الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

أصدقاء في أمريكا الجنوبية


تحدثت في آخر مقال عن فكرة السياحة من خلال "أهل البلد" اعتماداً على مبدأ أهل مكة أدرى بشعابها.. ولتقريب الفكرة قلت: تخيل معي كم ستكون رحلتك غنية وثرية وجميلة حين يكون لديك صديق في جيزان أو نجران أو الدمام يستقبلك في المطار أو يمر عليك في الفندق ليأخذك في جولة بسيارته ثم ينتهي بك الحال بتناول طعام الغذاء في منزله أو العشاء في منزل والدته ولاستكمال الفكرة وفهمها بشكل أفضل تمنيت منكم البحث في النت عن مقال سابق بعنوان "أصدقاء حول العالم"...

أما فيما يخص جولتي الأخيرة في أمريكا الجنوبية فهناك تسعة أسماء على الأقل ساهمت في جعلها أكثر ثراء وغنى وأجدر بالتذكر لسنوات طويلة قادمة...

فهناك مثلاً السيدة ليز فلور التي هربت في شبابها إلى تشيلي خوفاً من بطش الحكم العسكري في الأرجنتين. ولأنها جامعية مثقفة عرضت عليّ الذهاب أولاً إلى مقهى مشهور لتشرح لي شيئاً عن تاريخ البلاد المضطرب.. وهكذا بدأت أول أيامي هناك بمحاضرة تاريخية وعدد كبير من الأوراق ووسائل الشرح.. وحين انتهينا أخذتني إلى مقبرة مشهورة (قرأت عنها الكثير) تضم رفات ساسة وجنرالات ومشاهير كانت لهم بصمات واضحة في تاريخ بلادها......

أما الشاب مارسلو مانسيلا فلم يمر عليّ إلا في اليوم الخامس من وجودي في بوينس آيرس. وحين نزلت لمقابلته في بهو الفندق أخبرته أنني رأيت كل شيء في المدينة واقترحت عليه بالتالي زيارة إحدى البلدات خارجها.. وخلال تواجدنا في القطار تحدث كثيراً عن السياسة والاقتصاد ومراحل الهجرة الأوروبية لأمريكا الجنوبية وأخبرني صراحة أنني لن أرى هنا الكثير من السكان الأصليين لأن "أجدادنا" أبادوا معظمهم... وفي نهاية الرحلة أهداني ملفاً كان يحمله على الدوام يتضمن ما يجب أن أراه وأزوره في الأرجنتين..

أيضا هناك لويس إيدر الذي رافقني لعدة أيام في منطقة الشلالات على الجانبين البرازيلي والأرجنتيني (وكنت قد نسيته تماماً حتى أيقظني موظف الاستقبال صباحاً ليخبرني أن هناك شخصاً يود مقابلتي). وهو طالب جامعي يعمل على استقبال الوفود السياحية وأخذهم في جولات ضمن المحميات الطبيعية التابعة للدولتين.. والجميل أنه حتى في الأيام التي ينشغل فيها يبعث لي صديقه الذي لا يتحدث الإنجليزية ولكنه يملك سيارة مكنتني من قضاء مشاويري الخاصة بما في ذلك ركوب طائرة هليكوبتر أتاحت لي رؤية الشلالات وكامل المنطقة من الأعلى!!

أما في ريو دي جانيرو فكانت هناك السيدة باتريشيا التي كانت والدتها تعمل خادمة في منزل عائلة ثرية لم ترزق أطفالاً فتبنتها وهي طفلة صغيرة.. وبفضل هذه الصدفة السعيدة لم تحصل فقط على تعليم جيد ولغة إنجليزية سليمة، بل ورثت منهم شقة كبيرة في أفضل أحياء المدينة "كوباكابانا" مازالت تعيش فيها مع والدتها.. وحين طلبت منها زيارة المناطق العشوائية الفقيرة حول ريو (وتدعى فافيلا) رفضت كونها تعج بالمهاجرين والعاطلين وتجار المخدرات ولا تسيطر عليها الشرطة بشكل كامل.. ولكنها في المقابل عرضت عليّ (وهنا كانت المفاجأة) التواصل مع شقيقها ليوناردو الذي يعيش هناك.. وحين سألتها مستغرباً ولماذا يعيش شقيقك هناك؟ أخبرتني أنه من أم مختلفة وبالتالي لم يمر مثلها بذات الحظ السعيد.. وهكذا تواصلت مع ليوناردو الذي أخذني في جولات مدهشة، وسرت معه في أزقة لا يتجاوز عرضها نصف متر واتضح لي في النهاية أنه أطيب رجل قابلته خلال رحلتي كلها رغم تعليمه البسيط ولغته الركيكة....!!

على أي حال هذه "الأسماء" مجرد أمثلة ونماذج لتوضيح فكرة السياحة من خلال "أهل البلد"..

ولأنه من غير اللائق نشر عناوينهم في الجريدة (لمن يرغب بزيارة أمريكا الجنوبية ذات يوم) سأعمد لنشرها في موقعي على تويتر والفيسبوك في حين يمكنكم رؤية الصور على موقعي في انستجرام instagram.com/fahadalahmdi

السياحة مع أهل البلد


عدت قبل أيام من رحلة طويلة في أمريكا الجنوبية استغرقت أربعين يوماً زرت خلالها خمس دول (ويمكنني الادعاء أنها ست دول كوني دخلت بوليفيا لبضع ساعات فقط)..

ورغم أنني عدت بكم هائل من التجارب والخبرات (ناهيك عن 2457 صورة) لست من النوع الذي يسارع للكتابة عما رآه أو شاهده بالأمس.. فأنا ببساطة أحتفظ بتجاربي الخاصة حتى تأتي "مناسبة" أكتب فيها بأثر رجعي لإضافة شيء من العمق والمصداقية والخبرة الشخصية على الموضوع الذي أرغب بمناقشته..

لهذا السبب أخشى أن الأربعين يوماً لن تتمخض عن أكثر من موضوعين خلال هذا الشهر على الأقل كون تأثيرهما مايزال قوياً في ذهني، وبسببهما تتحرك أناملي كلما اقتربت من لوحة الكمبيوتر...

الموضوع الأول عن أصدقاء من "أهل البلد" تعرفت عليهم هناك كان لهم الفضل في اطلاعي على أسرار وخفايا لا يمكن لأي سائح معرفتها.. والثاني عن الشلالات الفاصلة بين البرازيل والأرجنتين التي تعد واحدة من أعظم الأعاجيب الطبيعية على كوكب الأرض (وأعدكم بالكتابة عنها خلال الأيام القادمة)...

فبخصوص الموضوع الأول أشير إلى أن أكثر ما يجذبني في الدول الأخرى هو الناس، وطبيعة الشعوب، واختلاف الثقافات، وتنوع الأمزجة وتتقدم لديّ على جمال الطبيعة، وتطور البلد، وتنوع المواقع التراثية والترفيهية.. بكلام آخر.. أعشق الزحمة، والحديث مع الناس، والتجول معهم وتناول الطعام في منازلهم.. وإن سألتني اليوم عن أبرز عوامل الجذب السياحي التي مررت بها في حائل أو جيزان مثلاً سأجيبك بلا تردد: طيبة وكرم وعفوية الناس فيها!!

لهذا السبب أحرص قبل سفري إلى أي مكان إلى التعرف

مسبقاً(من خلال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي) على أشخاص من أهل البلد لمرافقتي في جولاتي السياحية وتعريفي على أسرار لا يمكن لغير المواطن معرفتها إيماناً مني بمقولة أهل مكة أدرى بشعابها.. تخيل معي كم ستكون رحلتك غنية وثرية وجميلة حين يكون لديك صديق في جيزان أو نجران أو الدمام يستقبلك في المطار أو يمر عليك ثاني يوم في الفندق ليأخذك بجولة في سيارته ثم ينتهي بك الحال بتناول طعام العشاء في منزله أو منزل والدته.. وفي المقابل لن تكسب الكثير حين تصرف الكثير على فندق خمس نجوم فتحبس نفسك في قفص ذهبي، أو تذهب وتأتي داخل فقاعة تعزلك عن الآخرين وكثيراً ما أشبّه هذه النوعية من السياح بمن يذهب إلى فرنسا ولا يرى الفرنسيين!!

وبطبيعة الحال لا يتطوع الجميع لمرافقتك مجاناً، ولكن أي ثمن تدفعه يصغر أمام التجربة التي ستتحصل عليها بهذه الطريقة.. ولأنني لا أنوي إعادة سرد تجاربي القديمة أرجو منكم البحث في الإنترنت عن مقال بعنوان "أصدقاء حول العالم" لاستكمال الفكرة وفهمها بشكل أفضل..

أما بخصوص رحلتي الأخيرة فسأستعرض معكم أبرز الأسماء التي رافقتني هناك وكيف أن لكل منهم قصة تستحق الذكر في مقالي القادم...

أغنى الأموات في 2013


"لا تسأل مؤلفاً سعودياً كم كتاباً وزعت"

كان هذا عنواناً لمقال نشرته قبل فترة لاختصار حال معظم الكُتاب والمؤلفين السعوديين.. كان محاولة لتبيان الفرق الشاسع بين المكاسب المادية والمعنوية التي يحققها المؤلف السعودي مقارنة بالمؤلف الأجنبي (وضربت حينها أمثلة تضمنت الكثير من الأرقام المليونية)..

ورغم تعدد الأسباب إلا أنني ركزت على عائقين رئيسيين؛ الأول ضعف معدل القراءة في أمة اقرأ، والثاني استخفافنا بحقوق المؤلف ناهيك عن ضعف قوانين الحماية الفكرية الأمر الذي لا يشجع المؤلفين على تكرار التجربة...

وليس أدل على حفظ حقوق المبدعين في الدول الأخرى من وجود مؤلفين وفنانين أموات (لم يعد لهم القدرة على متابعتها) ومع ذلك يحققون أرباحاً مجزية بعد سنوات طويلة من وفاتهم..

وفي أمريكا بالذات تصدر بنهاية كل عام قائمة ب"أغنى الأموات" تعتمد على نسبة العوائد المتحصلة لفنانين ومؤلفين وممثلين توفوا منذ زمن بعيد انتقلت إلى ورثتهم...

خذ كمثال مغني الروك ألفيس بروسلي الذي ماتزال اسطواناته تحقق أرباحاً بملايين الدولارات منذ وفاته عام 1977.. فالمعادلة ببساطة هي أن حقوقه الفكرية مازالت محفوظة، وبالتالي من حقه (وبكلام أدق من حق ابنته الوحيدة) نيل نسبة مئوية من أي اسطوانة مباعة أو أغنية تبث في أي محطة راديو في أمريكا (وهذا مايفسر نيلها لأكثر من 720 مليون دولار منذ وفاته بمتوسط 20 مليون دولار في العام)!

وهذه المعادلة لا تتعلق بالفنانين فقط حيث ضمت آخر قائمة

مثلاً ثلاثة مؤلفين وكتّاباً وعالم فيزياء مشهوراً أصبح "وجهه" علامة تجارية فارقة...

ففي قائمة هذا العام أتى مايكل جاكسون في المركز الأول حيث نال ورثته 200 مليون دولار مقابل حقوقه الفنية (والعجيب أنه كان يرزح تحت مديونيات قدرت ب500 مليون دولار قبل وفاته).

وفي المركز الثاني أتى ملك الروك ألفس بروسلي ب60 مليون دولار ذهبت كلها لمستثمر اشترى من ابنته الوحيدة ليزا ماري حقوق مصنفاته الفنية عام 2011 بمبلغ لم يتم الافصاح عنه...

أما المركز الثالث فحققته الممثلة مارلين مونرو (التي لم يكف الجدل حول طريقة وفاتها) ب30 مليون دولار...

وأتى في المركز الرابع مؤلف قصص الأطفال تشارلز شوسلز ب26 مليون دولار...

وفي المركز الخامس مغني البيتلز البريطاني جون لينين ب15 مليون دولار...

وفي السادس الممثلة اليزابيث تايلر ب13 مليون دولار...

أما المركز السابع فحققه صدق أولا تصدق عالم الفيزياء المعروف ألبرت أنشتاين الذي نال 12 مليون دولار (ليس بفضل نظريته النسبية) بل بفضل تحول وجهه الى علامة تجارية تُنشر بمقابل مادي في المجلات والكتب والأفلام والبرامج التلفزيونية!!

وفي المركز الثامن أتى الدكتور سويس (مؤلف) الذي حقق 11 مليون دولار...

وفي التاسع الفنان جيمي هندركس ب10 ملايين دولار...

أما آخر مركز في قائمتنا هذه فذهب إلى المؤلف ستيج لارسون بفضل سلسة رواياته "الفتاة ذات الوشم" ب9 ملايين دولار!!

... ومرة أخرى أشير إلى أن كل هؤلاء أصبحوا الآن في عداد الأموات ولكن إنتاجاتهم الفكرية مازالت تحقق لورثتهم عوائد مجزية بفضل صرامة واحترام حقوق الملكية الفكرية في المجتمعات المتقدمة (وبيني وبينك ليس لنا عذر حتى في وصفها ب"المتقدمة" كون بعضهم توفي قبل نصف قرن أو تزيد مثل مارلين مونرو وألبرت أنشتاين)..

والفرق بين الحالين يعني أنه يمكنك تأمين مستقبل أطفالك "هناك" بتأليف كتاب أو ترك مصنف فكري في حين لا يسعك "هنا" سوى التفكير بقطعة أرض أو منزل بأربع غرف..

عباقرة الظل


في مايو 2002 اعترف مجلس النواب الأمريكي بأن الإيطالي أنطونيو ميوتشي هو أول مخترع للهاتف. وجاء في القرار (رقم 269) أن ألكسندر غراهام بيل (المخترع المعروف حتى ذلك الحين) قام بصنع الهاتف بناءً على فكرة قدمها ميوتشي نفسه.. ويعد هذا القرار سابقة تاريخية تشبه مثلا سحب شرف فتح الأندلس من "طارق بن زياد"ومنحه إلى "عبدالله بن معان القرشي" (هل سمعتم به!؟)..

فالكسندر بيل شخصية علمية مشهورة يتم تدريس سيرته في المدارس - وماتزال شركته بيل أضخم شركة اتصالات في العالم - في حين لم يسمع أحد بأنطونيو ميوشي منذ وفاته عام 1889!

وتعود القصة إلى عام 1858حين هاجر أنطونيو من إيطاليا إلى أمريكا وفكر باختراع جهاز ينقل الصوت عبر الأسلاك. وبين عامي 1850و 1862صنع أكثر من 30 نموذجاً للهاتف لم يستطع (بسبب فقره) تسجيل أي منها باسمه. وفي عام 1874 عرض هذه النماذج على رئيس شركة ويسترن يونيون للتلغراف الذي حولها إلى الكسندر بيل لتطويرها. وبعد عامين فوجئ انطونيو بالصحف تعلن خبر اختراع الكسندر بيل للهاتف فأقام دعوى ضد بيل والشركة إلاّ أنه توفي وهو يحلم بالثراء وكسب القضية...

وبمناسبة مرور مائة عام على وفاته تبنى مجلس التعاون (الإيطالي الأمريكي) القضية وأقنعوا الكونجرس ومجلس النواب بأحقية أنطونيو باختراع الهاتف - واقتضى الأمر13 عاماً أخرى كي يصدر القرار!!

هذا الصراع الطويل - الذي امتد لأكثر من113 عاماً - مجرد نموذج لعلماء ومخترعين وعباقرة خرجوا بذات الفكرة (في نفس الوقت تقريباً)..

خذ كمثال عالم الأحياء المعروف تشارلز داروين الذي وصله بحث من عالم آخر يدعى "ألفريد والاس" يشبه نظريته في كل شيء قبل أيام فقط من نشر كتابه "أصل الأنواع".. وكان والاس يطلب بحسن نية من دارون نقد نظريته قبل إعلانها. وهنا وقع دارون في حرج فاستشار صديقه الدكتور لييل الذي نصحه بمصارحة والاس وترك الأمر إليه.. وبطواعية تنازل والاس عن نظريته لدارون (ولو لم يفعل لكانت اليوم تدعى الولاسية بدل الدارونية)!!

وفي عالم الاختراعات خصوصاً غالباً مايوجد ثلاثة أو أربعة مخترعين تنافسوا على نفس الفكرة - ولكن المشهور والمعروف لدينا دائماً هو من يسبق الآخر بخطوة أو لحظة أو حتى ضربة جزاء ظالمة!!

وحين تبحث في تاريخ الاكتشافات والاختراعات العظيمة تجد خلفها غالباً شخصين.. الأول مخترع مشهور، والثاني تعيس مغمور:

فبالنسبة للتلفزيون مثلاً المخترع المعروف هو جون بيرد الأسكتلندي ولكن الأسبقية هي لمزارع من إيداهو يدعى فيلو فارنسورث!

والمخترع المشهور لأول طائرة بمحرك هما الأخوان رايت (عام 1903) ولكن الأسبقية هي للفرنسي كليمون آدر عام 1890 في حين ينسب البرازيليون الفضل لألبرتو سانتوس.

وبالنسبة للهليكوبتر المخترع المعروف هو إيجور سيكورسكي (أمريكي من أصل روسي) ولكن الأسبقية هي للمواطن الفرنسي بول كورني!

أما السيارة فالكل "يدعي وصلاً بليلى" ولكن أول سيارة تسير بالبنزين قدمها الألماني جوتليب ديملر عام 1889 (وهو أحد الشركاء المؤسسين لمرسيدس)!

وحتى في عالم البحار والكشوفات الجغرافية لا ننسى أن البحار العماني أحمد ابن ماجد هو من دل البرتغاليين على طريق الهند عبر رأس الرجاء الصالح، وأن البحارة المغاربة والماليين هم من اكتشف أمريكا قبل كولومبس بقرون!!

بناء على كل هذا خذها قاعدة:

.. العباقرة المعروفون إلينا، هم خاتمة العباقرة المجهولين عنا..

مُغيبات.. غير شرعية


حين تقرأ كتب التراث والأساطير والحكايات الشعبية بل وسير الأولياء والصالحين تكتشف أن الراوي والمتلقي يتبنون الخرافة وغير المعقول كواقع لا يقبل النقاش وحقيقة لا تقبل التشكيك.. وهذا خطأ.

صحيح أن الإيمان بالمغيبات الدينية جزء من عقيدة المسلم «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب» ولكن الإيمان بالغيبيات التي لاتستند إلى نص شرعي يشكل عقبة حقيقية أمام التطور العقلي والوعي المادي.

ولو دققت النظر في تراثنا العربي لاكتشفت انتفاء النص الشرعي عن معظم الادعاءات الخارقة والمبالغات الساذجة رغم محاولات وضعها في إطار من القدسية وشرعية النص.

فهناك مثلاً محاولة إلصاق الكرامات بكل ولي أو صالح بحجة أن الكرامة "جائزة عقلاً وواقعة نقلاً" وليست مستحيلة على قدرة الله تعالى.. ولكن المشكلة هنا ليست في "الكرامة" ذاتها، بل في محاولة كل من هب ودب لحشر من يريد تحت مظلتها (وهذا لا يُعد فقط استهتاراً بمفهوم الكرامة بل وخداعاً للمسلم العادي واستغلالاً لمسلماته الدينية لتسريب أفعال وأقوال من نتحدث عنهم كمرجع ديني أو شرعي).

من حقنا المطالبة بالكف عن ادعاء الكرامة أو العصمة لكل من لبس ثوب الولاية والصلاح.. فمن غير المعقول أن تطالب أبناء هذا الجيل بتصديق ادعاءات خارقة (توجد في كتب التاريخ والتراث أو تنسبها بعض الطوائف الدينية لأوليائها الصالحين) مثل الطيران في الهواء، أوالمشي على الماء، أوطي الأرض إكراماً لهم..

والأكثر خطورة أن تُلقى إدعاءات كهذه على العامة كحقائق دينية توازي في قوتها النصوص الشرعية "وسمعت بنفسي خطيبا يروى عن أحد الأولياء أنه اشتاق يوما للمسجد الحرام فأدخل رأسه في كم ثوبه فإذا هو يخرجه في حرم مكة".. خذ كمثال الفقية اليافعي الذي نسب إلى "رجل صالح" أنه كان يزور قبر والده ليتحدث معه ويطلب منه النصيحة كلما احتاج إليها.. وجاء في كتاب "روض الرياحين في حكايات الصالحين" حكايات كثيرة عن خوارق وكرامات عظيمة تخالف العقل والمنطق. أما أبو الربيع المالقي فروى عن نفسه: قيّض الله تعالى لي طيراً في بعض الأسفار يبيت يسامرني، فكنت أسمعه الليل كله ينطق يا قدوس يا قدوس، فإذا أصبح صفق بجناحيه وقال: سبحان الرزاق وطار.. ويقول الزاهد القشيري: كنا في سفينة فمات رجل صالح معنا فأخذنا في جهازه وأردنا أن نلقيه في البحر فصار البحر جافاً "وأكاد أجزم أن قلة من السامعين تساءلت: كيف بقيت السفينة طافية؟".. أما الشيخ يوسف النبهاني فيتحفنا في موسوعته "جامع كرامات الأولياء" بحكايات غريبة وأخبار عجيبة لاتصح عقلاً ولا نقلًا.

وياليت الأمر توقف عند العصور القديمة، حيث صدرت حديثاً عشرات الكتب التي تصب في ذات السياق مثل المسيح الدجال لسعيد أيوب، وكتاب هيرمجدون لأمين جمال الدين، والمهدي على الأبواب لعيسى داوود، وآيات الرحمن في جهاد الأفغان والذي بسببه ضحى آلاف الشباب بحياتهم في أفغانستان...

وقُل الشئ نفسه عن جميع الادعاءات العجيبة والقصص الخارقة التي نقرأها على النت ونتداولها عبر الجوال ولانملك دليلاً يثبت وقوعها لا من الشرع ولا من الواقع ومع ذلك نتبنّاها كحقائق مسلم بها..

.. مرة أخرى أعود وأقول بأن هذه الادعاءات لو وضعت في إطار قصصي وأدبي غير ملزم لتفوقنا على بقية الشعوب في أدب الخيال والفنتازيا.. ولكن أن نخترعها -ثم نصدقها- ثم نستشهد بها فهذا (والله) نقص في الوعي وعيب في التفكير وسبب في تصنيفنا كأقل الأمم إنتاجاً وتصنيعاً.!!

.. وباختصار؛

الحقيقة والخرافة تتواجدان دائماً على كفتي ميزان فانظر -رحمك الله- في أي كفة تعيش...

مالا تعرفه عن الأطباء


كتبت قبل أيام مقالا بعنوان "لماذا لا نحب الأطباء؟" حاولت فيه الإجابة على هذا السؤال العويص (من خلال وجهة نظر المرضى) وفي المقابل البحث عن أبرز مايغضب الأطباء في المرضى والمراجعين (أو على الأقل يتمنون منهم فهمه وتقديره)!!

... فمعظم الناس مثلا يعتقدون أن الأطباء متعجرفين، ومستعجلين، ونزقين، ولا يتحدثون معهم بالقدر الكافي.. وفي المقابل يعتقد الأطباء أن معظم المراجعين لا يتفهمون مبدأ الأولوية ولا ينتظرون اكتمال الكشوفات ولا يدركون أن لبقية المرضى حقوق مثلهم...

... وما يبدو لي أن أهم مشكلة تعكر صفو العلاقة بين الطرفين هي عدم تفهم معظم المرضى لطبيعة عمل الطبيب وحقيقة تقيده ببروتوكولات وإجراءات طبية محسوبة ومرتبة خلف بعضها البعض...

... وكمحاولة للتقريب بين الطرفين (وصدقوني ليس أفضل من كاتب يعيش بين المطرقة والسندان) أقول للمرضى التالي:

من الطبيعي أن يتأخر عليكم الطبيب بسبب مبدأ الأولويات أو مواعيد الجولات أو وجود حالات طارئة..

ومن الطبيعي أن يبدو حائرا أو لا يعطيك رأيا قاطعا كونه ينتظر التحاليل أو رد الاستشاريين عليه...

ومن الطبيعي أن يبدو مستعجلا وقليل الكلام لأنه مسؤول عن تغطية عدد كبير من المرضى...

ويجب أن تعذره إن بدا مرهقا (أو ضيق الخلق) فهو يعمل حسب ورديات طويلة قد تمتد ل24 ساعة...

وحتى ما يظهر كأخطاء طبية يعود في معظمه إلى وجود مدارس وأراء وخيارات مختلفة (لا تضمن كلها نسبة نجاح عالية أو مضمونة) ولكن الطبيب الذي يراك يجتهد لاختيار ما يراه مناسبا لحالتك (وهو ماقد لا يراه مناسبا طبيبا آخر لم تصادفه خلال زيارتك)!

... هذا ما أردت منك معرفته عن الأطباء..

أما الأطباء أنفسهم فأقول لهم على لسان المرضى مايلي:

نحتاج الى المزيد من الشرح والإيضاح (فنحن لا نهتم بالعلاج بقدر الفهم والاطمئنان)!

وتذكروا دائما أننا أيضا نملك وظائف مهمة وأعمالا معطلة فنرجو أن يكون لانتظارنا سبب معقول!

ولأننا نجهل بروتوكولات العمل والعلاج والتنويم والخروج (رجاء) كونوا معنا أكثر حلما واحتراما!

ومن الطبيعي أن نستعجل ونقلق على أحبائنا وفلذات أكبادنا ونعتقد أن لهم الأولوية على بقية الناس!

وكمواطنين، من حقنا التذمر من نقص الأسِّرة والممرضات والأطباء أنفسهم (ولأننا لا نستطيع طرق باب الوزير لا نجد غير رؤوسكم نطرقها)..

وختاما عزيزي؛ أنا لا أعرفك عن قرب وملاحظاتي حولك إما أن تكون صحيحة، أو أنك تصرفت معي بطريقة أوحت لي بأنها صحيحة.. وفي الحالتين هذه ليست مشكلتي...!!

السير داخل فقاعة


لدي عدد قديم من مجلة Forbesالأمريكية يتضمن تقريراً جميلاً بعنوان (15 شيئاً نتمنى لو اخترعها أحد).. واعتمد التقرير على الالتقاء بعامة الناس لاستطلاع آرائهم ومرئياتهم حول التكنولوجيا التي يرغبون بظهورها مستقبلا..

ففي حين نجح العلماء في تحويل كثير من الأفكار الخيالية إلى حقيقة - مثل فلق الذرة والصعود إلى القمر - ماتزال هناك أفكار خيالية كثيرة لم ننجح في تنفيذها رغم حضورها القوي والقديم في أذهاننا (وخذ مثالاً السيارة الطائرة وخادمة آلية في منازلنا)..

وفي حين أتت بعض الآراء - في تقرير المجلة - خيالية ومستحيلة، أتى بعضها الآخر واقعياً وامتداداً لتقنيات معاصرة..

فمن الأفكار التقليدية القديمة (والمتوقع ظهورها خلال جيلين):

ابتكار سيارة طائرة و"إنسان آلي" يعمل في المنزل!

وظهور طريقة سهلة وغير مكلفة لتحلية مياه البحر!

وتلفون يترجم كلام المتحدث بحسب لغة السامع!

وورق إلكتروني يُظهر الحروف بشكل مضيء!

ومن التوقعات التي ظهرت فعلاً أو تنبع من واقع تقنياتنا الحالية:

ابتكار سيارة يتم التحكم بها عبر الأقمار الاصطناعية!

وأداة تبحث عن الأشياء المفقودة كالنظارة ومحفظة المفاتيح!

"كبسولة" لتخفيض الوزن دون الحاجة لتوقفنا عن الأكل!

ومحفظة توضع في الجيب وتضم كافة الأجهزة المعروفة كالتلفون والكمبيوتر والتلفزيون والكاميرا (وهي أمنية أرى أنها ظهرت فعلاً من خلال تلفوناتنا الذكية)!

ومن الأفكار المستحيلة (على الأقل خلال هذا القرن):

ابتكار آلة تسافر عبر الزمن!

وكبسولة تبقينا شباباً!

وإمكانية انتقالنا بطريقة آنية (عبر الموجات اللاسلكية)!

والسير داخل فقاعة شفافة مرنة تحمينا من التلوث!!

.. ومثل الاختراعات ذاتها لم تظهر هذه الرغبات من علماء أو متخصصين، بل من أشخاص عاديين - مثلي ومثلك - احتاجوا إليها أو رغبوا بامتلاكها أو ببساطة خطرت ببالهم تحت "الدشّ"..

فالإبداع والاختراع تصرفٌ فطريٌّ وفعلٌ تلقائيٌّ يقوم به الدماغ حين يصطدم بمشكلة عويصة.. ولكن العقبة الحقيقية تكمن في وجود فرق بين الأمنية والواقع، بين الفكرة والتطبيق، بين براءة الاختراع وخطة التصنيع.. فتطبيق الفكرة ونقلها إلى حيز التصنيع هي العقبة التي قد تتوقف أمامها الأمم (ناهيك عن الأفراد) رغم وضوح الفكرة وجاذبيتها؛ فالسيارة الطائرة مثلا فكرة قديمة استطرقت لأول مرة قبل مائتي عام ومع هذا عجزنا حتى اليوم عن تصنيعها بشكل تجاري (رغم أنها ممكنة نظرياً وصنعت منها فعلاً نماذج اختبارات).

ومعظم الاقتراحات السابقة ممكنه نظرياً ولكن صعوبة التطبيق والتصنيع - وليس عجزنا عن التخيل أو توفر التقنيات - هي مايؤجل تحويلها إلى سلع يقتنيها الجميع..

"البساط الطائر" مثلاً تم تخيله منذ قرون (في قصص ألف ليلة وليلة) ولكن اقتضى الأمر ألف عام لصنع البوينج والأيرباص!

ما لا يمكن قياسه لا يمكن الحكم عليه

ما لا يمكن قياسه؛ لا يمكن مراقبته، أو محاسبته، أو تطويـره أو الحكم عليه..  وبناء عليه؛ (ما لايمكن قياسه) يُـصبح عرضه للإهمال والفساد والتراج...