوتر، وكارلوس سليم الذي يحتكر 86% من قطاع الاتصالات في المكسيك!!

... المهم فعلا أن نفرق بين أثرياء عصاميين انتقلوا بعملهم وكفاحهم الى مستوى الطبقة الثرية (ويرغبون بتجربة الملاعق الذهبية) وبين أبنائهم الذين لم يُجربوا طعم الكفاح والحاجة ويعتقدون أن من لايجد الخبز يمكنه تناول الكعك...

فحين تولد بملعقة ذهب - وترث المنصب والثروة بلا تعب - من الطبيعي أن تفكر بحماقة الدراسة سبع سنوات (للعمل كطبيب) أو ضرورة التخرج كمهندس مدني أو معماري (يعمل تحت الشمس) أو دوافع كتابة سبعة آلاف مقال طوال عشرين عاما... !!

... إن كنت عصاميا تملك أبناء ولدوا في طبقة مرفهة فتحتاج فعلاً لقراءة المقال مجدداً..

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...