الأحد، 29 مارس 2020

الرياضة الوحيدة التي ستستمر في ممارستها


حين نمشي لأكثر من ثلاثين دقيقة يتملكنا شعور جميل بالهدوء والسكينة وحدة الذهن.. ليست تعبيرات مجازية بل أوصافاً حقيقية تساندها تجارب شخصية ودراسات علمية.. فالمشي السريع (مثل أي تمارين رياضية) يرفع نبضات القلب ويضخ المزيد من الأكسجين والسكريات للدماغ. تخيله كمحرك سيارة ترتفع قوته وسرعته، بارتفاع كمية البنزين والهواء التي تضخها داخله. هذا هو السر في حالة التألق الذهني (والكم الهائل من الأفكار الجميلة) التي نشعر بها خلال مشينا لفترة أطول وأسرع من المعتاد.

هناك دراسة دنماركية تفيد أن الإصابة بالزهايمر تقل بنسبة 30 % لدى الأشخاص الذين يمشون خمس مرات في الأسبوع لفترة طويلة.. فـالإصابة بالزهايمر لا تعود فقط لأسباب وراثية؛ كون الكسل وقلة الحركة مسؤولين عنه أيضاً بنسبة كبيرة.. دراسات كثيرة قارنت بين التوائم؛ حيث يفترض أن إصابة أحدهم بالزهايمر يعني تلقائياً إصابة الآخر به (بسبب تماثل العامل الوراثي) ولكن لوحظ في 21 % من العينات أن الأخ الآخر لا يصاب به كونه أكثر نشاطاً وممارسة للمشي - وأعتقد شخصياً أن النسبة أكبر من ذلك كون التوائم يتشاركون غالباً حتى في عاداتهم الصحية السيئة ونسبة 21 % تتعلق فقط بأخ شقيق خالف شقيقه ومارس رياضة المشي لفترة طويلة.

نأتي الآن لمشاعر الهدوء والسعادة التي تصيبنا بعد المشي لفترة طويلة.. ويعود السر إلى وجود مواد طبيعية مهدئة تفرز في الدماغ أثناء الحركة تجعل الإنسان في حالة مزاجية وذهنية ممتازة.. من هذه المواد هرمون الإندورفين الطبيعي الشبيه بالمورفين الذي يساعد على تخفيف الآلام ويعطي شعوراً بالراحة والسعادة. ويُعـتقد حـالياً أنه المسؤول عن حالة الشعور بالسعادة والغبطة التي يشعر بها العداؤون المنتظمون، ويجعلهم في حالة إدمان حقيقي على رياضة الجري والمشي الطويل.

لا يمكننا فعلاً حصر فوائد المشي على صحة الإنسان ودوره في الحفاظ على سلامة العقل والروح والجسد.. مقالنا اليوم اقتصر على دوره في تألق الذهن وهدوء النفس، ولم يتطرق لفوائده للقـلب والرئتين والعضلات والصحة عموماً.

لنكن صريحين؛

لن تمارس الرياضة.. ولن تستمر في النادي.. ولن تستخدم السير لأكثر من أسبوعين.. الشيء الوحيد الذي تستطيع الانتظام فيه هـو إيقاف السيارة والمشي لنصف ساعة في اليوم.

نظرتك الشخصية.. هل تستحق أن تكون محوراً للكون؟


نظرتنا للعالم (مثل بصماتنا) لا تـتشابه مع غيرنا مهما ادعينا.. لا يمكننا حتى نحن رؤيتها والتعبير عنها بمعزل عن الثقافة والبيئة والقوقعة التي نشأنا داخلها.. تعلمت أنا ذلك بفضل ثلاثة عقود من الكتابة اليومية ومتابعة ردود القراء المستمرة، فالناس لا يتقبلون الكاتب (ولا حتى يتقبلونك أنت) اعتماداً على المنطق أو الأدلة التي يقدمها (مهما كانت صحيحة وواضحة) بـل من خلال مبدأ "هل هو معنا أم ضدنا؟".. يتقبلونه أو يرفضونه بحسب مسافة اقترابه أو ابتعاده عـما ألفوه ونشؤوا عليه وظنوه حقيقة مطلقة!

آراؤنا ونتائج تفكيرنا هـي في النهاية (محصلة) لمؤثرات عميقة ولا واعية لا يدركها معظمنا.. محصلة لـثقافة وبيئة ودوافع توجهنا لـتبني آراء وأفكاراً نعتقد أنها فرض عين على الجميع. نادراً ما يخطر ببالنا احتمال تـشوه قراراتنا ونظرتنا للعالم من خلال الموروث والسائد والأفكار المقولبة وتجاربنا المشوهة (وليس العكس).

المشكلة ليست في تنوع شخصيات البشر واختلافاتهم الفكرية؛ بـل في محاولة كل فرد احتكار الحقيقة والصواب، ناهيك عن فشل كل طرف في اكتشاف نقاط تفرده وأسباب اختلافه عن الآخرين.. كل فرد (إلا من رحم ربي) يعتقد أنه فريد عصره ووحيد زمانه والمرجع الوحيد فيما يختلف عليه الناس ويخفى عليهم أمـره.. مشكلة البعض (التي يراها الجميع إلا هـو) قناعته بأن ما توصل إليه بعد ما يظنه تفكيراً واعياً وعميقاً هو الصحيح والسليم وما لم يسبقه إليه أحد من العالمين.

يجب أن ننطلق من اتفاقنا على وجود فرق بين (الحقيقة المطلقة) وما يعتقد كل إنسان أنه حقيقة مطلقة.. فنظرتنا للعالم شخصية وذاتية أفرزتها مؤثرات عميقة ومتقاطعة لا نعيها غالباً.. مؤثرات لم نخترها معظمها بإرادتنا، ولكنه انتهت بنا إلى تبني رأي موروث ومكرر - يفترض بالجميع الالتزام به.. نادراً ما يخطر ببالنا أن قراراتنا ونظرتنا للعالم هي التي تـشوهت بسبب ظروف ومفاهيم وأفكار ضيقة تحيط بـنا (وليس العالم هو الذي تشوه).

ولأن البشر نادراً ما ينجحون في مغادرة أنفسهم (ليروا العالم من الخارج بشكل غير متحيز) أعتقد أن أول متطلبات الخروج بالرأي النزيه والقرار الصائب هو الاعتراف بتعرضنا المسبق لكافة أنواع المؤثرات الضيقة.. الخروج أولاً من قوقعة الماضي والمعتاد والمسلم به، والاعتراف بأننا (محصلة نهائية) لظروف اجتماعية وثـقافية ونفسية أعقد مما نتصور.

فـقـط حين نعترف بهذه الحقيقة، يصبح همنا الأول ليس الدفاع عن آرائنا الخاصة، بـل التأكد من أننا لم نخدع أنفسنا ونتبنى آراء تم تشكيلها مسبقاً.. نصبح مهيئين للانتقال من مرحـلة (لماذا) لا يفعلون ذلك إلى (كيف) نتفهم بعضنا ونصبح أفضل من ذلك؟

كتب تطوير الذات.. هل هي مفيدة فعلاً؟


الكتاب علاقة نسبية بين القارئ والمؤلف، المؤلف (فـرد) يطرح قناعاته الخاصة، والـقـراء (مجموعة) تـتقبل كلامه بمستويات مختلفة.

لا يمكننا إصدار حكم مطلق على أي كتاب بسبب تفاوت تأثيره في القراء، فبعضهم يحبه لأن أفكاره تتطابق مع المؤلف، أو يملك استعدادا للاستفادة منه، والبعض الآخر لا يحـبـه؛ لأنه يختلف مع المؤلف، أو يدرك بسرعة عجزه عن الاستفادة منه.

حين يخبرك أحـدهم أنه لم يستفد من أي كتاب.. فصَـِّدقه؛ لأنه مثـل شخص لم يستفد من كتب الريجيم بسبب تمسكه بنظامه الغذائي القديم.. صدقه؛ لأن كتب الاستثمار (وبناء الثروة) لا تمنح الثروة لمن يخشى التخلي عن الـراتب والأمان الوظيفي.. صدقه؛ لأن كتب الرياضة وكمال الأجسام ليست هرمونات تـضمن للقراء نمـو الأنسجة والعضلات.

أنا شخصيا لدي رف كامل من كتب بناء الثروة، (أحتفظ بها من أيام المراهقة)، ولكنني لم أصبح ثريا؛ لأن اهتماماتي الفكرية ظلت دائما مقدمة على اهتماماتي المالية، أملك كتبا كثيرة عن "الكاراتيه" و"الكونج فو" و"كمال الأجسام"، ولكنني لـم أَنَل أي ميدالية رياضية؛ بسبب افتقادي الإرادة والإصرار على التمرين.

وأنت أيضا مثل الجميع، يمكنك أن تقرأ عشرات الكتب الرائعة عن الرياضة والريجيم، ولكنك لن تستفيد منها إن لم تكن مستعدا لممارسة الرياضة والريجيم، يمكنك أن تقرأ عشرات الكتب المتخصصة في الاستثمار وبناء الثروة، ولكنك لن تستفيد منها ما لم تملك إصرارا على بـناء مشروعك الخاص والتضحية براتب ينتهي قبل خروجه من الصراف.

والقاعدة نفسها تنطبق على كتب (تطوير الذات)، فإن لم تكن تملك الإرادة على التغيير، والاستعداد للتطبيق، فلـن تغيرك كل الكـتب والنصائح الرائعة، وفي المقابل، يمكن لنصيحة عابرة أو كتاب مهمل (اشتريته منذ سنين) أن يغيرك إلى الأفضل بمجرد امتلاكك الرغبة والاستعداد للتغـيير.

لا أخفيكم سـرا، قررت الكتابة عن هذا الموضوع بعد تسلمي إيميلا من شخص أشاد بكتاب "نظرية الفستق"، ولكنه قال في نهاية رسالته: "ورغم أهمية الأفكار في الكتاب، سيكون آخر كتاب أشتريه في تطوير الذات؛ لأنني اكتشفت أن هذه الكتب تنظيرية لا تفيد ولا تغير حياة الناس".

فهمت قصده فورا؛ لأنني شخصيا قرأت كثيرا من هذه الكتب (وبلغتها الأم)، ثم بدأت في مرحلة معينة أتساءل: وماذا بعـد؟ ما الذي غيرته في حياتي؟ ماذا استفدت من نظريات ونصائح جميلة في تطوير الذات؟

غير أنني في النهاية أكتشف حقيقتين مهمتين لم أستطع إنكارهما:

الأولى: أنني لـم أكن أملك الإرادة أو الاستعداد لـتنفيذ معظم ما جاء فيها (وحين لا تملك الإرادة لخفض وزنك، فلا ينفعك أي كتاب في الريجيم).

الثانية: أن عقلي الباطن، ومن دون أن أدرك، تشبع بأفكار ومبادئ جميلة وردت فيها، (ولكنني لم أدرك أنها غيرتني فعلا إلا في سن متقدمة).

وبناء على هاتين الحقيقتين، أصبحت على قناعة بأننا حين نـقرأ كتب تطوير الذات؛ لن نستفيد أو نطبق ما جاء فيها 100في المئة، ولكن مجرد إطلاعنا عليها يجعلنا أفضل بكثير ممن لم يقرأها أصلا.

أصبحت على قناعة بأننا (حتى حين نـنسى معظم محتوياتها) تترك في عقلنا الباطن آثارا عـميقة، ومبادئ حميدة تمتزج في شخصيتنا، وتظهر في كلامنا، ويلاحظها الناس في تصرفاتنا.

إذن؛ السؤال الحقيقي ليس هـل تفيدنا كتب تطوير الذات أم لا؟ بل؛ هــل نملك الاستعداد لتطبيق ما جاء فيها أم لا؟

وهـذه النقطة بالذات أشرت إليها في مقدمة كتابي السابق حين قـلت: "وتذكر دائما أن الكلمات تظل كلمات، حتى تتبناها أنت فتتحول إلى أفعال وتصرفات".

مدينة السوفييت العظيمة


في أبريل 2015 تمكنت من تحقيق حلمي بزيارة روسيا ضمن رحلة طويلة شملت أيضاً الدول الإسكندنافية في شمال أوروبا.. وأقول "تمكنت" لأنني واجهت حينها عقبات إجرائية كثيرة (ورثتها روسيا من الاتحاد السوفييتي السابق) تقف عقبة أمام معظم السياح.. فـتأشيرة الدخول مثلاً كانت تتضمن اشتراطات شبه مستحيلة أهمها وجود دعوة مسبقة لزيارة البلد.. كما كانت هناك شروط تتعلق بالحجوزات وطريقة الدخول والخروج وكمية الأموال التي يحملها السائح، وهذا غير قلة عدد الفنادق التي تسببت بها عقود من الانغلاق السياحي زمن الحكم الماركسي.. لم تنفتح روسيا إلا بعـد كأس العالم الأخيرة (2018) حين رافق منتخبنا الوطني أعداد هائلة من المشجعين لم يعانوا ما عانيته قبل ثلاث سنوات فقط.

ورغـم أن جولتي شملت حينها سانت بطرسبرغ وأربع بلدات صغيرة (بالإضافة إلى رحلة طويلة في نهر الفولغا) سأكتفي اليوم بالحديث عن موسكو التي أستعد لزيارتها للمرة الثانية.. فـزيارة روسيا لا تكتمل دون زيارة هذه المدينة التي كانت تشكل محور الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية زمن الحرب الباردة.. ماتزال مركز الثقل السياسي والثقافي والتعليمي والاقتصادي في روسيا، وسابع أكبر مدينة في العالم بعشرة ملايين نسمة.

بنتها القبائل السلافية في القرن العاشر ميلادية على ضفتي نهر موسكوفا (الذي اشتقت منه اسمها).. وفي بداية القرن الثالث عشر أحرقها التتار وظلت تحت سيطرتهم فترة طويلة قبل أن تعود للروس العام 1480 (حين انتصر إيفان الثالث على التتار الذين تحولوا للإسلام). ورغم أنها تعرضت بعد ذلك لغزوات التتار والبولنديين والسويديين والفرنسيين (وحاصرتها جيوش هتلر في أربعينات القرن الماضي) ظلت رمزاً وطنياً للأمة الروسية وأعلنت في العام 1918 عاصمة للاتحاد السوفييتي العظيم.

والحقيقة أنك حين تصل إلى موسكو لا تستطيع تجاهل وجود ستالين في كل مكان من خلال تماثيله ومبانيه وساحاته وقبره.. استلم زمام الأمور بعد وفاة قائد الثورة البلشفية لينين العام 1924 وأصبح زعيماً مطلق الصلاحية حتى وفاته العام 1953.. قبل تسلمه السلطة كانت روسيا بلداً زراعياً فقيراً، وعند وفاته كانت بلداً صناعياً عظيماً هـزم هـتلر واحتل شرق أوروبا وصعد إلى الفضاء وامتلك صواريخ عابرة للقارات.

وبالإضافة إلى الطابع الستاليني للمدينة، لا يمكنك زيارة موسكو دون المرور بالميدان الأحمر الذي يضم معظم المعالم النمطية للدولة الروسية.. ففي هذا الميدان الذي تغلب على مبانيه الصلصال الأحمر توجد قلعة الكريملن (مقر الدولة) وساحة النصر (حيث يستعرض الروس صواريخهم النووية) وقبر ستالين (الذي تحول لقبلة شيوعية) وسوق كيتاي جورود (الذي يعد في نظري الأجمل في العالم قاطبة).

بقي أن أشير إلى نقطة مهمة وهي؛ أن موسكو تمثل بامتياز الحقبة السياسية للاتحاد السوفييتي، ولكن سانت بطرسبرغ هي المدينة التي تمثـل تراث وفنون الأمة الروسية - ونالت إعجابي أكثر من مدينة السوفييت العظيمة.

حول العالم مع ذي الخلصة


جميع الديانات الكبيرة تملك مواقع مقدسة تزورها بشكل دوري وتحج إليهـا بشكل سنوي.. تعزز من خلال ذلك هويتها وأحقية وجودها وفكرة الالتفاف حولها.. كان من أهم دوافع الحروب الصليبية ادعاء منع النصارى من زيارة المواقع المقدسة في القدس وبيت لحم.. وخلال المئة عام التالية من صلب المسيح لم تعد فلسطين موقع الحج الوحيد كون المسيحيين أصبحوا يحجون أيضاً إلى القسطنطينية والفاتيكان وأضرحة القديسين المشهورين في أنحاء أوروبا.

أما العرب فكانوا يحجون (في الجاهلية) لأكثر من 22 كعبة في أرجاء الجزيرة العربية.. كان لكل قبيلة أو تجمع قبلي كعـبة خاصة بها تضع داخلها الأصنام التي تعبدها.. كانت قبائل خثعم وبجيلة ودوس مثلا تحج إلى صنم مصنوع من المرمر الأبيض يدعى "ذو الخلصة" ورد ذكره في حديث نبوي صحيح: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة".. (صحيح البخاري/ كتاب الفتن).

غير أن كعبة الخليل إبراهيم في مكة المكرمة كانت أكثرهن شهرة وتقديساً الأمر الذي أثـار حسد أبرهة الأشرم فـبنى شبيهاً لها في صنعاء أسماها "القليس" ودعا العرب لزيارتها، غير أن محاولته هذه لم تغـريهم بالحج إلى اليمن فجهز جيشاً عظيماً لغزو مكة وهدم الكعبة (وتعرفون قصة الفيل).

وغني عن القول؛ إنه كلما ازداد تفرع الطوائف والفرق الدينية، ارتفع عدد المواقع والمزارات المقدسة التي يحج الناس إليها.. وهذه العلاقة تفسر ظهور آلاف المواقع الجديدة في القرن العشرين وحده (أشهرها كهوف باتـو في ماليزيا وكنيسة لييزيه بفرنسا وقرية فاتيما في أسبانيا وجبل لودوز في البيرو وخليج نودريك في إيرلندا وضريح زافيير في الهند).

وحتى يومنا هذا تملك الهند أربع مدن هندوسية مقدسة تستقطب ملايين الحجاج الهندوس كل ثلاثة أعوام. وبحسب كتاب غينيس للأرقام القياسية وصل عدد الحجيج لبلدة ليهباد المقدسة إلى 25 مليون إنسان كأكبر تجمع بشري في التاريخ!

أما في إيران فـما يزال أتباع زارادشت يحجون (في يونيو من كل عام) إلى عين ماء مقدسة تدعى تشكشك.. والمفارقة أن فتح المسلمين لفارس كان السبب في ظهور هذا الموقع واكتسابه صفة القداسة. فالرواية الزاردشتية تقول إن جيش المسلمين أسر ابنة الإمبراطور يزدجر الثالث وسجنها في كهف خارج بلدة يـزد. وأثناء وجودها في الأسر كانت تصلي لزارادشت كي ينقذها فـاستجاب لها وشق الجبل ليبتـلعها ويفجر مكانها عين ماء مقدسة!

وحين تنفجر الفكرة في الدماغ يصعب منعها على أرض الواقع.

شبكة تحضير الموهوبين


سبق أن كتبت مقالا بعنوان "جلسات تحضير المبدعين"، قلت فيه إن المبدعين لا يختفون، ولكننا نعجز فقط عن اكتشافهم.. بمجرد أن تمنحهم فرصة الظهور، ستفاجأ بحضور أعداد هائلة منهم لدرجة تتساءل عندها: من أين أتـوا؟ وأين كانوا؟

وفي ختام ذلك المقال، طالبت بإنشاء مسابقات وطنية ومدرسية موسمية لاكتشاف المواهب في كل مجال، وبطريقة لا تختلف عن برامج المنافسات التلفزيونية؛ لاكتشاف أجمل الأصوات الغنائية.

واليوم (وبما أنه لم تظهر أي مسابقة من هذا النوع)، أود لفت انتباهكم إلى دور شبكة الإنترنت نفسها في اكتشاف الموهوبين، وخلق المبدعين، وتعريف العالم بأعمالهم.. فظهور الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أتاح لملايين الناس فرصة نشر أفكارهم ومواهبهم الخلاقة من خلالها.. ومجرد إتاحتها فرصة الظهور لملايين الـناس خـلق (وسيخلق بمرور الأيام) صفوة من العباقرة ونخبة من المبدعين لم نكن لنسمع عنهم لولا وجود الإنترنت.

دعنا نضرب مثالا بمجال الأدب والكتابة والنشر.. فحتى وقت قريب كان "واحدا" من بين "عشرة آلاف" تتاح له فرصة نشر إنتاجه الشعري أو الأدبي في الصحف ووسائل الإعلام الرسمية.. أما اليوم فيمكن لجميع (العشرة آلاف) التعبير عن مواهبهم في فضاء الإنترنت.. حتى وقت قريب كنت أقابل شبابا موهوبين يشتكون من عدم منحهم فرصة الظهور في الصحف والمحطات التقليدية؛ فـأبتسـم وأقـول: ولماذا تريـدون الكتابة في الصحف ولديكم شبكة الإنترنت التي تفوقها انتشارا وسرعة تأثير؟ لماذا تتزاحمون على الصحف والقنوات، في حين أتاحت الإنترنت لكل إنسان إنشاء برنامجه الخاص على "يوتيوب" و"السناب شات".. أخبرهم بصراحة أن (وسيلة النشر) لـم تعـد مشكلة كون الجماهير ستتابعك (في حال كنت موهوبا ومميزا) في أي مكان تنشر فيه أفكارك ومقاطعك وإبداعاتك!

ويمكن قول الشيء نفسه عن كل التخصصات العلمية والفنية والأدبية والمواهب الفريدة، فكثرة قاعدة المستخدمين تعـني تفوق وكثرة النُخـب الموجودين في أعلى الهرم.. فـفي حال علمنا بأن الإنترنت وصلت اليوم إلى نصف سكان العالم (وهو ما يعني 3,75 مليارات إنسان).. وفي حال افترضنا أن واحدا (من كل ألـف فقط) كان مبدعا أو موهوبا في جانب معين، فهذا يعني وجود أكثر من 37 مليون مبدع حول العالم يعيشون بيننا اليوم.

أما في حال كنا أكثر تشددا، وافترضنا أن عباقرة بمستوى أديسون وسقراط وابن سينا لا يظهرون إلا بمعدل واحد فقط (من كل مليون مستخدم)، فهذا يعني أن الإنترنت حبلى (الآن) بــ3750 عبقريا بمستوى أديسون وسقراط وابن سينا!

والسؤال مرة أخرى: لماذا لا نراهم؟ ولماذا لم نسمع عنهم؟ ولماذا يدخلون التاريخ؟ وهل كثرتهم هذه الأيام السبب في عدم بروزهم وتفردهم؟

المؤكد أن الإنترنت مليئة اليوم بعباقرة وموهوبين (قد تصعب رؤيتهم)، ولكن يسهل العثور عليهم بــ"جلسة تحضير" بسيطة ينظمها الشيـخ "جـوجـل".

حيث تتحدث الأحافير


متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك من أعظم المتاحف المتخصصة في الأحافير، وأكثرها نشاطا في توثيق سجل الحياة على الأرض.. زرته مع أسرتي أخيرا (وتحديدا في أغسطس 2018)، وتوليت بنفسي شرح أقسامه المختلفة لهم.. أعرفه جيدا؛ ليس فقط لأنني قرأت كثيرا عن الاكتشافات والدراسات التي قام بها (للبحث عن سر الحياة وتاريخ الخلق)؛ بل لأنني سبق أن زرته مرتين عامي 1996 و1999.

لم يخب ظني أبدا فيما رأيت، لا من حيث ضخامة المتحف، ولا من حيث الكم الهائل من القاعات والمعروضات التي يضمها. أذكر في أول زيارة لي، وأثناء تجولي في القاعة الخاصة بالديناصورات، لاحظت أن الهياكل المعروضة غير مكتملة (وإن كانت مكملة بقوالب بلاستيكية وجبائر خاصة)، فسألت المشرفة على القاعة: كيف أمكنت معرفة شكل الديناصور كاملا، في حين أن العظام المكتشفة لا تتجاوز 5 أو 10 في المئة من كامل الهيكل؟!

ويبدو أن أحدا لم يسألها منذ فترة طويلة؛ حيث "انفلتت" في محاضرة حقيقية عن الديناصورات وأنواعها وطرق تركيبها؛ لدرجة أن أم حسام تركتنا وجلست على كرسي مجاور، ولا أخفي عليكم لم أعد أتذكر كثيرا مما قالت، إلا أن هناك جملة ما زالت عالقة في رأسي أوضحت لي كل شيء، فقد قالت: من خلال كاربوريتر السيارة يمكن للميكانيكي تخمين حجمها وموديلها وقوة محركها.

وهذا التمثيل لا يبدو فقط منطقيا ومعقولا، بل يناسب العقول الرجالية التي تفهم في السيارات أكثر من الديناصورات، فـمن المعروف أنه من خلال كاربوريتر السيارة يمكن للميكانيكي الخبير معرفة قوة المكينة ونوع السيارة وتاريخ صنعها.. وعالم الأحافير بدوره يمكنه القيام بعمل مشابه مع الديناصورات والأحياء المنقرضة، وذلك بتخمين حجمها وشكلها ونوعها، من خلال عظمة الساق أو الذراع أو حتى الأنياب.

وإذا تركنا الميكانيكا وانتقلنا إلى علم التشريح، نكتشف أن عظمة الكتف تؤدي دورا نسبيا في عمل الهيكل العظمي، وتتحمل وزنا وجهدا معلوما عند القيام بحركات معينة، وعلى هذا الأساس يمكن للعالم الخبير استنتاج نسـب بقية الهيكل، من خلال مقارنتها بعظمة الكتف، وطريقة اتصال الأوتار والمفاصل الأخرى بها، كما يمكن بمقارنة التركيب الداخلي للحيوانات الموجودة حاليا بتلك المنقرضة معرفة نسبة اللحم والجلد الذي يغطي الهيكل، وبالتالي بناء نموذج كامل للحيوان المندثر.

وكل هذا يعني أن هياكل المخلوقات المنقرضة (الموجودة في متاحف العالم) إما مختلطة وإما مصطنعة. الشكل الذي تراه (كاملا) يعتمد على استنتاجات تأسست على جزء صغير من المخلوق الحقيقي.. قد يكون الفك أو الحوض أو عظمة الكتف.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...