الأحد، 29 مارس 2020

معايير العظمة


لا يمكننا الحكم على البشر إلا من خلال الإنجازات التي تخدم "البـشـر"..

لا يمكننا الحكم على العظماء إلا من خلال الإضافات الإيجابية التي قـدموها للبسطاء..

لا يمكننا الحكم عليهم من خلال جنسياتهم ودياناتهم كون إنجازاتهم تصبح ملكاً للبشرية جمعاء..

.. لهـذا السبب أحترم عظماء وعلماء وأطباء خدموا الناس، وأنقذوا الأرواح، وأضافوا لحصيلة المعرفة.. ولنفس السبب أكـره فاتحين وطغاة (من شاكلة نابليون وهولاكو وهتلر والإسكندر الأكبر)؛ لأنهم على العكس تماماً قـتلوا الملايين، وشردوا الملايين، وسببوا البؤس للـملايين.. ولم يقدموا في المقابل أي إضافة إيجابية للبشر..

غـير أن مسألة الحب والاحترام لا تلغي وجود هـذين النوعين المتناقضين من العظماء.. لا تلغي حقيقة أنهما طفرة استثنائية وحالة مختلفة عن "الأسوياء"..

هؤلاء "المختلفون" هم من نضطهدهم خلال حياتهم بتهمة التحريض والتمرد، ونحترمهم بعد وفاتهم بوصفهم عظماء وعباقرة سبقوا زمانهم..

هؤلاء هم الذين أثـاروا اهتمامي منذ الطفولة - لدرجة ظننتهم من أفراد الأسرة - وسطرت من أجــلهم كتاب "الله وحده قادر على صنعهم"..

المشكلة التي ستواجهك (كما واجهتني) هي الاتفاق على معـايير الاختيار، ومقاييس التميز...

فما تعريفك أنت مثلاً للشخصية العظيمة؟

كيف ترتب شخصيات التاريخ في قائمة لا يختلف عليها أحد..؟

كيف تميز بين العظيم، والعبقري، والطاغية، ومن قــدم اكتشافاً مهماً..؟

هل تعتـمد عظمة الإنسان على قـوة تأثيره، أم عـمق تغـييره، أم أهـمية إنجازه للناس..؟

.. أنا شخصياً وقفت حائراً أمام هذه الأسئلة أثناء إعدادي للكتاب.. ولكنني في النهاية قررت تجاهل الطغاة والفاتحين والقادة العسكريين؛ لأنني لا أحترمهم، وأصنفهم كمجرمين وسفاحين أبادوا الشعـوب ودمروا الأوطـان.. وفي المقابل اخترت التعريف بعـباقرة وعلماء وأطباء شبه مجهولين، رغــم أنهم أنقذوا حياة الملايين.. قررت الالتزام بهذا المعيار؛ لأنني على قناعة بأن قيمة الإنسان تساوي مجموع أفضاله على الناس، تحدثت أيضاً عن أديسون (الذي قدم للبشرية أكثر من ألف اختراع)، ومحمد يونس (الذي ابتكر بنوك الفقراء وساهم في نشرها حول العالم)، وتسايلون (الذي اخترع الورق وساهم في نشر المعرفة)..

.. باختصار؛

قــد يختلف تقييمنا للعباقرة ورأينا في العظماء، ولكنني على قناعة بأن قيمة الإنسان في النهاية = تساوي مجموع أفضاله على الناس..

الفرق بين المـبدأ والفعـل


هناك سؤال أصبح يتكرر عليّ مؤخراً بصيغ مختلفة:

ما رأيك بكـثرة الكتب التي أصبحت تؤلف في السنوات الأخيرة؟

هل ترى ضرورة منع الكـتب الضعيفة من النشر؟

ولماذا لا يتم منع بعض الأشخاص "أو المشاهير" من النشر والتأليف؟

.. أذكر في معرض الرياض الأخير أن السائل ضرب مثلاً بكتاب "توصون شي ولاش" للطفل بوجفين الذي أثار حينها جدلاً كبيراً.. ابتسمت وقلت:

.. هذا الكتاب بالذات حقق مبيعات فاقت معظم الكتب الجادة، وأبو جفين "بحكم سنه" يستحق الثناء والتشجيع.. ولكن لماذا لا نترك الحكم للسوق ورأي الجمهور، والمؤلف الشاطر يتجاوز الطبعة الأولى!

.. ما يهمني أكثر من الكتب، هو ضرورة التفريق بين المبدأ والمحتوى..

فـالمبدأ هنا هو عدم منع أحد من التعبير عن رأيه سواء بكتاب أو جريدة أو منصة إلكترونية.. من حق كل إنسان أن يكتب ويقـول ويعبر عن نفسه - ولا يمكنك حتى إن أردت، منع الناس من ذلك..

أمـا من حيث الفعل فقد يكون المحتوى جيداً أو هابطاً، قد يناسبك وقـد لا يناسبك، قد يتوافق وقـد لا يتوافق مع ميولك وأفكارك.. من حقك رفضه وعدم شرائه، ولكن ليس من حقك استغـلاله والاستشهاد به لـقمع المبدأ ذاته "وهو هنا الحق في التعبير والتأليف"..

يجب أن نفرق بين الاثنين كي لا ندخل في قضايا بيزنطية لا ينتهي الجدل حولها.. فـالمبدأ عـام، والفعل خاص.. المبدأ نظرية والفعل تطبيق.. المبدأ مطلق والفعل متغير.. المبدأ يسري على الجميع، والفعل قد لا يُرضي الجميع.. لا يجوز أخذ الفعل "حتى حين ينحدر مستواه" كحجة لإلغاء المبدأ الذي يسانده...

وهذا التفريق يجب أن يسري على القضايا الاجتماعية كافة التي نختلف حولها بسبب عدم تمييزنا بين المبدأ، والتطبيق..

فالترفيه مثلاً مبدأ "يكاد يكون غريزياً لدى البشر" أما التجاوزات السلبية فـفعـل محتمل واستثنائي..

وقيادة المرأة للسيارة مبدأ، والاحتمالات السيئة التي قد تحدث "أو تطرح بحجة سد للذرائع" لا يجب أن تلغيه أو تطعن فيه..

وولاية المرأة البالغة حـق ومطلب عام، وحين تسيء إحداهن استغلال هذا الحق؛ يصبح هذا فعلاً خاصاً لا يطعن في المبدأ ذاته "تماماً كما لا يطعن في ولاية الذكور"..

حتى آراؤك الخاصة يا عزيزي ليست مبادئ مقدسة ولا يحق لك المطالبة بتطبيقها كمبادئ عامة.. مجرد مطالبتك بذلك تمنح معارضيك الحق في تطبيق آرائهم أيضاً كـمبادئ عامة.

صداعك الإلكتروني


العنوان ليس من قبيل المبالغة كون هناك من يعـاني من أجهزته الإلكترونية.. فهذه الأجهزة تولد مجالات مغناطيسية تؤثر على الجهاز العصبي لنسبة معينة من الناس.. تتفاوت أعراضها بين الصداع والغثيان والخمول والدوخة وعدم التركيز.. لا يعلم معظم الضحايا أن علتهم تكمن في جوالاتهم، وأجهزتهم، والتقنيات الإلكترونية المحيطة بهـم..

فـمن المعروف أن "الموجات الكهرومغناطيسية" أحـد أشكال الطاقة الإشعاعية التي تصدر من الأجهزة الكهربائية.. يتم بثها بشكلين "كهربائي ومغناطيسي" متساويين في الشدة، ومتعامدين في المستوى، وينتشران بسرعة الضوء.. وبما أن هناك تياراً كهربائياً يسري في أعصابنا وأدمغتنا يصبح تــأثرها بالأجهزة الكهربائية أمراً محتملاً "كما يتأثر بث التلفزيون والراديو بعمل الخلاط أو المكنسة الكهربائية قربها"..

وكان أحد علماء الأعصاب الكنديين قد قدم العام 2000 دراسة تتهم الهواتف المتنقلة بالتسبب بأورام دماغية مجهولة المصدر "ومن هنا تبلورت السمعة السيئة لتأثير الجوالات على أدمغة البشر".. كما ظهرت دراسات أخرى تتهم أبراج الجوالات "التي تبث نطاقات مكثفة من الإشعاعات الكهرومغناطيسية" بالتسبب بمشكلات صحية كـالسرطان وتساقط الشعر والأرق وعـدم التركيز...

غير أن المشكلة الرئيسة في هذه الاتهامات أنها "حتى لو كانت صحيحة" لا تصيب سوى نسبة معينة من الناس.. فمعظمنا لا يتأثر "أو هكذا نعتقد" بالمجالات الكهرومغناطيسية التي تخرج من الأجهزة الكهربائية والهواتف الذكية والكيابل المخفية داخل الجدران.. ولكن هناك حالات لأشخاص يدركون امتلاكهم حساسية مفرطة من التقنيات الكهرومغناطيسية..

ورغــم أن الظاهرة مازالت غامضة ومختلفاً عليها، لا ينكر أحد أننا نعيش اليوم حالة تـلوث راديوي وكهرومغناطيسي يخترق أجسادنا صباح مساء..

ورغـم أن معظم الأطباء لا يعترفون أو لا يستطيعون تأكيد هذه العلاقة، أصبح لها جمعيات خاصة في أميركا، وأصبحت تملك اسماً علمياً مرعباً (إليكتروهايبرسينسيفتي (Electrohypersensitivity وتعني الحساسية المفرطة للكهرباء!

.. لا أتوقع إصابتك بهذه الحساسية "ولا أتوقع تداخل سيالاتك العصبية مع أجهزتك الكهربائية" ولكن من المفيد أن تتذكرها دائماً كأحد الاحتمالات..

وفي جميع الأحوال خذها مني نصيحة:


استعمل سماعات خارجية لهاتفك الجـوال..


لاحظ أي أعراض تطرأ بسبب عملك بين الأجهزة الإلكترونية..


لا تنم قرب الأفـياش والتوصيلات والأجهزة الكهربائية..


غـير اتجاه سريرك بحيث تنام ورأسك شمالاً وقدماك جنوباً "كي يتسق جسدك مع مجال الأرض المغناطيسي".

أغنى الأموات 2018


لا يبدو أن الموت يقف عائقا أمام قدرة البعض على جمع الملايين.. خذ كمثال القضية التي كسبها مؤخرا ورثة الملاكم محمد علي كلاي ضد قنوات فوكس الإخبارية. فقبل المباراة النهائية لكرة القدم الأميركية بثت القناة "فيديو" قصيرا لأعظم رياضي القرن وهو يقول: "أنا الأعظم".. ورغم أن المقطع لم يتجاوز ثلاث دقائق اعتبره ورثة كلاي اعتداء على حقوقهم الإعلامية وطالبوا بــ30 مليون دولار كتعويض.. وقبل فترة بسيطة توصل الطرفان لتسوية غير معلنة دفعت بموجبها قناة فوكس بضعة ملايين للورثة!!

وكانت مجلة فوربس (التي تصدر قائمة سنوية بأغنى أغنياء العالم) قد دأبت على إصدار قائمة برديفة عن أغنى الأموات في العالم.. فالأموات أيضا يمكنهم تحقيق الملايين من خلال حقوق الملكية الفكرية (التي يتم بثها أوبيعها) أو قضايا التعويض المادية (كقضية كلاي ضد فوكس) أو حق بيع وتأجير الشخصيات (كسوبرمان والرجل الوطواط)... الخ

وفي قائمة 2018 تصدر مغني البوب مايكل جاكسون القائمة بحقوق بث بلغت 400 مليون دولار (علما أنه تصدر هذه القائمة عدة مرات منذ وفاته عام 2009)..

أتى بعده ألفيس برسلي الذي حققت أغانيه 40 مليون دولار (وهو أيضا لم يتوقف منذ وفاته عام 1977 عن تحقيق مراكز متقدمة)..

أما المركز الثالث فاحتله الرياضي أرنولد بالمر (المتوفى قبل عامين) بـ35 مليونا..

يليه الرسام الكرتوني تشارلز شولز بـ34 مليون دولار (علما أنه حقق 345 مليون دولار عام2017 حين باع ورثته حقوق شخصياته الكرتونية لمجموعة DHX الإعلامية)..

أما المركز الخامس فاحتله مجددا مغني الهيب بوب مارلي الذي حقق 23 مليون دولار(أتى نصفها من وضع صورته على منتجات تراوحت بين السماعات إلى أدوات التدخين)!!

... وبسبب طول القائمة نكتفي بهذه النماذج لتأكيد احترام قوانين الملكية الفكرية في الدول الغربية.. ففي هذه الدول يتم التعامل مع الحقوق الفنية والأدبية والفكرية بنفس الجدية مع الحقوق المادية والمالية والعقارية.. بفضل هذه الجدية فقط يمكن للمبدعين الاستمرار في إبداعاتهم واتخاذها كمهنة تشجعهم على إنتاج المزيد.. بفضل استمرارها بعد وفاتهم يطمئن المبدع إلى أنه حين يترك لورثته كتابا أو معزوفة أو لوحة فنية، لن يختلف عمن يترك لورثته قطعة أرض أوشركة أو صكا عقاريا.. وفي حين يحقق الأموات في الدول المتقدمة أرباحا مجزية (حتى بعد وفاتهم) يعاني المبدعون العرب من الفقر والحاجة وسرقة الحقوق (خلال حياتهم)..

في مجتمعاتنا العربية فقط يتم سجنك بسبب سرقة خيار وطماطم، ولكنك تتلقى كلمات الشكر والإشادة حين تسرق كـتابا وتنشره مجانا على الإنترنت!!

لا تـخبرني عن ثروتك بل عن مجال ثرائك


وجود الأثرياء أمر حتمي في أي مجتمع، حتى في المجتمعات البدائية والصغيرة يوجد دائما شخص يملك أكثر من الجميع، لهذا السبب من الطبيعي أن تتناسب (طبيعة الثروة) مع اقتصاد المجتمع ومرحلة التطور التي يعيشها، فـالثراء في الجاهلية مثلا كان يقاس بعدد الإبل، وفي المجتمعات الزراعية بعدد النخيل، وفي الشعوب الصحراوية بعدد الآبـار، وفي قرى الصيادين بعدد قوارب الصيد، في حين كانت البهارات تجارة الأثـرياء في معظم المجتمعات القديمة، وكانت دافع البعثات الاستكشافية الأوروبية.

ومع تطور المجتمعات، أصبحت العقارات والصناعات وقطاع الخدمات ساحة الثـراء الجديدة، ما زال قطاع الخدمات مصدر الثراء في الدول العربية، وما زال قطاع التصنيع مصدر الثراء في النمور الآسيوية. وفي المقابل هـناك أمريكا، ودول قليلة في غرب أوروبا، بدأت اليوم تنتقل إلى مرحلة ما بعد التصنيع، وتعـتمد أكثر فأكثر على اقتصاد المعرفة والبرمجة والريادة التقنية.

لاحظ بنفسك كيف أن أكثر الناس ثـراء في أمريكا ليس ملاك الإبـل والعقارات والمصانع، بــل هم مؤسسو شركات الإنترنت والبرمجة والاتصالات وتقنية المعلومات. يمكنك التأكد من هذه الحقيقة من خلال مراجعة قائمة "فوربس" الأخيرة لأغنى أغنياء العالم، ففي قائمة 2018 أتى جيف بيزوس مؤسس "أمازون" في المركز الأول بــ112 بليون دولار، يليه مباشرة بيل جيتس مؤسس شركة ميكروسوفت بــ90 مليار دولار، في حين احتل مارك زكربيرج مؤسس "فيسبوك" في المركز الخامس بــ71 مليار دولار، وفي المركز العاشر أتى لاري أليسون مؤسس "أوراكل للبرمجيات" بــ58 مليار دولار، وفي الحادي عشر مايكل بلومبيرج مؤسس شركة بلومبيرج للأخبار الاقتصادية بــ50 بليون دولار، أمــا المركزان الثاني عشر والثالث عشر فاحتلهما الصديقان لاري بيج وسيرجي برين مؤسسا موقع جوجل بأكثر من 47 مليار دولار لكل منهما.

والحقيقة هي أن القائمة تتضمن أكثر من 60 ثريا يعملون في مجال المعرفة وتقنية المعلومات، ظهر معظمهم من الصفر، وفي أمريكا فقط.

وفي المقابل، تـأمـل بنفسك مجال عـمل الأثرياء لدينا، لن أخبركم بأسماء تعـرفـونها، ولكن أثرياءنا إن لم يرثـوا المال من آبائهم، تكاد تنحصر ثرواتهم في قطاع الأراضي والعقارات والخدمات والمصارف، وفي هذه المجالات بالذات يسهل الاحتكار، ويغـلب الركود، وتتجمد رؤوس الأموال، وتتراكم أموال الناس في الـمصارف دون عـوائد.

أعــود إلى بداية المقال، وأشير إلى أن وجود الأثرياء في أي مجتمع أمر حتمي، ولكن وجـود من يـغـتـنون على حساب المجتمع أمر فـيه وجهة نظر.

الخميس، 19 مارس 2020

أقوى الجيوش في العالم


كثيرا ما أصادف على الإنترنت ترتيبا بأقوى جيوش العالم، ثم أكتشف أن معظمها يعتمد فقط - كما في العصور القديمة - على عـدد الجـنود. أفضل السيئين يحتسب مع الجنود عدد الدبابات والطائرات والسفن العسكرية، ويعـتقد أن 400 دبابة سورية صنعت في الستينات، يمكنها التفوق على 40 دبابة إسرائيلية حديثة من نوع ميركافا.

صحيح أن معظم التقارير تضع الجيش الأميركي في المركز الأول، والروسي في المركز الثاني، ولكن بقية القائمة تعتمد غالبا على التفوق الكمي والعددي، ليس أدل على ذلك من وجود الهند في المركز الرابع (بعد أميركا وروسيا والصين) متقدمة على فرنسا وبريطانيا اللتين تملكان أسلحة نووية وتقنيات عسكرية أكثر تقدما.

أيضا نلاحظ - بحسب تقرير مؤسسة Global Fire Power لعـام 2018 - أن الجيش الإيراني يحتل المركز الـ 13 متقدما على الجيش الإسرائيلي في المركز 16، وهذا في حد ذاته أمر غريب؛ لأن إسرائيل - وإن كانت أقل جنودا - تملك أسلحة نووية، وتصنع ثالث أقوى دبابة في العالم، وتملك سبعة أقمار عسكرية، وتختار ما تشاء من الترسانة الأميركية، ناهيك عن أنها الدولة الأولى في إنتاج طائرات من دون طيار.

أضف إلى ذلك أن معظم التقارير لا تُدخِل ضمن حسبتها العسكرية القنابل النووية والصواريخ الباليستية والطائرات الاستراتيجية. الأسلحة النووية بالذات تصنفها كأسلحة تكميلية يصعب استخدامها، رغـم أنها ترجح موازين دول لا تملك بالضرورة جيوشا ضخمة - كـإسرائيل وبريطانيا، مقابل الصين والهند.. يكفي أن يعرف عدوك أنك تملك أسلحة نووية كي يهابك ويتحاشى مواجهتك (كما نتحاشى رجلا يخفي مسدسا تحت ثيابه).. يكفي أن تملك منها الحـد الأدنى (ككوريا الشمالية) لتتساوى في حق التفاوض مع دول تملك منها الحد الأعلى.. أميركا مثلا لديها غواصات نووية، وقاذفات استراتيجية، وحاملات طائرات، وصواريخ عابرة للقارات؛ ولكنها في النهاية تقف حائرة أمام صواريخ روسية يمكنها الانطلاق فجأة وتدمير 10 آلاف مدينة في أميركا وحول العالم.

كـل هـذا يجعلنا نعـود ونؤكد أن عدد الرجال ليس معيارا لأقوى الجيوش في العالم، وأن ما نشاهده على الإنترنت مجرد قوائم تقريبية ومجرد من أشياء كثيرة لا يمكن قياسها (كـمستوى الشجاعة والولاء والاستعداد للتضحية لدى الجنود).

على أي حال؛ إن كنت ما زلت تتساءل عن مركز الجيش السعودي - بحسب المصدر السابق - فأشير إلى أنه في المرتبة الــ26 عالميا، والثالث عربيا بعد مصر والجزائر.

اختراعي المفضل


يوجد في القلب جزء يدعى "التجويف العقدي" يطلق نبضة كهربائية كل ثانية تجعل القلب ينبض باستمرار، ولكن في حال حصول انسداد قلبي أو مشاكل صحية معينة (خصوصا لدى كبار السن) ينقطع الاتصال بين التجويف العقدي وبطين القلب فلا تصل النبضة الكهربائية فيضطرب القلب أو يتوقف عن العمل.. وفي هذه الحالة يصبح من الضروري تزويد القلب بنبضات كهربائية خارجية منتظمة تحثه على الاستمرار كما لو كان يتلقى الإشارات الكهربائية بصورة طبيعية (وهذا سر الصعقات الكهربائية التي تعطى لضحايا الحوادث المميتة)!!

ومن هنا ظهرت فكرة اختراع آلة يمكنها حـث القلوب المريضة أو الضعيفة على النبض باستمرار (نعرفها اليوم بآلة تنظيم ضربات القلب)..

ويمكن القول ان الفكرة بدأت عام 1889 حين اكتشف الطبيب البريطاني جون اليكسندر بالصدفة أن تعريض قلب الإنسان لنبضات كهربائية يعيد إليه النبض (وهذا سر صعق المريض بالكهرباء حين يتوقف قلبه في غرفة الطوارئ).

وفي مطلع الستينات حدثت أول محاولة لزرع ناظمة كهربائية داخل الجسم في السويد.. فقد تمكن المهندس رون ميفست من تصغير حجمها لدرجة زرعها في قلب مريض يدعى آرني عاش لسن الثمانين (ولكنه زرع 26 جهازا خلال حياته بسبب انتهاء البطارية)..

ورغم كثرة الاختراعات التي ظهرت، كان الجميع يدرك أن (ناظمة القلب المثالية) يجب أن تتمتع بميزتين أساسيتين هما: صغر الحجم بحيث يمكن زرعها داخل الصدر بعملية جراحية بسيطة.. وامتلاكها قدرا هائلا من الطاقة (بحيث تعمل لسنوات طويلة دون الحاجة لتغييرها أو إعادة شحنها).

ورغم أنهما مطلبان متناقضان ويصعب تنفيذهما في وقت واحد، أصبح المستحيل ممكنا حين ابتكرت شريحة الترانزستور التي تتميز بحجمها الصغير وقلة استهلاكها للكهرباء.. وهنا أتى دور المهندس الأمريكي ويلسون جريتباتش الذي ابتكر جهازا بالغ الصغر يعمل على بطارية الزئبق.. وفي عام 1972 ابتكر جهازا أصغر حجما وأطول عمرا يعمل ببطارية الليثيوم.. وبفضل الجهاز الأخير أمكن انقاذ حياة ملايين المرضى من خلال حث قلوبهم على النبض بشكل طبيعي.. وفي عام 2013 (بعد وفاة جريتباتش بعامين) ظهرت ناظمات قلب بحجم حبة الفيتامين يمكن إدخالها عن طريق شريان الساق والصاقها بالقلب بأسنان خاصة (بدل الجراحة وفتح الصدر وتثبيتها فوق عضلة القلب).

أما لماذا أعتبر ناظمة القلب اختراعي المفضل؟! فلأنها ببساطة تـنقـذ حياة أكثر من 23 مليون انسان قبل نهـاية كل عام.

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...