الثلاثاء، 30 مارس 2021

مبادرة السعودية الخضراء هل تجعلنا روادا في مجال الزراعة الجافة

 مبادرة ولي العهد الأخيرة (بخصوص السعودية الخضراء) من شأنها سحب البساط الأخير من تحت قدمي إسرائيل.. 

فحتى اليوم ماتزال إسرائيل الدولة الرائدة في مجال الزراعة الصحراوية، وتقنيات الزراعة الجافة، واستخلاص الماء من رطوبة الجـو ...

تفوقها في مجال الأبحاث الزراعية جعلها المُصدر الأول لأجود أنواع التمور وفسائل النخيل في العالم.. أصبحت «النخلة الإسرائيلية» ثاني أكثر منتج للتمور بعـد (ليس نخلة المدينة أو القصيم) بـل نخلة كاليفورنيا التي استوردها الأميركان من الأحساء قبل قرنين وتنتج في المتوسط 70 كلغم (مقارنة بالنخلة الإسرائيلية 50 كلغم والنخلة السعودية 37 كلم)!

السؤال الذي مايزال قائما ؛ أين جهودنا وأبحاثنا نحن في هذا المجال؟

أين جامعاتنا ومراكز أبحاثـنا وحلولنا الخاصة بالجفاف والتصحر ورفع معدل زراعة الأشجار؟

باستثناء المكيف الصحراوي، ماذا صنعـنا؟

وإن كانت لدينا حلول وأبحاث، فـلماذا لا نراها ولا نلمس لها أثراً على أرض الواقع؟

القضية بالنسبة لنا مصيرية وتفوق في أهميتها إنتاج النفط وتصدير البترول.. فنحن نعيش في بيئة صحراوية لا مجال فيها للحياة إلا بابتكار حلول للجفاف والتصحر وضعف الإنتاج الزراعي.

يجب أن تظهر لدينا ثـقافة البحث والتخصص في هذا المجال بالذات.. يجب أن نشجع الأبحاث الصحراوية وتقديم حلول محلية.. يجب أن نخصص الجزء الأكبر من بعـثاتنا للخارج للدراسة في جامعات مشهورة بأبحاثها الزراعة الصحراوية - مثل جامعات أريزونا، وبــيرث، وجنوب تكساس، بـل وحتى جامعة حيفا وتل أبيب..

لا يتسع المقال للحديث عن تقنيات الزراعة الجافة (ولا حتى تحلية المياه التي ما زالت بأيادٍ أجنبية) لهذا سأقفز لقضية نادراً ما نتحدث عنها.. مسألة تأخرنا وتخلفنا في زراعة المحاصيل المالحة.. فرغم أننا نملك صحارى شاسعة وبيئة قاحلة، ولكن نملك أيضاً سواحل طويلة وبحاراً هائلة، يمكننا استغلالها في زراعة المحاصيل..

قد تبدو الفكرة غريبة، ولكن تذكر معي أن في أعماق البحار توجد نباتات وطحالب تعيش على المياه المالحة (طعمها أحلى من السكر).. بل إن التنوع النباتي داخل المياه المالحة أكثر من الموجود على سطح الأرض وبإمكانها سد احتياجاتنا إلى الأبد. منذ السبعينات بدأ علماء الهندسة الوراثية في البحث عن «الجينات» التي تمكن النباتات البحرية من التعامل مع الأملاح، ودمجـها لإنتاج أنواع مهجنة من القمح والأرز يمكن زراعتها على السواحل، وحتى الآن تبدو النتائج مشجعة وتمكنوا فعلاً من إنتاج أنواع من الأرز والقمح والذرة تسقي بمياه مالحة أو شحيحة أو شبه مالحة!

... وإن كـنا عاجزين عن إنشاء مراكز أبحاث مماثلة لتهجين المحاصيل (بحيث تصبح أقل استهلاكاً للمياه أو أكثر تحملاً للملوحة) فليس أقله البحث عن النباتات التي تعيش بشكل طبيعي على المياه المالحة..

قـبل عشرين عاماً سمعت عن محاولات زراعة نبتة الساليكورنيا في المنطقة الشرقية (بالتعاون مع معهد أبحاث أريزونا الزراعي) فأين وصل هذا المشروع؟ ولماذا لم نعد نسمع عـنه؟.. فهذه النبتة تعود إلى سواحل المكسيك وتشرب المياه المالحة وتفوق في إنتاجها نباتات تسقى بالمياه العذبة كالذرة وفول الصويا ودوار الشمس.. وهي مجرد مثال لنباتات كثيرة تعيش على المياه المالحة وتنموا بشكل طبيعي على شواطئ البحار والسبخات والتربة ذات التفاعل الحموضي..

كيف نستمر في استيراد محاصيل يستحيل زراعتها لدينا (كالأرز الذي يغمر بالمياه العذبة) في حين نتجاهل بطاطس تشيلي، وبذور الساليكورنيا، وطماطم كالاهاري، وجوز مالاوي التي تسقى كلها بمياه البحر المالحة...

أين وزارة الزراعة لدينا من تجربة محاصيل كهذه تعد أقل كلفة من تحلية المياه نفسها؟.. ألا يفترض بها امتلاك مركز متخصص بالمحاصيل المالحة يليق بامتلاكنا 3400 كيلومتر من السواحل القابلة للزراعة!؟

الموضوع ذو شجون.. وكل الشجون تجتمع تحت السؤال الكبير: أيـن ابتكاراتنا الصحراوية؟

وسائل الدفع القادمة

 خلال أغسطس 2018 وصلت إلى بنما ضمن جولة طويلة درت فيها حول العالم "بمعنى الكلمة". وحين وصلت إلى بنما تمت مصادرة الأموال النقدية التي أحملها بحجة أنني لم أصرح عنها كاملة، وبعـد انتهاء محاكمتي (وتكفل سفارتنا في البيرو بأتعاب القضية والمحامي) خرجت إلى المكسيك، وأكملت جولتي حول العالم ببطاقتي ائتمان فقط، توقـفت إحداهـما في هاواي.

وهذه القصة المختصرة، تختصر أفضلية البطاقات البلاستيكية "بأنواعها" على حمل الأوراق النقدية "الشكل الأقدم للمال".
أما هذه الأيام فـيبدو أن جائحة كورونا جعلت حـتى "البطاقات البلاستيكية" تبدو متخلفة أمام وسائل دفع أكثر تطورا ــ مثـل الدفع من خلال المحافظ الإلكترونية والتطبيقات الذكـية.
أمــا إن أردنـا التنبؤ بما هـو أبعـد من ذلك، فـدعونا نتذكر أولا أن أهــم مكونات بطاقاتنا الحالية "ليس البلاستيك" بــل الشريحة الإلكترونية التي تحمل بياناتك المالية والبنكية، وتتيح لأنظمة الدفـع الإلكترونية التعـرف على رصيدك ومعلوماتك الشخصية.
وهـذا يعني أن الشكل التقليدي والمستطيل للبطاقة البلاستيكية "غـير ضروري" أو مهم بحــد ذاته، فـالشريحة الإلكترونية يمكن زرعها مباشرة تحت جلدك ــ وتحديدا بين الإبهام والسبابة. لن يزيد حجمها على حبة الأرز ولكنها ستغنيك قريبا عن حمل المحفظة والنقــود وجميع البطاقات الإلكترونية. ستعمل كـــ"ذاكرة سحابية" تتضمن حساباتك البنكية وأرقامك السرية وملفاتك الصحية وشهاداتك الأكاديمية وصورك الشخصية، يمكنك أن تـحمل فيها كافة المعلومات والبيانات والوثائق التي ترغب في وجودها معك حتى أثناء نومك وسفرك واستحمامك وضياعك في صحراء النفود. ستتفوق على هاتفك الذكي وتضم عددا لا يحصى من التطبيقات الذكية والخدمات الشخصية والتفاعلات الطرفية، ستتفاعل بشكل مباشر مع جميع الأجهزة حولك "من خلال تقنية البلوتوث" فـتفتح لك الأبواب، وتقطع التذاكر، وتسمح بمرورك على مراكز التفتيش والجوازات والحدود الدولية بمجرد اقترابك منها.
وهذه الفرضيات ليست من قبيل الخيال أو المبالغة كونها تقنيات موجودة هذه الأيام، ولا يوجد عائق طبي يمنع زرعها "تحت جلدك" لأداء هـذه المهام.
أما الخطوة "ما بعـد المقبلة" فـستعتمد على بصماتك البيولوجية التي تميزك عن ثمانية مليارات إنسان ــ بمن فيهم شـقيقـك التوأم، ستلغي الشرائح "بأنواعها" وتكتفي بـنبرة صوتك، وبصمة أصبعك، وقزحية عينك، وتضاريس وجهك للتـعرف على بياناتك الشخصية وأرصدتك المالية وسجلاتك الائتمانية، سـتعتمد على أكثر من 21 بصمة بيولوجية "أخـرى" تغـنينا عن حمل المحافظ الجلدية، وتجعـلنا مكتفين بـأجسادنا "فقط" للدخول على بياناتنا الشخصية والحصول على المال من أي مكان في العالم .. بما في ذلك بـنما..

فكر داخل الصندوق

قـبل فترة ذهبت لبنكي المفضل لـلاشتراك في صندوق خاص بالأسهم أثبت نجاحه في آخر عشرة أعوام .. والمشكلة في صناديق الاستثمار أنها تستقطع من أموالك نسبة مئوية (سـنوية) سواء ربحت أم خسرت..
سألت موظف البنك: كم نسبة الاستقطاع؟ قال: سنأخذ 3 في المائة من رأس المال عند اشتراكك لأول مرة فـقـط. قـلت: هذه أعرفها، ولكنني أتحدث عن النسبة التي تستقطع سنويا.. قال: لايوجد استقطاع سنوي، فقط الاستقطاع الخاص بــأول اشتراك.. أصررت على رأيي وقلت: لا أعتقد ذلك، هناك حتما رسوم سنوية تخص المصاريف الإدارية.. أصر هو أيضا على موقفه، فـقلت: ما رأيك أن نتصل بالمسؤول عن الصندوق لنسأله.. اتصل بالفعل: فأخبره كلاما فضفاضا لم يجـب عن سؤالي.. طلبت الإذن بالحديث معه وسألته بنفسي: عفوا، كم النسبة التي تأخذونها (سنويا)؟.. كرر الكلام نفسه بخصوص أول استقطاع فقط، وأن الحسابات تصدر في نهاية العام، وأن أرباح الصندوق تعتمد على نشاط السوق ووو...
لم ينجح في تشتيت ذهني، فكررت سؤالي للمرة الثالثة: "الله يرضى عليك، كم تبلغ النسبة التي تأخذونها سنويا؟".. رضخ في النهاية وقال: 1,7 في المائة فقط.. قلت: وهل هذه النسبة مرتبطة بالربح فقط، دون الخسارة؟ قال: لا، هذه مصاريف ثابتة سواء ربح الصندوق أم خسـر..
وللوهلة الأولى قـد تبدو النسبة بسيطة (خصوصا حين يحقق الصندوق ربحا يفوق الــ10 في المائة) ولكن المشكلة أنه، في حال خسر بنسبة 10 في المائة ســتضاف هذه الخسارة إلى الـــ1,7 في المائة (الاستقطاع السنوي) والــ3 في المائة (أول استقطاع) فـيصبح مجموع خسائرك 14,7 في المائة.. وخسارة كهذه ستتراكم بمرور الأعوام لتصبح مبلغا ضخما لن يتحمله الصندوق أو البنك بالنيابــة عنك...
وحين أدركت هذه الحقيقة، أخبرته أنني سألغي فكرة اشتراكي معهم، وأشتري (بالمبلغ نفسه) أسهما مباشرة من دون استقطاع أو مصاريف سنوية.. وحينها فقط وافق على تخفيض الرسوم السنوية إلى 1.25 في المائة (وحتى في هذه الحالة لم أكن سأوافق لولا أن تاريخ الصندوق يؤكد نجاحه في آخر عشرة أعوام).
ـــ مــاذا نستفيد من هذه القصة؟
... ثلاثة أشياء:
الأول: أنها نموذج لوضعـية "عـدم إخبار العميل بكل شيء" التي تـعـتمدها البنوك خشية رفضه للخدمة..
والثاني: أنها مثال على أن البنوك عـدو من يجهل، وصديق من يعـلم، وأن معرفتك بطريقة عملها قــد يترجم لـربح أو خسارة...
أما الثالث، فهو أن استثمارك المباشر في الأسهم أفضل من اشتراكك في الصناديق في حال زادت نسبة الاستقطاع السنوي على 1,5 في المائة (ويجب أن يكون لديك سبب قوي للموافقة على 2 في المائة).

الاثنين، 22 فبراير 2021

عشرة اسباب لعدم الاستثمار بالخارج

 في آخر مقال «لا تبتعـد عن عقاراتك»، أشرت إلى أن الميزة الأساسية في العقارات هي حفظ الثروة وتحويلها إلى أصول مستقرة تتحكم فيها، وتورثها لأبنائك، وتضمن وجودها قربك. وهذا المطلب لا يتحقق في أي عقار تشتريه خارج دولتك بسبب صعوبة متابعته وإدارته واحتمال انقطاع صلتك بـه.

مـا لم تكن مليارديرا يملك طائرة خاصة، وجيشا من المحامين، لا أنصحك بشراء عقار "خارج دولتك" لـعـشرة أسباب رئيسة:
1) لأن قوانين التملك والإيجار والضرائب وتحويل الأموال ورسوم الخدمات (ووو) إما تختلف عن دولتك، أو لا تعلم بوجودها أصلا.
2) لأن قدراتك المادية "وظروف وقتك وعملك" لا تسمح دائما بالسفر لمتابعة أملاكك "وفي حال سمحت، ستخصم تكاليف السفر من أرباحك".
3) وبما أن عـمر العـقار "طـويل جـدا" هـل تضمن عـيشك للفـترة نفسها؟ هل سيتابعه أبناؤك من بعـدك؟ هل ستحقق أرباحا مجزية فـيما تبقى من حياتك؟
4) والحقيقة هي أن معظم المشاريع الموجهة للأجـانب تسوق كـمجسمات "غير مكتملة" بهدف استقطاب الأموال أولا، والوعـد ببناء المشاريع ثانيا.
5) ولهذا السبب، كثيرا ما تتوقف الشركات المـنفذة عن إكمال المشروع بعد جـمع الأموال ــ ودائما لأسباب قانونية أو خارجة عن إرادتها أو لأنهم نبهوك مسبقا لاحتمال ظهورها "في العقد الذي لم تقرأه جيدا".
6) وهذا يـذكرنا بحقيقة أن عقود الشركات تصاغ دائما بطريقة احترافية من خلال فريق قانوني لا يترك ثغـرة أو احتمال إدانة تستطيع استخدامه ضدها.
7) وهذا يعني أنك لا تستطيع مقاضاتها "ليس فقط بسبب تكاليف القضاء المرتفعة" بــل لأنك تـلعب "في غير أرضك" ضد جيش من المحامين.
8) أما المسوقون "الذين أقـنعوك بالشراء منذ البداية" فليسوا موظفين لدى الشركة لأسباب تتعلق بإخلاء المسؤولية والتنصل من الوعود التي يقدمونها.
9) وبسبب المشكلات السياسية غير المتوقعة أو ظهور تشريعات وقوانين جديدة، قـد تدخل في صراع مباشر مع السلطات الرسمية "كما حدث في تركيا".
10) وغالبا ما تملك الشركات العقارية المطورة نفوذا كبيرا داخل الدولة.. وبالتالي ستكتشف متأخرا أن لا أحد يريد إغضاب مطور عقاري كبير، من أجل مالك شقة صغير.
ولهذه الأسباب مجتمعة لا أنصحك بشراء أي عقار في الخـارج.. ما لم تكن أنت بنفسك "المطور العقاري الكبير" الذي يتنقـل بطائرة خاصة وجـيش من المحامين.

لا تبتعد عن عقاراتك

 الميزة الأساسية في العقارات هي حفظ الثروة وتحويلها إلى أصول مدرة للمال تتحكم بها، وتورثها لأبنائك، وتضمن وجودها قربك. وهذه المطالب لا تتحقق في أكثر العقارات التي تشتريها (في الخارج) بسبب صعوبة متابعـتها واحتمال انقطاع صلتك بـها.

أفضل عقار تشتريه "هناك" ستتحمل بسببه مصاريف السفـر والغربة والبعـد الجغرافي ــ ناهيك عن المشكلات السياسية والاقتصادية غير المتوقعة، خذ كمثال نظام أردوغان في تركيا الذي صادر بين 2016 و2018 المشاريع الخاصة بــ178 من رجال الأعمال "وكل ما له صلة بالمعارض فتح الله جولن"، وأمـر كهذا تسبب في ـخسارة عشرات المواطنين السعوديين والخليجيين لاستثمارات في تركيا، ووضعهم في مواجهة مباشرة مع السلطات الرسمية هـناك.
أنا شخصيا تعلمت الدرس بطريقة قاسية حين اشتريت في 2016 شقة بالتقسيط في إحدى الإمارات الخليجية. لم أتعرض فقط للخداع والمماطلة "من قبل الشركة المنفذة" بــل وصعب علي السفر لمتابعة المتطلبات الرسمية والدعوى القضائية التي رفعتها لاحـقا. وبدل أن أحصل على أصل مـدر للمال، خسرت أموالا بسبب رسوم التقاضي ومصاريف السفر وحجوزات الفنادق ــ بعكس العمارة التي بنيتها قرب منزلي وأمر أمامها أربع مرات في اليوم. ولعلمي بأنني لست الوحيد في هذا المأزق وضعت استفتاء في "تويتر" (في الثاني من هذا الشهر) سألت فيه من استثمروا في الخارج عن تجاربهم الخاصة، فكانت النتيجة سلبية جـدا، 39 في المائة منهم أفادوا بأنهم خسروا أو تم خداعهم و37 في المائة جـزموا بعدم تكرار التجربة "في حين قــدم 23 في المائة فقط رأيا إيجابـيا".
عـلى أي حـال، في حال كنت مصرا، أرجو أن تتقـيد على الأقل بالتالي:
- اسأل سفارة دولتك إن كانت هناك قضايا احتيال أو مماطلة تعرض لها مواطنون قبلك.
- ابحث في الإنترنت عن المشروع، وسمعة الشركة، وماذا يقول عنها الناس.
- لا تتسرع في توقيع العقـد، ولا توقـع عـقدا كتب بلغة لا تفهمها، ولا تتردد في تغيير بعض البنود المجحفة.
- لا توقع العـقد إلا بوجـود محام متخصص، "فقيمة أتعابه وهو جالس بقربك، أقـل منها وهو واقف في المحكمة".
- وحين تـقـرر، اعقد صفقة مباشرة بحيث تتسلم صك الملكية فور دفع الثمن "وليس بحسب نظام التقسيط، ثم الاستلام لاحقا".
... أعـرف أن معظم من يقرأون هذا المقال ليسوا أثرياء، ولكنني أعرف أيضا أن معظمكم سـيفكر في شــراء (عـقـار مـا) في مرحلة معينة من حياته.
في هذه الحالة اخـتر الأقرب إلى نافــذة غرفتك.

سبعة اسباب لتدريس الجنس في المدارس

 القضية محرجة بلا شك حتى لأكثر الآباء انفتاحاً.. ولكن هذا لا يعني تجاهلها أو الصمت حيالها كونها حقيقة وواقعاً وطريقة استمرارنا في الدنيا.. فالأسوأ من الصمت حيالها هو ترك هذه المهمة لأشخاص غرباء - لا تضمن سلامة نيتهم - يتحدثون مع أطفالك نيابة عنك (وفهمك كفاية)!

وأنا شخصياً أملك أسباباً كثيرة للمطالبة بوجود منهج مدرسي (أو على الأقل حصص استثنائية) للثقافة الجنسية يتولاها معلمون أفاضل يتحملون هذا العبء عن الوالدين..

  • ومن أهم الأسباب التي تدعوني لتقديم هذا الاقتراح الأسباب التالية:

1- ان مخاطر الجنس (من أمراض وحمل واستغلال) تأتي بسبب الجهل وعدم الفهم وليس بسبب المعرفة والاطلاع والتحذير المسبق.. هناك إحصائية عالمية تشير إلى أن الدول الاسكندنافية التي تُدرس هذا الموضوع في مدارسها تقل لديها نسبة الإجهاض والأمراض وحمل المراهقات واستغلال الأطفال مقارنة ببقية الدول..

2- ان الجنس غريزة قوية وطاغية لن تخفى على ابنك وابنتك لأنك (فقط) قررت تجاهل الحديث عنها.. ولأنها غريزة قوية وملحة لن يتوقف أبناؤك عن التساؤل حولها والاطلاع عليها بأي وسيلة كانت.. ولأنهم يعيشون هذه الأيام تحت قصف إعلامي مفتوح (سواء من النت أو المحطات الفضائية أو البرامج الإلكترونية) يفترض أن تكون السبّاق في الحديث عنها.. قبل أن يسبقك شخص غريب..

3- وأرى شخصياً أن الحديث بهذا الشأن يجب أن يتم في سن مبكرة مع الطفل لسببين رئيسيين: الأول أنه أسهل للوالدين وأقل إحراجاً للإبن.. والثاني لأن الأطفال (وليس المراهقين أو الشباب) هم غالباً من يتم استغلالهم جنسياً بسبب جهلهم وبراءتهم - وأسأل من حولك عن أقدم ذكرياتهم بهذا الخصوص..

4- وفي حين يعتقد بعض الآباء أن تزويد الأبناء بمعلومات كثيرة عن الجنس يشجعهم على السعي إليه اتضح لمنظمة الصحة العالمية (من خلال متابعة 35 برنامجاً لتدريس هذه المادة في دول العالم) أنها على العكس تماماً جعلتهم أكثر حرصاً وحذراً من تداعياته السيئة - بل وأكثر استعداداً لإخبار والديهم بمشاكلهم الخاصة!!

5- وتدريس الجنس بطريقة تربوية أمينة لا ينعكس فقط على مستقبل الأبناء والأسرة، بل وينعكس بطريقة حميدة على المجتمع ككل.. فمن خلال دراسة منظمة الصحة السابقة (ومن خلال تجارب الدول الاسكندنافية) اتضح فعلاً أن أفضل وسيلة لمكافحة الدعارة، والاستغلال، الأمراض الجنسية، ووجود اللقطاء في المجتمع؛ هي التوعية بالأسباب التي ساهمت في ظهورها أصلاً!

6- وحتى لو افترضنا أن ابنك كبر وأصبح - لا قدر الله - عاصياً ومتجاوزاً فإنه على الأقل يصبح بمأمن من الأمراض الجنسية، والعلاقات غير السوية، والذرية غير الشرعية، وبالتالي لا ينقصه غير التوبة والاستغفار.. وفي المقابل كم تائب تحمل (حتى بعد توبته وهدايته) تداعيات الماضي بسبب الجهل وقلة المعرفة وصمت الوالدين في طفولته!

7- وأخيراً؛ لاحظ أنني أتحدث (منذ البداية) عن إسناد هذه المهمة إلى معلمين مؤتمنين، ومعلمات فاضلات.. إلى تعليم طلابنا من خلال منهج يُجمع عليه خبراء الشرع والنفس - وبطريقة تزيح هذا العبء عن الوالدين وتسمح للطلاب بالحديث عنه بحرية ضمن حلقات نقاش جادة!

.. أيها السادة من لا يعرف الباطل يوشك أن يقع فيه، ومن يتجاهل المشكلة يتحمل تداعياتها لاحقاً.. وطالما اعترفنا بأن الجنس حقيقة واقعة، وغريزة غالبة، وسنة الله في خلقه؛ لا أتردد في تذكيركم بأن أطفالنا (إن لم يتعلموا عنه في المدارس) سيتعلمون عنه من خلال النت وأصدقاء السوء واستغلال غير الأسوياء لهم.

== اقرأ أيضا المقال السابق

مشكلتنا مع هذه الكلمة

 أذكر أيام دراستي في المرحلة الثانوية أن مديرية الأمن العام أقامت معرضاً للمخدرات دار على معظم المدن السعودية.. كان يتضمن شرحا لأنواع المخدرات وأضرارها وطرق صنعها والأساليب المبتكرة لتهريبها.. وأذكر جيدا أن المعلمين حينها انقسموا ما بين معارض لزيارة الطلاب للمعرض (بحجة أنه يفتح أذهانهم على أنواع المخدرات)، وبين مؤيد لزيارته والاطلاع على محتوياته (بحجة أنك لن تعرف الحق قبل أن تعرف الباطل)!

وهذه بالضبط أيها السادة مشكلتنا في الحديث عن الجنس مع أطفالنا.. هل نخفي عنهم كل شيء، أم نستبق كل شيء ونحدثهم بكل شيء؟

مجرد المطالبة بتدريسهم الثقافة الجنسية يسبب انقساما بين محافظ يخشى تفتح الطلاب، ومؤيد يرى أن تثقيفهم حماية لهم من الخطأ والزلل وحدوث مالا تحمد عقباه..

وبدون شك لم تكن هذه المشكلة لتظهر لو اتفقنا أولا على التفريق بين الجدية والإسفاف عند الحديث معهم في هذا الموضوع.. لم تكن لتظهر لو لم نكن شعبا متحفظا يرفض حتى الحديث سرا مع أبنائه بخصوص "الجنس"..

الغريب فعلا أن تحفظنا الحالي لا يتفق مع تاريخنا العربي، ولا أصلنا البدوي، ولا حتى مع ديننا الاسلامي (وسأخبرك لماذا)..

فالعرب كانوا من أكثر الشعوب سماحة فيما يتعلق بالحديث عن الجنس بدليل وجود أكثر من 72 كلمة تصف الفعل ذاته (ووجود أسماء دقيقة للأعضاء التناسلية تفوق أسماء القبائل والخيول والسيوف مجتمعين).. وبعد دخولهم الإسلام صحيح أن الوضع انضبط من الناحية الشرعية ولكن حالة الانفتاح نفسها استمرت بنفس المستوى بدليل تعدد الزوجات (حيث تزوج المغيرة بن شعبة وطلق أكثر من سبعين امرأة)، وانتشار الجواري وما ملكت الأيمان (حيث امتلك بعض الصحابة أكثر من 300 جارية) وشيوع السبي من النساء بعد كل فتح (لدرجة فاضت بهن أسواق المدينة)..

وحتى وقت قريب كان جدي وجدك بل وأبناء القرى هذه الأيام أكثر انفتاحا وفهما لهذا الموضوع بحكم تواجدهم الدائم مع الماشية والمخلوقات الأليفة ومشاهدة لحظات الغزل بينها (وهو مالا يتوفر لأبناء المدن هذه الأيام الذين أصبحوا لأول مرة في التاريخ يملكون أفكارا خاطئة عن كيفية تشكل الأطفال وخروجهم للدنيا)!

أما القرآن الكريم والسنة النبوية فلم يتحرجا من الحديث عن الفعل ذاته ولكن في إطار من الأدب والتعميم والبعد عن التفاصيل مثل قوله تعالى (فلما تغشاها حملت حملا خفيفا)، و(نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)، وقول الرسول الكريم (في بضع أحدكم صدقة)، أو (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)!

.. كل هذا يثبت أننا نعيش هذه الأيام حالة استثنائية من التحفظ، وعباءة مصطنعة من التملق، وعقبات تعيق التقاء الجنسين بالحلال.. والأسوأ وجود اتفاق جماعي على الصمت والإنكار رغم أنه أصل الانسان ومن أقوى الغرائز لديه..

.. على أي حال؛

كلّ ما سبق كان مجرد مقدمة طالت حتى تحولت لمقال مستقل (لدرجة غيرت العنوان الأصلي واستبدلته بالعنوان أعلاه)..

فالعنوان الأصلي لهذا المقال كان "سبعة أسباب لتدريس الجنس في المدارس" وضرورة تكليف معلمين أفاضل بهذه المهمة.. تدريسه في إطار من الأدب والتعميم حماية لأطفالنا من الزلل، والمجتمع من الخلل، واستباقنا لحتمية تعلمه من أصدقاء السوء ومواقع النت..

ووافوني في المقال القادم لأخبركم عن سبعة أسباب تؤيد اقتراحي هذا!‏

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...